مفهوم صراع الحضارات

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:١٢ ، ٢٣ ديسمبر ٢٠١٩
مفهوم صراع الحضارات

تعريف الحضارة

الحضارة هي الإنتاج الفكريّ والماديّ والسّلوك العام لشعب ما أو مجموعة شعوب في حقبة زمنية معينة، ويشتمل الانتاج الفكري على كافة النشاطات العلمية والأدبية والفلسفية، بينما يشتمل المادي على إنشاء البنى التحتية والفوقية والثراء المادي للفرد والمجتمع، أما السلوك العام فيمثل والقيم الفكرية والأخلاقية والمفاهيم الاجتماعية والسلطة الحاكمة في المجتمع، أما المصادر المادية والفكرية لتكوين وبناء الحضارة، فبالنسبة للمصادر المادية فإنها تمثل الموارد الطبيعية، كالماء بكافة أشكاله الطبيعية والنفط والمعادن والتربة الصالحة للزراعة، بالإضافة للقوى البشرية الضرورية لاستثمار تلك الثروات، أما المصادر الفكرية فتمثّل الدين والفلسفة والعلوم التجريبية والترجمة، بالإضافة إلى العقول البشرية اللازمة لحفظ وتطوير ونشر تلك المصادر في المجتمع والمجتمعات المجاورة، وفي هذا الموضوع سيتمّ الحديث عن مفهوم صراع الحضارات.[١]

مفهوم صراع الحضارات

مفهوم صراع الحضارات أو صدام الحضارات، هو مفهوم اشتهر للمفكر السياسي الأمريكيّ صامويل هنتنجتون بنظرية صراع الحضارات، التي تقول بأنّ الصراعات فيما بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القوميّة باختلافاتها السياسية والاقتصادية كما في الحربين العالميّتين، ولا بين الأيديولوجيات كما في الحرب الباردة، بل ستكون الاختلافات الثقافية والحضارية هي المحرك الرّئيس للنزاعات بين البشر في السنين القادمة، ففي عام 1993 أثارَ هنتغتون جدلًا كبيرًا في أوساط مُنظّري السياسة الدوليّة بكتابته مقالةً طَرَح فيها مفهوم صراع الحضارات في مجلة فورين آفيرز، وهي كانت ردًا مباشرًا على أطروحة تلميذِه فرانسيس فوكوياما الموسومة بعنوان: "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، حيث تحدّثَ حول نهاية التاريخ وأنّه وبنهاية الحرب الباردة ستكون الديمقراطية الليبرالية الشكل الغالب على الأنظمة حول العالم، لكنّ هنتغتون من جانبه عَدّها نظرةً غير واقعيّة.[٢]

ثمّ توسّع هنتغتون في مفهوم صراع الحضارات وألّف كتابًا بعنوان "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي" جادل فيه أنّه وخلال الحرب الباردة، كان النزاع أيديولوجيًا بين الرأسمالية والشيوعية، ولكنّ النزاع القادم سيتخذ شكلاً مختلفًا ويكون بين حضارات محتملة وهي: الحضارة الغربية، الحضارة اللاتينية، الحضارة اليابانية، الحضارة الصينية، الحضارة الهندية، الحضارة الإسلامية، الحضارة الأرثوذكسية، الحضارة الإفريقية، الحضارة البوذية، هذا ويعتبِر البعض أن مفهوم صراع الحضارات جاء في مقابل مفهوم حوار الحضارات، وعلى الرّغم من كون هذا ممكنًا من زاوية نظرٍ ما، إلا أنّه من المهم ملاحظة أن هنتنجتون لم يركز حول ما إذا كان هناك صراع أم حوار، إنّما على بين من سيكون الصراع المقبل.[٢]

الحرب الباردة

هو مصطلح مهمّ في مفهوم صراع الحضارات، يُستخدم لوصف حالة الصراع والتوتر والتّنافس التي كانت توجد بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد السوفيتي، وحلفائهم من فترة منتصف الأربعينيات حتى أوائل التسعينيات، وخلال هذه الفترة، ظهرت الندية بين القوّتين العظميين من خلال التحالفات العسكرية والدعاية الإعلامية "البروباغاندا" وتطوير الأسلحة والتقدم الصناعي وتطوير التكنولوجيا والتسابق الفضائي. وقد انخرطت القوتان في الإنفاق الضخم على الدفاع والترسانات النووية والحروب غير المباشرة باستخدام وكلاء، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كانتا حليفتين في صراع قومي ضد قوات المحور في الحرب العالمية الثانية، إلّا أنّ القوتين اختلفتا في كيفية إدارة ما بعد الحرب وإعادة بناء العالم ونشأ بينهما صراع أيديولوجيّ، وخلال السنوات التالية، انتشرت الحرب الباردة خارج أوروبّا إلى كلّ مكان في العالم.[٣]

تدافع الحضارات في المفهوم الإسلامي

إنّ المفهوم الذي يُشابه مفهوم صراع الحضارات في القرآن هو التّدافع والتّلاقح، حيث تكمل بعض الحضارات بعضًا وتَتَعاقَب وتَتَواصلُ، فهي خُلاصة الفكر البشريّ والإبداع الإنسانيّ، وحركة التاريخ هي في المفهوم الإسلامي سنة اللَّه في الكون، فالصراع بين الحضارات ليس واردًا بما يشبه المفهوم الغربي، لأن دورات التاريخ تطَّرِد وفق المشيئة الإلهية، ولأن التاريخ هو من صنع الله، والإنسان يؤثر في مسار التاريخ ويصوغه ويبدع فيه هو من أكرم خلق اللَّه.[٤]

والتدافع الحضاريّ مفهوم قرآنيّ جامع للمعاني والدلالات حول تفاعل الحضارات معًا، يقول اللَّه تعالى: {ولولا دفع االله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة:251]، ويقول: {ولولا دفع اللَّه الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم اللَّه كثيرًا}[٥]، كما يأمر اللَّه عباده بالدفع بالتي هي أحسن ما أمكن ذلك، ففي قوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}[٦]، ودفع اللَّه الناس بعضهم ببعض لا يلغي كل أشكال الصراع بالضرورة، إلا أنه لا يشمل الصراع المؤدي لفساد الأرض، فهذا التدافع بالأساس هو لمنع فساد الأرض، ويشمل الحوار والتنافس، وحتى الجهاد المشروع ضد الحضارات الطاغية.[٤]

كتاب صراع الحضارات

قدّم العالم السياسي الأمريكي صامويل هنتنجتون نظريته حول مفهوم صراع الحضارات في كتاب تحت عنوان "صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي"، وقد أحدثت هذه النظرية موجة من الجدل في الوسط السياسي الدولي في تلك الفترة، استشهد هنتغتون على طرحه بالغزو العراقي للكويت عام 1990، فشعبية صدام حسين كانت مرتفعة في أوساط الشعوب العربية والإسلامية بالرّغم من أنّ معظم الأنظمة العربية لم تؤيد موقفه وانضمت لتحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت. أما جماعات الإسلام السياسي عن بكرة أبيها فكانت تعارض التحالف الدولي، واستعمل صدام حسين خطابًا شعبويًا صور فيه الحرب بأنها حرب بين حضارات، والجماعات الإسلامية نفت أنه "تحالف دولي ضد العراق" بل "تحالف غربي ضد الإسلام".[٢]

إن فكرة الكتاب لا تدعو إلى صراع للحضارات كي يقال بأنها تناقض الدعوة إلى حوار الحضارات أو أنها تتعارض مع مبادئ الإسلام أو الإنسانية، بل هي ركزت على تقديم توقعات بأن تكون الحروب والصراعات المقبلة بعد الحرب الباردة ليست مبنية على أسس دينية كما في العصور الوسطى ولا قومية كما الحربين العالميتين، وعلى أيديولوجية كما في الحرب الباردة، فتوقع أن يكون الصراع المقبل وتحالفاته مبينة على أساس آخر وهو الأساس الحضاري، وبطريقة عابرة للأديان والقوميات والأيديولوجيات، وربما بالفعل يتم ملاحظة ضعف التحالفات الأيديولوجية القديمة، وبدء حقبة من التحالفات والصراعات بين الدول بناء على أسس الانتماء الحضاري بغض النظر عن اختلافات الأيديولوجيا وغيرها.[٧]

المراجع[+]

  1. "في مايسمى " صدام الحضارات ""، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت "صدام الحضارات"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  3. "الحرب الباردة"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 19-12-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري، صراع الحضارات في المفهوم الإسلامي، صفحة 8. بتصرّف.
  5. سورة الحج، آية: 40.
  6. سورة فصلت، آية: 34.
  7. صامويل هنتنجتون، صدام الحضارات، صفحة 10، بتصرّف