معنى آية: وجعلوا بينه وبين الجِنة نسبًا، بالشرح التفصيلي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٣٠ ، ٢٩ يوليو ٢٠٢٠
معنى آية: وجعلوا بينه وبين الجِنة نسبًا، بالشرح التفصيلي

سورة الصافات

سورة الصافات هي سورة مكيّة ما عدا الآيات من 23 إلى 27 فمدنية، وعدد آياتها 182 آية، وهي السورة السابعة والثلاثين في ترتيب سور القرآن الكريم، وتقع في الجزء الثالث والعشرين، ونزلت بعد سورة الأنعام، وبدأت بأسلوب قسم وهو قول الله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا}،[مرجع] والصافات هو اسم لجموع الملائكة التي تعبد الله تعالى في صفوف،[١] وقد سُميّت هذه السورة بسورة الصافات تذكيرًا للعباد بالملأ الأعلى من الملائكة المطّهرين الذين يعبدون الله تعالى باستمرار ويُداومون على التسبيح والذكر، وقد بيّنت سورة الصافات وظائف كل منهم، وهي سورة مكيّة فقد اعتنت بأصول العقيدة الإسلامية كقضية التوحيد والبعث والجزاء، كحال جميع السور المكيّة التي تهدف إلى تثبيت دعائم الإيمان وتمكين أصول العقيدة في النفوس، كما تطرقت إلى قضية الوحي وخلق الملائكة وقول الكفّار أنّ الملائكة من الإناث ونسبهم الولد إلى الله تعالى، وبيّنت كذبهم ودحضت افتراءاتهم ودعاويهم الباطلة، وسيبيّن هذا المقال معنى آية: وجعلوا بينه وبين الجِنة نسبًا، بالشرح التفصيلي.[٢]

معنى آية: وجعلوا بينه وبين الجِنة نسبًا، بالشرح التفصيلي

إنّ الضلال الذي أظهر الكفّار وأهل العناد والكبر قد تلوّن وأخذ مظاهر عديدة، ومنها نسبة الولد لله والافتراء عليه، ومن الآيات التي تحدّثت في ذلك، قول الله تعالى في سورة الصافات: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}،[٣] وقد تمّ تفسير هذه الآية في التفسير الميّسر بأنّ: هؤلاء المشركين قد جعلوا بين الله تعالى والملائكة نسبًا وقرابة، ولكنّ الملائكة تعلم أنّ هؤلاء سوف يُحضرون للعذاب ويُحاسبون يوم القيامة، وجاء في تفسير الجلَالين، أنّ المشركين قد جعلوا بين الله تعالى وبين الملائكة وسُمّوا بذلك لسترهم عن البصر والرؤية نسبًا، وذلك بقولهم أنّ الملائكة هم بنات الله، ولقد علم القائلون بهذا القول أنّهم سُيحضرون للنار ليُعذّبوا فيها في الآخرة.[٤]

وقال السعدي أنّ المشركين جعلوا بين الله تعالى وبين الجنّة نسبًا بزعمهم أنّ الملائكة بنات الله، وأمّهات الملائكة هم سروات الجن أي أشرافهم وساداتهم، ولكنّ الجنّة يعلمون أنّهم سُيحضرون بين يدي الله ليُجازيهم وهم بحالة العبد الذليل، فلو كان بينهم وبين الله نسبًا لم يقفوا ذلك الموقف، وقال الطبري أنّ هؤلاء المشركون قد جعلوا بين الله تعالى وبين الجنّة نسبًا، ولكنّ أهل التأويل قد اختلفوا في معنى النسب الذي جعلوه لله تعالى، فقال البعض هو قولهم بأن الله -تعالى وتقدّس- وإبليس إخوان، وقد نُقل هذا القول عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- وقال آخرون أنّ المقصود بالجنّة الملائكة والنسب هو قولهم بأنّ الملائكة بنات الله، وفي الأثر الذي ذكره مجاهد في تفسير هذه الآية، أنّ كفار قريش قالوا: الملائكة بنات الله، فسأل أبو بكر: من أمهاتهن، فقالوا: سروات الجن، فهم يحسبون أنّ الملائكة قد خُلقوا ممّا خُلق إبليس.[٥]

وعن قتادة قال: أنّ اليهود قالوا إنّ الله -تبارك وتعالى- تزوّج من الجن فخرج منهما الملائكة، كما ذُكر هذا التفسير عن أكثر من واحد من أهل العلم، وقال ابن زيد أنّهم افتروا ذلك النسب، كما ذكر الطبري اختلاف أهل العلم في قوله "ولقد علمت الجنّة إنّهم لمحضرون"، فقال البعض أنّ الجنّة هي التي ستحضر للحساب، وقال البعض الآخر أنّ المقصود بالذين سيُحضرون هم قائلوا هذا القول ومفتروا هذا الافتراء، وقال القرطبي أنّ أكثر أهل العلم على أنّ المقصود بالجنّة في هذا الموضع الملائكة، ووجه تسميتهم بالجنّة احتجابهم عن الرؤية وعدم قدرة الإنسان العادي مشاهدتهم، ونقل عن مجاهد أنّ المراد بطن من بطون الملائكة يُقال لهم الجنّة، كما جاء في الأثر عن بعض السلف أنّهم قيل لهم جنّة لأنّهم خُزّان على الجنان، وأنّ الملائكة كلّهم جنّة.[٥]

ومعنى نسبًا أي مصاهرة، حيث قال قتادة والكلبي ومقاتل أنّ اليهود قالوا أنّ الله تعالى صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهم، وقال مجاهد والسُدّي وفي أثر آخر عن مقاتل أنّ القائلين بذلك هم كنانة وخزاعة، حيث قالوا: أنّ الله تعالى قد خطب من سادات الجن فزوّجوه من سروات بناتهم، فالملائكة بنات الله من سروات بنات الجن، وعن الحسن البصري أنّ المقصود بالنسب في هذه الآية، إشراكهم الشيطان في عبادة الله تعالى، واستحسن القرطبي قول الحسن والدليل قول الله تعالى عند الحديث عن ندم الكفّار والمشركين في سورة الشعراء: {إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}،[٦] وهذه التسوية في العبادة، وقال ابن عبّاس والضحّاك وفي أثر آخر عن الحسن، أنّ المراد بالنسب هو قولهم أنّ الله تعالى وإبليس إخوان، تعالى الله عن قولهم هذا علوًا كبيرًا، ونقل عن قتادة أنّ الملائكة يعلمون بأنّ هؤلاء محضرون للعذاب، وعن مجاهد أنّهم محضرون للحساب، وقد أيّد الثعلبي القول الأول لأنّ لفظ الإحضار قد تكرّر في هذه السورة وكان المقصود منه العذاب.[٥]

وفي نظم الدرر للبقاعي أنّه لم تمّ بيان الله تعالى لإظهار ضلالة هؤلاء وبّخهم بأسلوب آخر فيه إعراض عن خطابهم وتخويف لهم من وقوع العذاب بهم، فقال: "وجعلوا"، أي: بعض العرب وهم الذين نبذوا الأدلة على وحدانية الله تعالى، ووجوب الإيمان به، فجعلوا بين الله تعالى وبين الجن وهم شر الطوائف نسبًا، وقد جاء اللفظ مؤنثًا لتحقيرهم وتصغير شأنهم عن هذا الأمر الذين نسبوهم إليه، والمقصود بالنسب قولهم أنّ الله -جلّت أوصافه وتقدّس وتعالى- قد تزوّج من بنات سروات الجن، وأنجب منهن الملائكة، ومن المعلوم أنّ لا أحد يتزوّج إلّا من جنسه فهم بقولهم هذا قد أبعدوا غاية البعد لأنّ الله تعالى ليس له مثيل ولا مجانس، ولأنّ النسيب يُكرم ولا يُهان تكرّرت الآية بتأنيث الضمير العائد على الجن زيادة في تحقيرهم وتصغير شأنهم، فمعنى قوله: ولقد علمت الجنّة إنّهم لمحضرون"، أي جميع الجن السروات والأسافل سيُحضرون يوم القيامة مع بقية الخلائق للحساب والجزاء كرهًا وبلا رغبة منهم.[٧]

معاني المفردات في آية: وجعلوا بينه وبين الجِنة نسبًا

لقد تمّ بيان أقوال أهل العلم والتفسير في المقصود من كلمة "الجنّة" في آية: وجعلوا بينه وبين الجِنة نسبًا، والتطرّق إلى بعض الدلالات اللغوية لهذه المفردة وفيما يأتي توضيح المعاني اللغوية لجميع مفردات هذه الآية:

  • جعلوا: لفظ عام من الأفعال كلّها، وهو أعم وأوسع دلالة من الأفعال صنع وفعل وسائر أخواتها.[٨]
  • بين: موضع للتخلّل بين الشيئين ووسطهما.[٩]
  • الجنّة: من الجنن وهو ستر الشيء عن الحواس.[١٠]
  • نسبًا: هو الصلة والقرابة.[١١]

إعراب آية: وجعلوا بينه وبين الجِنة نسبًا

إنّ الأفعال في اللغة العربية منها ما لا يحتاج إلى مفعول ويُسمّى فعلًا لازمًا، ومنها ما يحتاج إلى مفعول واحد ومنها ما يحتاج إلى مفعولين وأكثر، ويُسمّى الفعل بهذه الهيئة فعلًا متعدّيًا، ومن الأفعال التي تتعدّى لمفعولين، الفعل جعل، وقد ورد في آية: وجعلوا بينه وبين الجِنة نسبًا، وفيما يأتي بيان لإعراب هذا الفعل وبقيّة مفردات الآية وجملها:

  • وجعلوا: الواو استئنافية أو عاطفة، جعلوا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل.[١٢]
  • بينه: بين: ظرف منصوب متعلّق بمحذوف مفعول به ثانٍ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.[١٢]
  • وبين: الواو حرف عطف، بين: ظرف معطوف على الظرف الأول ومتعلّق بما تعلّق به.[١٢]
  • الجنّة: مضاف إليه مجرور.[٥]
  • نسبًا: مفعول جعلوا الأول ومفعوله الثاني محذوف.[٥]
  • جملة "جعلوا": جملة استئنافية، أو معطوفة على استئناف سابق.[١٢]

الثمرات المستفادة من آية: وجعلوا بينه وبين الجِنة نسبًا

امتازت سورة الصافات بقصر مقاطعها وقوة جرس ألفاظها، كما أنّها قد ركّزت على موضوعات عقدية مهمّة، وتكلّمت في مسألة بعث الله للخلق وإحضارهم لمحاسبتهم يوم القيامة، ومن الآيات التي جاءت في هذا السياق، قول الله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}، وفيما يأتي بيان لبعض الثمرات المستفادة من هذه الآية الكريمة:[١٣]

  • وجوب تنزيه الله تعالى عن مشابهته لأحدٍ من خلقه وللكثير من الأفعال والصفات التي لا تصح في حقّه كمسألة الولد والإنجاب.
  • أهمية إدراك قصور قدرة الجن على تغيير الأقدار وقصور علمهم عن معرفة الغيب ورفع الأذى والعذاب.
  • خطورة الاستعانة بالجن وتعظيم شأنهم وتهويل قدرهم، وفعل أفعال محرّمة كالكهانة والعرافة والسحر.
  • معرفة الجن بحجمهم وأنّهم محاسبون ومجزيون وسُيحضرون في اليوم الآخر ولا حول لهم ولا قوة في ردّ ذلك، فلو استطاعوا نُصرة أحد فلينصروا أنفسهم.
  • الإيمان بالله والتصديق بالأخبار التي جاء بها أنبياء الله هو سبيل معرفة الله وتقديسه وتنزيهه عن كلّ ما لا يجب في حقّه، فالأنبياء الكرام هم الذين أرشدوا البشرية للحق والصواب في أمر الدنيا والآخرة.

المراجع[+]

  1. "سورة الصافات"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  2. "سورة الصافات 37/114"، www.e-quran.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  3. سورة الصافات، آية:158
  4. "تفسير الآية رقم (158) - من سورة الصافات"، equran.me، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت ث ج "(الصافات - 158)"، www.quran7m.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  6. سورة الشعراء، آية:98
  7. "كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  8. "تحليل وَجَعَلُوا من سورة الصافات آية 158"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  9. "تحليل بَيْنَهُ من سورة الصافات آية 158"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  10. " تحليل الْجِنَّةِ من سورة الصافات آية 158"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  11. "تحليل نَسَبًا من سورة الصافات آية 158"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  12. ^ أ ب ت ث "كتاب: الجدول في إعراب القرآن"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  13. "مع القرآن - وجعلوا بينه و بين الجنة نسباً"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.