مدارس الأدب المقارن

مدارس الأدب المقارن

مدارس الأدب المقارن

كيف تعدّدت المدارس بتعدُّد عوامل النشأة؟

إنّ الذي يُقصَدُ عادة من مصطلح الأدب المقارن هو: دراسة العلاقات بين آداب الشعوب المختلفة بالنظر إلى القوميّة من حيث تأثّرها وتأثيرها، أو ربّما يعني ذلك العِلم أو النوع من الدراسة الذي يحاول تخطّي الحدود القوميّة والجغرافيّة لمعرفة ما عِندَ الآخرينَ من آداب أصيلة لهم وآداب قد أخذوها عن غيرهم.[١]


بينما يرى الدكتور حسام الخطيب أنّ مصطلح الأدب المقارن بحدّ ذاته هو مصطلحٌ مُخاتلٌ لا يدلّ على المعنى الذي يدلّ عليه هذا النوع من الدراسات، ولكن لأنّ اسم الأدب المقارن صارَ مشهورًا وهو أسلس الأسماء المُقترحة صار اسمًا على هذا النوع من الدراسات، وله أربعة مفاهيم لعلّ أقربها لما هو معروف اليوم هو مفهوم التأثّر والتأثير الذي مرّ تعريفه آنفًا.[٢]


ذلك الاختلاف في إيجاد تعريف جامع مانع للأدب المقارن يعود إلى نشأة الأدب المقارن وتطوره منذ ظهوره في القرن التاسع عشر، ومفهوم الأدب المقارن عند محمد غنيمي هلال رائد الأدب المقارن عربيًّا -الذي وضّحه في كتابه الأشهر الأدب المقارن- هو دراسة مواطن التلاقي بين الآداب في لغاتها الأصليّة المختلفة، وفي الصلات المعقدة بينها في الحاضر والماضي، وكذلك دراسة الصلات التاريخية من حيث التأثّر والتأثير بين تلك الآداب بمختلف أشكالها، ويُلاحَظ من تعريف غنيمي هلال تركيزه هو ومن جاء بعده ومن كان قبله على ظاهرة التأثير والتأثر في الأدب المقارن؛ لأنّها كانت وما تزال عماد الدراسات المقارنة.[٣]


منذ ظهور الأدب المقارن أوّل مرة في فرنسا في القرن التاسع عشر وإلى اليوم ظهرت ثلاث مدارس للأدب المقارن وضَعَت بصمتها في هذا الميدان وما يزال العالم أجمع يستعين بتلك المدارس عندما يريد إقامة دراسة مُقارِنة، وتلك المدارس هي: الأمريكيّة والفرنسيّة والسلافيّة.[٤]

المدرسة الأمريكية

منذ دخول الأمريكان عالم الأدب المقارَن فإنّهم أبدَوا رفضًا شديدًا للتقيّد بالمبادئ التي أقرّها الفرنسيّون للأدب المقارن، فوسّعوا باب الأدب المقارن وأدخلوا فيه نزعات مختلفة عالميّة وفنيّة وأدبيّة خالصة، ومن هنا ينبغي أن تؤخذ النظريّة الأمريكية للأدب المُقارَن بجَديّة كبيرة لأنّ الأمريكيّين قد قدّموا حلولًا ذات قيمة في الأدب المقارن من جهة، ولأنّهم قد زاحموا الفرنسيّين على زعامة هذا الفن الذي بقي الفرنسيّون مسيطرين عليه حتى ظهور الأمريكان في ستينيّات القرن الماضي، فأبدى الأمريكان اهتمامًا فائقًا في الأدب المقارن وأعطوه تنظيمًا من ناحية الدراسة جعلهم يُطيحون بالفرنسيّين شيئًا فشيئًا.[٥]


لعلّ هذا التصاعد الهائل في الوتيرة الإنتاجيّة عند الأمريكان يعود إلى سببين رئيسَين هما: ضخامة الإمكانيّات التي تضعها الجامعات الأمريكيّة بين أيدي الباحثين من إمكانيّات ماليّة إلى تسهيلات مكتبيّة إلى فرق بحث مشتركة وغير ذلك، والرغبة الخفيّة لدى القائمين على الجامعات الأمريكيّة في فتح نوافذ تلك الجامعات على نتاج الآداب العالميّة؛ لأنّ ذلك المجتمع كان غارقًا في مشكلاته، ضعيف التأثّر بما يجري حوله في العالم.[٥]


لقد تأثّر الأمريكان بالفرنسيّين في الدراسات المقارنة وأخذوا عنهم مفهوم الأدب المقارن ودرّسوه في جامعاتهم، ولكن كان لدى الأمريكان أفكار جديدة تبلورت عندهم غير التي أخذوها عن الفرنسيين، وقد ظهرت بعض تلك الأفكار في كتاب مُشترك ألّفه اثنان من أعلام الأدب المقارن الأمريكي هما: رينيه ويليك وأوستن وارين، وكان اسم الكتاب "نظريّة الأدب المقارن"، وقد تبلورت هذه الآراء أكثر فأكثر من خلال المؤتمرات التي قد عُقِدَت من أجل الأدب المقارن عام 1959م و1976م، وقد أسهَمَ ويليك كثيرًا في بناء المدرسة الأمريكية للأدب المقارن، ولكنّه لم يكن وحده، فقد كان إلى جانبه المُقارِن الأمريكي من أصول ألمانيّة هنري ريماك.[٥]


بعد انشغال ويليك في تخصّصه النقد والتاريخ تابعَ ريماك الطريق وحيدًا ووضع أسس المدرسة الفرنسيّة في الأدب المقارن، فبعد أسس التفكير التي وضعها رينيه ويليك استطاع ريماك أن يوجد مدرسة أمريكيّة ذات طابع مميّز ودافع عن هذا الطابع من خلال إسهاماته النظرية والتطبيقية، ومشاركاته الكثيرة في مؤتمرات الأدب المقارن ولا سيّما نشاطات رابطة الأدب المقارن.[٥]


يرى الأمريكان أنّ الأدب المقارن هو دراسة الأدب خلف حدود بلد معيّن، ودراسة العلاقة بين هذا الأدب من جهة ومناطق أخرى من الاعتقاد والمعرفة من جهة أخرى، كالفنون من نَحتٍ ورسمٍ وموسيقا وعمارة وغير ذلك، وكالتاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعيّة من سياسةٍ واجتماعٍ واقتصاد وغير ذلك، فيمكن إجمال ما سبق والقول إنّ الأدب المقارن كما يراه الأمريكيّون هو مقارنة أدب مع أدب آخر أو آداب أخرى، وأيضًا هو مقارنة الأدب مع مناطق أخرى من التعبير الإنساني.[٦]



ممّا سبق يظهر أنّ الفرق بين المدرسة الفرنسية والأمريكية يمكن تلخيصه في أربع نقاط:[٦]

  • يتوسّع الأمريكيّون في مقارنة أكثر من أدبين على خلاف الفرنسيين الذين لا يقبلون المقارنة سوى بين أدبين فقط، فالأمريكان والفرنسيّون يتفقون في أنّ المقارنة في الأدب تكون بمقارنة أدب قومي مع أدب قومي آخر ولكنّهم يختلفون في كيفيّة تلك المقارنة.
  • ركّز الفرنسيّون على مسألة الصلات بين الآداب وعلى مسألة التأثّر والتأثير ويفضّلون في هذه الحال الاعتماد على وثائق ملموسة تؤكّد تأثير أحد الأدبين بالآخر، بينما لم يكن من ذلك شيء عند الأمريكان.
  • انهمَكَ الفرنسيّون في البحث عن الصلات ودراسة التأثير والتأثّر، وبذلك فقد أغفلوا مسألة مهمّة وهي مسألة التذوق الفني والجمالي للأدب.
  • يكون الخلاف الأكبر بين الفرنسيين والأمريكان في مسألة المقارنة بين الأدب وحقول المعرفة الأخرى، فالفرنسيّون اقتصروا المقارنة بين أدبَين اثنَين بينما كان رأي الأمريكيّين مختلفًا.


المدرسة الفرنسية

المدرسة الفرنسيّة للأدب المقارن تنقسم في حقيقتها قسمَين: قديمة وحديثة، فأمّا القديمة فتعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر حينما ظهر مصطلح الأدب المقارَن أوّل مرّة في العالم بفضل جهود فرانسوا آبل فيلمان، وقال بعضهم بل سبقه بذلك معاصره جان جاك أمبير، وقد بدأت المدرسة الفرنسية القديمة بالتبلور على يد فيلمان؛ إذ كان أبرز أعلامها، بالإضافة إلى برونتيير وتلميذه الذي كان يدعى جوزيف تكست وغيرهم[٧]، ومن الأُسس التي قامت عليها المدرسة الفرنسيّة القديمة أو التقليديّة:[٨]


  • المقارنة تكون بمقارنة أدب بأدبٍ فقط.
  • المقارنة تكون بين أدبين اثنين أو أديبَين اثنَين.
  • الصلات التاريخيّة هي شرط رئيس لعقد المقارنة.
  • اختلاف لغة الآداب التي تُقارَن.


أمّا فيما يخصّ المدرسة الفرنسيّة الحديثة للأدب المقارن فتعود نشأتها إلى النصف الثاني من القرن العشرين، وقد استوعب مؤسّسوها جميع مدارس الأدب المقارن وخرجوا بتصوّرٍ جديد يتناسب مع التطورات الجديدة والمعاصرة للدراسات التي تخص الأدب المقارن في العالم، وقد ألفوا كتابًا يوحّد آراءهم يدعى: ما الأدب المقارن؟ ومن أبرز أعلامها: بيير برونيل، كلود بيشوا، أندريه ميشيل روسوا.[٩]


الأسس التي تقوم عليها المدرسة الفرنسية الحديثة هي:[١٠]

  • تمسّكت هذه المدرسة بما نادت به سلفها -المدرسة التقليديّة- من حيث التأثير والتأثّر، وأيضًا لم تبتعد عن المفهوم الذي تحدّثت عنه المدرسة السلافية والأمريكيّة الذي ينصّ على أنّه من الممكن المقارنة بين أنواعٍ متشابهةٍ من الآداب وإن لم يكن بينها علاقات تأثيرٍ وتأثر أو أيّ صلاتٍ تاريخيّة.
  • وضّحَت إمكانية مقارنة آداب قديمة وحديثة على أن تكون من لغاتٍ مختلفة.
  • بيّنت إمكانيّة المقارنة بين أكثر من عملين أدبيين، ولكن بشرط أن تكون تنتمي إلى ثقافاتٍ مختلفة.
  • أيّدت فكرة المدرسة الأمريكيّة في القدرة على مقارنة الأدب مع أشكال التعبير الإنسانيّ الأخرى.
  • أضافت أمرًا جديدًا وهو إمكانية مقارنة الأدب الذي ينتمي لثقافاتٍ مختلفة، ولكن يعود إلى تراثٍ أدبيّ فكريّ واحد، مثلًا إقامة مقارنة بين أديب سوري وأديب مصري ينتميان للعصر الحديث.


المدرسة السلافية

لقد ظهرت المدرسة السلافية في الأدب المقارن في الاتّحاد السوفييتي، وقد تأخر طهورها إلى أواسط خمسينيّات القرن العشرين، فقد لمع مجموعةٌ من المقارنين الذين تمتّعوا بدرجة عاليةٍ من الكفاءة، ولكن كانت تسميتها محطّ خلافٍ فلم يكن السبب الكامن وراء تسميتها هو انتماء مؤسسيها جميعهم إلى العرق السلافيّ، بل كان القاسم المشترك بينهم هو الأسس التي يعتمدون عليها في دراساتهم النظريّّة، ولا سيما الفلسفة الماركسيّة، ومن أبرز أعلامها: الرومانيّ مارينو، والتشيكي دوريشين، والألماني فايمان، والروسي فيكتور جيرمونسكي.[١١]


قد كان جيرمونسكي من أبرز مؤسّسي المدرسة السلافيّة، فكانت الملاحم البطوليّة الشعبية المحور الأساسيّ لدراساته المقارنيّة، ونحا في دراسته نحو الماركسيّة؛ أي اعتمد على مقولة الارتباط الجدليّ بين المجتمع والأدب، وانطلاقًا منها وضع جيرمونسكي نظرية التشابه النمطيّ أو التيبولوجيّ؛ إذ يرى جيرمونسكي أنّ هناك تشابهًا لا يمكن إرجاعه إلى عوامل التأثير والتأثر، بل إلى مستوياتٍ متشابهة من التطور التي تتشابه بناها الأدبيّة والعكس صحيح؛ فالمجتمعات المتفاوتة في درجات تطوّرها تكون بناها الأدبيّة متفاوتةً أيضًا.[١٢]


هو لم يُلغِ دور التأثير والتأثّر بل وضعهما ضمن حجمهما الصحيح، فبيّن دور المؤثرات الخارجيّة في تطوّر الأدب، وأنّ للتأثير دورًا مهمًّا لكنّه ليس أساسيًّا بل ثانويًّا، فبرأيه أنّ الدور الأساسيّ للتطوّر يعود للتطوّرالداخليّ في الأدب، والذي بدوره يواكب تطوّر المجتمع، وبذلك يكون جيرمونسكي خيّب آمال مَن يريدون نشر ثقافاتهم بين الشعوب دون أدنى مراعاةٍ منهم لما تواكبه تلك الشعوب من تطوّرات، وخيّب أيضًا آمال دعاة الجمود والانعزال الثقافي، فالتطوّر المجتمعيّ حتميّ وبدوره يجعل تطوّر الأدب والثقافة أمرًا حتميًا، وعلى هذه الأسس التي وضعها جيرمونسكي قامت المدرسة السلافية.[١٣]



لقراءة المزيد حول الأدب المقارن، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: بحث عن الأدب المقارن.

المراجع[+]

  1. الطاهر مكي، في الأدب المقارن، القاهرة:المعارف، صفحة 7. بتصرّف.
  2. حسام الخطيب، آفاق الأدب المقارن، بيروت:دار الفكر المعاصر، صفحة 11. بتصرّف.
  3. محمد غنيمي هلال، الادب المقارن، القاهرة:نهضة مصر، صفحة 13. بتصرّف.
  4. سعيد علوش، مدارس الأدب المقارن، بيروت:المركز الثقافي العربي، صفحة 55. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت ث برهان أبو عسلي، محاضرات في الادب المقارن، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 1، جزء 7. بتصرّف.
  6. ^ أ ب برهان أبو عسلي، مُحاضراتٌ في الأدب المقارَن، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 5، جزء 8. بتصرّف.
  7. راتب سكر، مُحاضرات في الأدب المقارن، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 7-11. بتصرّف.
  8. برهان أبو عسلي، محاضرات في الأدب المقارن، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 5، جزء 4. بتصرّف.
  9. برهان أبو عسلي، محاضرات في الأدب المقارن، دمشق:منشورات جامعة دشق، صفحة 5، جزء 9. بتصرّف.
  10. برهان أبو عسلي، مُحاضرات في الأدب المقارن، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 6، جزء 9. بتصرّف.
  11. برهان أبو عسلي، مُحاضرات في الأدب المقارن، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 1-2، جزء 9. بتصرّف.
  12. برهان أبو عسلي، مُحاضرات في الأدب المقارن، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 2-3، جزء 9. بتصرّف.
  13. برهان أبو عسلي، مُحاضرات في الأدب المقارن، دمشق:منشورات جامعة دمشق، صفحة 3-4، جزء 9. بتصرّف.