ما الفرق بين الأرستقراطية والبرجوازية

ما الفرق بين الأرستقراطية والبرجوازية
ما-الفرق-بين-الأرستقراطية-والبرجوازية/

الفرق بين الأرستقراطية والبرجوازية من حيث المفهوم

ما هي الطبقة الأرستقراطية؟

تعود كلمة أرستقراطية إلى أصول يونانية، حيث ظهرت كلمة أرستقراطية لأول مرة في بلاد الإغريق القديمة والحضارة اليونانية، لم تكن تعني في الأصل مجموعة من الأفراد، بل إحدى أشكال الحكم، وهو حكم الصفوة، وهذا بالضبط ما قصده أفلاطون في فلسفته، فقد اعتقد أفلاطون في كتابه "الجمهورية" أنّ أفضل الناس هم أكثرهم خبرةً ومعرفةً في تحديد المصلحة العامة والسعي وراء تحقيقها، وقد عُرف هؤلاء باسم "الوُصاة"، وهم الحكام والقادة، ويقعون في قمة الهرم الاجتماعي وعليه، يحصل هؤلاء على تدريب طويل ودقيق، يشرف عليه كبار المؤدبين والمعلمين، ولا يحصلون على أيّة ممتلكات قد تدفعهم إلى السعي وراء مصالح شخصية بدلًا من المصلحة العامة.[١]

بشكل عام، كان الهدف من هذه الفلسفة السياسية في الحكم عند أفلاطون، هو تقديم نقد لواقع السياسة المنتشرة في اليونان آنذاك، وقد عرّفها أفلاطون بأنها إحدى أشكال الحكم السياسي، الذي يحكم فيه أكثر من شخص، ولكن ليس الكثير من الأشخاص، ومن هنا أطلق عليها هذا الاسم؛ وذلك لأن الحكام هم قلة من أفضل الرجال، يعملون على تحقيق مصالح الدولة ومواطنيها، وعليه فقد كانت الأرستقراطية حكم الأقلية الفاضلة.[١]

أما مفهوم البرجوازية، فيقصد به تلك الصفات التي تميز طبقة دون غيرها، والطبقة البرجوازية تلك الطبقة التي تنفرد بخصائص اقتصادية وسياسية، وهي التي تملك رؤوس الأموال، ويعود الفضل في تشكيل المفهوم النهائي لمصطلح البرجوازية إلى الفيلسوف كارل ماركس، وفلسفته الماركسية، وقد ارتبط مفهوم البرجوازية تاريخيًّا بتقديس الأبطال والقادة، باعتبارهم شخصيات برجوازية مما جعلهم يتميزون عن بقية المجتمع وعامة الناس، وقام الفيلسوف الإيطالي ميكافيللي بتقديم كتابه الأمير، الذي كان الهدف منه إيضاح ضرورة وجود قائد فذ كشخصية برجوازية، ويكون قادر على توحيد إيطاليا بعد أن انقسمت إلى دويلات صغيرة، وتشكيل حضارة إيطالية، ونهضة سياسية.[٢] وبهذا يتضح الفرق بين الطبقة الأرستقراطية والطبقة البرجوازية من حيث المفهوم، فكلاهما تم استخدامه في الفلسفة السياسية لمحاولة صياغة نظرية سياسية للحكم.

الفرق بين الأرستقراطية والبرجوازية من حيث التأسيس

من هم الحكام الفلاسفة؟

أما التأسيس التاريخي للشخصية الأرستقراطية، فيعود الفضل فيه للفيلسوف اليوناني أفلاطون، وهو أهم فلاسفة اليونان فقد قدم نظرية سياسية في الحكم وتنقسم الدولة فيها إلى ثلاث طبقات رئيسة، طبقًا لأقسام النفوس البشرية وهي:[٣]

  • النفس العاقلة: وفضيلتها الحكمة.
  • النفس الغضبيّة: وفضيلتها الشّجاعة.
  • النفس الشهوانيّة: وفضيلتها العفّة.


تعدّ طبقة الحكام تمثيلًا للنفس العاقلة في المجتمع، وهم الفلاسفة، ويقعون في قمة الهرم الاجتماعي، أما النفس الغضبية فتمثلها طبقة الجنود والحراس، تتلوها النفس الشهوانية التي تمثلها عامة الناس في المجتمع، ويعتقد أفلاطون أن العدالة تعد من أهم الفضائل، وتتحقق عن طريق الانسجام والتوازن بين الطبقات والنفوس، فيجب على كل طبقة أن تقوم بالمهام الموكلة إليها، من غير التعدي على مهام الطبقات الأخرى، وبهذا الالتزام تتحقق فضيلة العدالة، وعلى الدولة أن تلتزم بتأهيل الفرد منذ طفولته ليعرف مكانته التي يستحقها في المجتمع، والهدف في ذلك أن لا يتدخل أي فرد بشكلٍ شخصي في تربية الأطفال.[٣]

وبهذا يتضح لنا أن أفلاطون أسس لمفهوم الأرستقراطية، من خلال شخصية الحاكم الفيلسوف، وهي شخصية أرستقراطية، وهذا المفهوم مناقض للديمقراطية التي تقول بحكم الأغلبية، وحكم الشعب لنفسه.[٣]


أما الأساس التاريخي لمفهوم البرجوازية، فقد ارتيط بالحروب والقادة العسكريين، حيث قام الفيلسوف الإيطالي نيقولا ميكافللي بمحاولة لوضع نظرية سياسية لنهضة إيطاليا وتوحيدها، ولم تقتصر نظريته على صفات الحاكم التي ينبغي عليه أن يتحلّى بها ليستمرّ في منصبه، بل قام بالتمييز بين الطبقة التي تشارك بشكل نشط في النهضة، والطبقة الأخرى التي يعدها ذات أثر سلبي في الدراما التاريخية، مع العلم أنه غالبًا ما يتم التأريخ لفلسفة ميكافللي على أنه قد فصل الأخلاق عن السياسة؛ ذلك لأن الهدف الأساسي من نظريته هو الوصول إلى غاية سياسية، بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة في ذلك، ولذلك قام ميكافيللي بتبرير استخدام العنف في بعض الأحيان.[٤]


كما أن الطبقة البرجوازية تشكل الضدّ لعامّة الشعب، فالشخصية البرجوازية هي الحاكم والنقيض له هو عامة الشعب، وينسب إلى ميكافللي الربط بين السيكولوجية للزعيم والقائد ضد المتمردين عليه، وبعد أن ينفرد الحاكم بالسلطة، عليه أن يحافظ عليها، ويبذل كلّ ما في وسعه لتحقيق هذا المُبتغى، حتى وإن كلّفه ذلك استخدام وسائل لا أخلاقية.[٤]


وفي القرن السابع عشر والثامن عشر كانت التقاليد الشائعة حول دراسة التاريخ على أنه مجموعة من الأعمال التي قام بها الأبطال، والتي تؤكد على مدى قوتهم، وإن كانت هذه الأعمال توصف بكونها أعمالًا تعسفية، فقد قال باسكال: "لو كان أنف كليوباترا أطول أو أقصر، لتغير وجه الأرض كليًا"، وإن كان هناك محاولات لوقف المد البرجوازي في الفلسفة الحديثة فإنه كان عن طريق الديمقراطية، لكن الديمقراطية التي تقول بحكم الأغلبية، ستكون استمرارية حكم الطبقة البرجوازية بحسب وجهة النظر الماركسية، ويعود السبب في ذلك إلى أن الأغلبية الموجودة في البرلمان هي من الطبقة البرجوازية.[٤]


الفرق بين الأرستقراطية والبرجوازية من حيث المبادئ

لماذا ارتبطت الأرستقراطية بطبقة النبلاء؟

غالبًا ما يتم الربط بين طبقة الأرستقراطيين والنبلاء باعتبارهم أنبل أفراد المجتمع، ويعود السبب في ذلك إلى تبني الفكر الأرستقراطي مجموعة من المبادئ وهي:

  • أزلية الوجود: يعتقد الأرستقراطيون أن وجودهم قديم جدًا بمعنى أنهم وُجدوا منذ الأزل، ويرون أنفسهم أحَدَ مظاهر الميل الطبيعي عند البشر لقيادة النخب، الذين أثبتوا تفوقهم على باقي طبقات المجتمع.[٥]
  • التفوق العسكري: يبرّر الأرستقراطيّون تفوقهم على باقي الطبقات بأن الغزو العسكري هو الدليل والمبرِّر الأساسي لتفوقهم.[٥] ولقد قدم الفيلسوف الألماني كارل ماركس نقدًا لكل الأطروحات الفلسفية البرجوازية، على اعتبار أنه يتوجب على طبقة البروليتاريا أن تناضل من أجل انتزاع السلطة من الطبقة البرجوازية، أما أهم المبادئ التي يقوم عليها مفهوم البرجوازية، فهي:
    • مناهضة الإقطاع: فقد تزامن ظهور الطبقة المتوسطة البورجوازية في قارة أوروبا، مع بداية تعزيز سلطان الملكية في العصور الحديثة؛ وكان الهدف من ذلك هو ضمان مصالح الطبقة البرجوازية واستمرارية وجودها، وأن تتخلص من عدوان الإقطاعيين الواقع عليها.[٦]
    • ارتباطها بالرأسمالية "Capitalism": فقد عزز النِّظام الرأسمالي سلطان البورجوازية، وقد أدى ذلك إلى ظهور طبقة أرستقراطية جديدة تسمى "أرستقراطية المال"، فقد قامت على أنقاض طبقة الأشراف والنبلاء، وبهذا تعد البرجوازية أرستقراطية جديدة، تقوم على أساس تمركز الثروة في طبقة معينة تسمى الطبقة البرجوازية.[٦]

وبهذا يظهر لنا الفرق بين مبادئ الأرستقراطية والبرجوازية، فكل منهما له مبادئ مختلفة.

الفرق بين الأرستقراطية والبرجوازية من حيث النتائج

كيف اضمحلّت الأرستقراطية؟

إن الأسطورة السائدة بين عموم المفكرين القائلة بأن الأرستقراطيين يعبّرون عن قيم أبدية وَرثوها عن أجدادهم شغلت بال المؤرخين وضللتهم في بعض الأحيان، فقد أقروا بأنه عندما تغيرت الأوقات أو الظروف، واجه الأرستقراطيون أزمات هددت وجودهم، وقد مرت عدة سنوات حتى تم إدراك حقيقة أنه لم يثبت أيًا من هذه الأزمات المزعومة، وقد حصل هذا قبل مطلع القرن العشرين، لكنّ الآراء تجتمع حاليٍّا على التأكيد على مدى مرونة الأرستقراطيين وقدرتهم على التكيف عند مواجهتهم لتغييرات اقتصادية أو ثقافية، وقد اهتمّ الباحثون بدراسة المزاعم غير العقلانية التي أعلنتها طبقة الأرستقراطيين للتمسك بالسلطة وأحقيتهم في النفوذ، وبعد القيام بالعديد من الأبحاث والدراسات تبين أن الأرستقراطية أصبحت مجرد مصطلح ذُكر في تاريخ الفلسفة وعلم الاجتماع واضمحل بسبب المزاعم غير العقلانية له.[٧]

أما مصير مفهوم البرجوازية فقد انتهى وجوده في تاريخ الفلسفة على يد الفيلسوف كارل ماركس وفرديدريك إنجلز، فقد صاغا في بيان الحزب الشيوعي برنامجًا لتحرير طبقة العمال "البروليتاريا" من تغول الطبقة البرجوازية على الثروات واستئثارها بالسلطة دون غيرها،[٨] ويسمى البرنامج الذي صاغه الفيلسوفان برنامج النقاط العشر، ويعدّه الماركسيون أساس الفلسفة الماركسية؛ نظرًا لاحتوائه على مجموعة مبادئ وهي:[٩]


  • نزع الملكية العقارية وتخصيص الريع العقاري لتغطية نفقات الدولة.
  • فرض ضريبة تصاعدية.
  • إلغاء قانون الوراثة.
  • مصادرة ملكية جميع المهاجرين والعصاة.
  • مركزة التسليف في أيدي الدولة بواسطة مصرف وطني، يكون رأسماله للدولة وحدها.
  • مركزة وسائل النقل في أيدي الدولة.
  • زيادة الفبارك الوطنية وأدوات الإنتاج واستصلاح الأراضي الموات، وتحسين الأراضي المزروعة وفق تخطيط عام.
  • جعل العمل إلزاميًا ومتكافئًا للجميع، وتنظيم المزارعين والصناع.
  • التوفيق بين العمل الصناعي والزراعي، والعمل تدريجيًا على إزالة الفوارق بين الريف والمدينة.
  • تربية عامة وجماعية للأفراد، وإلغاء عمالة الأطفال، والتوفيق بين التربية والإنتاج المادي.


وبهذا نستنتج أنه تم الإعلان عن نهاية مفهومَيْ الأرستقراطية والبرجوازية في تاريخ الفلسفة، فقد حلّ محلهما مفاهيم أخرى، أهمها: البروليتاريا، والمقصود به "طبقة العمال".


لقراءة المزيد، انظر هنا: معلومات عن الأرستقراطية.

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ويلييام دويل، الأرستقراطية مقدمة قصيرة جدًا، صفحة 11. بتصرّف.
  2. غينادي أشين، نقد المفاهيم البرجوازية الحديثة حول الزعامة ضد الأيديولوجية البرجوازية، صفحة 15. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت أفلاطون ، جمهورية أفلاطون، صفحة 83. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت غينادي آشين، نقد المفاهيم البرجوازية الحديثة حول الزعامةضد الأيديولوجية البرجوازية، صفحة 16-17. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ويليام دويل، الأرستقراطية مقدمة قصيرة جدًا، صفحة 31-32. بتصرّف.
  6. ^ أ ب محمد فؤاد شكري، الصراع بين البورجوازية والإقطاع، صفحة 13-14. بتصرّف.
  7. ويليام دويل، الأرستقراطية مقدمة قصيرة جدًا، صفحة 87. بتصرّف.
  8. كيلله كوفالسون، المادية التاريخية، موسكو:التقدم، صفحة 24. بتصرّف.
  9. كارل ماركس وفريدريك إنجلز، بيان الحزب الشيوعي، صفحة 36-37. بتصرّف.

144001 مشاهدة