خصائص المدرسة الرمزية

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٣٩ ، ٢١ يناير ٢٠٢١
خصائص المدرسة الرمزية

خصائص المدرسة الرمزية

الرمزية مذهب أدبي يعبِّر عن تجارب فلسفية وأدبية مختلفة عن طريق الإشارة والرمز والتلميح، وتعدُّ المدرسة الرمزية أساسًَا لظهور مذهب الحداثة الأدبي والفكري.[١]


الوحدة العضوية للبناء الفني

لماذا لا يمكن عزل مقطع من القصيدة في الشعر الرمزي عن القصيدة ككلّ؟

من أبرز خصائص الشعر في المذهب الرمزي التأكيد الكبير على الوحدة العضوية للبناء الفني في النص، حيثُ يصبح من الصعب اقتطاع جزء من القصيدة دون بقية الأجزاء التي تشكِّل جميعها بناءً واحدًا لا يتجزأ، إذ قد يؤدي إبعاد مقطع من البناء الفني إلى وضعه بصورة حادة لا تظهر فيها الأبعاد الجمالية ولا العناصر المعنوية التي يسعى الشعراء إلى أن تكون ظاهرة جلية، فالقصيدة عندهم يجب أن تكون متداخلة قد تتداخل في كلُّ شيء ولكنَّها في النهاية تبقى فضاءً فنيًّا.[٢]


شبَّه إحسان عباس الوحدة العضوية في النص بالبذرة الصغيرة التي تنمو وتكبر لتصبح شجرة للقارئ ثمَّ تذبل وتنتهي لتعود للحياة ثانية، ويتمُّ كشف الوحدة العضوية من خلال اتجاهين: الأول يهتمُّ بالمعنى الظاهري وخصائص لغة الشعر، والثاني يهتمُّ بالصورة والزمن والمعنى الداخلي، فالبعض يرى الوحدة العضوية وحدة مغزى في القصيدة يكتشفه الناقد بتحليل نزعة القصيدة، والبعض يرى أنَّها في الأبعاد الرمزية الشعرية والصور والدلالات، ومن الأمثلة على ذلك قصيدة النبي المجهول لأبي القاسم الشابي:[٣]


أَيُّها الشَّعْبُ ليتني كنتُ حطَّابًا

فأهوي على الجذوعِ بفأسي

ليتني كنتُ كالسُّيولِ إِذا سالتْ

تَهُدُّ القبورَ رمسًا برمسِ

ليتني كنتُ كالرِّياحِ فأطوي

كلَّ مَا يخنقُ الزُّهُورَ بنحسي

ليتني كنتُ كالشِّتاءِ أُغَشِّي

كلّ مَا أَذْبَلَ الخريفُ بقرسي

ليتَ لي قوَّةَ العواصفِ يا شعبي

فأَلقي إليكَ ثَوْرَةَ نفسي

ليتَ لي قوَّةَ الأَعاصيرِ إنْ ضجَّتْ

فأدعوكَ للحياةِ بنبسي

ليتَ لي قوَّةَ الأَعاصير لكن

أَنْتَ حيٌّ يقضي الحَيَاة برمسِ

أَنْتَ روحٌ غَبِيَّةٌ تكره النُّور

وتقضي الدُّهُور في ليل مَلْسِ

أَنْتَ لا تدركُ الحقائقَ إن طافتْ

حواليكَ دون مسٍّ وجَبَّسِ


استلهام الرمز من التراث والأساطير

ما هي أشهر الأساطير توظيفًا في الشعر الرمزي؟

يعتمد الرمزيون بشكل كبير على توظيف الأساطير بمختلف أشكالها وتوظيف التراث الأدبي أو الديني في قصائدهم للتعبير عن أفكار معينة تتناسب والأسطورة أو القصة أو الحادثة التي يشار إليها، وقد كثرت الأساطير واستخداماتها إذا كانت مجالًا خصبًا للرمزيين، ومن أشهر الأساطير التي تمَّ استخدامها بكثرة: السندباد، العنقاء، شهرزاد وغيرها، ومن التراث الديني استلهم الشعراء الرمزيون قصصًا كثيرةً مثل: صقر قريش، سدوم، الكهف، العازر وغيرها، بالإضافة إلى الأساطير الإغريقية التي وظَّها كثير منهم مثل: سيزيف، أفروديت، فاوست وغيرها، حيثُ تعمل تلك التوظيفات على رفع الثقافة لدى المتلقي.[٤]


كما يعبِّر الرمز المستوحى من التراث والأساطير عن الفكرة أو الحالة التي يريد الشاعر إيصالها مثل معاناة الظلم السياسي أو الاجتماعي، فقد عبَّر الرمز عند السياب عن الظلم الذي تعرَّض له هو وأهله ووطنه من خلال استدعاء قصة صلب المسيح المأساوية، فارضةً المعاناة عليه ذلك، فيقول في قصيدة المسيح بعد الصلب وقد اتَّحد بشخصيته:[٥]


بعدما أنزلوني، سمعتُ الرياحْ
في نواحٍ طويل تسفُّ النخيل
والخطى وهي تنأى، إذن فالجراحْ
والصليب الذي سمَّروني عليه طوالَ الأصيلْ
لم تمتني، وأنصتُّ: كان العويل
يعبر السهل بيني وبين المدينةْ
مثل حبل يشدُّ السفينةْ
وهي تهوي إلى القاعْ


الغموض وازدواج المعنى

لماذا ظهر الغموض في كثير من قصائد الشعر الرمزي؟

يحاول الشعراء الرمزيون من أجل إنتاج الشعر العظيم أن يصلوا إلى العمق في الشعر، وقد أدى في كثير من الأحيان إلى الوقوع في الإبهام والغموض في كثير من النصوص الرمزية التي كُتبت، وقد يتمُّ تفسير ذلك الغموض من خلال موسيقى التناغم الناشئة بين الألفاظ والتراكيب والتي توحي بآقاق بعيدة للمعنى، بشكل شفاف يحمل الكثير من الدلالات التي تعطي للنض أكثر من معنى.[٦]


يرجع الغموض في الشعر الرمزي إلى التصرف بالمفردات بشكل مختلف والإيجاز والتكثيف في النص ومحاولة محاكاة الفن التشكيلي والموسيقى ليتم إيصال المعنى عن طريق الانطباع لدى القارئ حسب تفسيره وخياله، بالإضافة إلى الإكثار من التلميحات والإشارات والرموز التي لا توضِّح المقصود بطبيعتها[٧]، ومن الأمثلة على ذلك قصيدة الوقت لأدونيس:[٨]


حاضِنًا سُنبلةَ الوقتِ ورأسي برجُ نارٍ:
ما الدّمُ الضّاربُ في الرّملِ، وما هذا الأفولُ؟
قُلْ لَنا، يا لَهَبَ الحاضِر، ماذا سنقولُ؟
مِزَقُ التّاريخِ في حُنجرتي
وعلى وجهي أماراتُ الضّحيّةْ
ما أَمَرَّ اللّغةَ الآنَ وما أضيقَ بابَ الأبجديّةْ
حاضنًا سنبلةَ الوقتِ ورأسي برجُ نارٍ:
جُثَثٌ يقرؤُها القاتِلُ كالطُّرْفَةِ
أَهْراءُ عِظامٍ
رأسُ طِفْلٍ هذه الكتله أم قطعةُ فَحْمٍ؟
جسَدٌ هذا الذي أشهدُ أم هيكلُ طينٍ؟
أَنحني، أرتُقُ عينين وأَرفو خاصِرةْ
ربّما يُسعفُني الظنُّ ويَهديني ضياءُ الذّاكرةْ


تكثيف الموسيقى الشعرية

هل تعدّ الموسيقى الشعرية جزءًا من النص الشعري؟

تميَّز الشعر الرمزي بكثافة الموسيقى الشعرية، وهي موسيقى اعتمدت على الألفاظ والقصيدة عمومًا، كما استفادت من الطاقة الكامنة في الكلمات والحروف والجمل والتراكيب، بالإضافة إلى التناغم الصوتي في جميع مقاطع النص، حيثُ توظَّف تلك الطاقة للتعبير عن الجو النفسي الخاص بالكاتب ونقله إلى القارئ، وتتحول الموسيقى الشعرية إلى أداة للتعبير بالإضافة إلى القدرات التصويرية واللغوية في القصيدة، لذلك تعد من أجزاء النص وليست عنصرًا إضافيًا تجميليًّا عليه، وقد حمَّلوا الموسيقى تأثيرات ودلالات عجزت عنها المدارس الادبية السابقة.[٧]


كما استعاد الرمزيون بذلك الحميمية في الشعر، لذلك تمردوا على الأوزان الشعرية القديمة، وأنتجوا لكل قصيدة موسيقاها الخاصة بها، وكان رامبو من أجرأ الشعراء في ذلك، فاستهانوا بالقوافي وتبنوا لغة شعرية نثرية مموسقة بداخلها، تجلى ذلك عند رامبو في قصائده التي سمَّاها إشراقات[٧]، حيثُ يقول في قصيدة تصوُّف:[٩]


عند سفحِ المنحدر
يدير الملائكة أثوابَهم الصُّوف
في مروج الزمرُّد والفولاذ
حقول مشتعلة تتواثب حتَّى ذروةِ الرابية
نفايات الجرف الأيسر يدوسُ عليها جميعُ القتلة
وجميعُ المعارك وجميع الأصوات الفاجعة تتبعُ منحاها
ووراء الجرفِ الأيمن يمتدُّ خط الشروق والتقدم


غزارة الصور الفنية

ما أنواع الصور الفنية التي يُكثِر منها الرمزيون في قصائدهم؟

يُكثر شعراء الرمز من استخدام الصور المعنوية والحسية في قصائدهم، يرافقها الغموض غالبًا، وتعدُّ هندسة تلك الصور الفنية لديهم من العمليات الأساسية في العمل الفنِّي، حيثُ تبثُّ الصور الفنية بغزارتها في الشعر إيحاءً عميقًا ذا أصداء بعيدة[١٠]، فالشاعر الرمزي متيقِّظ الجوارح، يتحول إلى مصوَّرٍ في الطبيعة يلتقط فيها كل الأشكال والظلال والألوان ويترجمها بصفاتها المخلتفة بالدرجات والدلالات، ولا يغفل عن روائع الأشياء فيها.[٧]


يدخل من تلك المظاهر ليتشابك مع العالم بصور كثيفة شعرية تطغى على النص، ويصبح فيه لكل شيء محسوس معنى ودلالة[٧]، ومن القصائد التي تتميز بغزارة الصورة الفنية قصيدة بالزنبق امتلأ الهواء للشاعر محمود درويش، حيث يقول في مطلعها:[١١]


بالزنبقِ امتلأ الهواءُ كأنَّ موسيقى ستصدحُ
كل شيءٍ يصطفي معنى ويرجعُ فائض المعنى إليَّ
أنا المعافى الآن
سيِّدُ فرصتي في الحبِّ
لا أنسى ولا أتذكَّرُ الماضي
لأني الآن أولَدُ هكذا من كلِّ شيء
أصنع الماضِي إذا احتاج الهواء إلى سلالته وأفسدهُ الغبار
ولدتً دون صعوبة كبنات آوى، كالسمندل، كالغرابِ
ولم أهنئ والديَّ بصحَّتي وسلامتي


تراسل الحواس

متى يكون في الرمزية ِللون رائحة؟

يتميَّز الشعر الرمزي بما يُعرَف بتراسل الحواس الذي اهتمَّ به الرمزيون كثيرًا، وتقوم فكرة هذه الخاصية على إعطاء خواص حاسة معينة للحواس الأخرى، فيصبح للون رائحة وطعم وصوت ربَّما، وللصوت لون ورائحة وطعم، وللعطر صوت ولون، هذا لأنَّها تخرج من نفس المجال الوجداني، وبمعنى آخر إنَّ تراسل الحواس هو وصف مدركات حاسة معينة بمدركات حاسة أخرى، فتُعطَى للاشياء التي تُدرَك بالسمع صفات أشياء تُدرَك بالبصر وهكذا.[١٢]


تصبح الحواس في الشعر الرمزي أدوات تعبيرية، وفي كل من معطياتها رموز موحية، وتصبح الحواس نوافذ الشاعر على العالم الخارجي، الذي هو بذاته غابة من رموز كثيفة مختلطة، والطبيعة تتراسل فيما بينها وتتخاطب بلغة مشتبكة لا يفهمها إلا الشاعر نفسه[٧]، ويمكن ملاحظة ذلك عند رامبو في مقطع من قصيدة عبارات أخرى:[١٣]


صبيحة غائمة في تمُّوز
مذاق رماد يطفو في الجو
رائحة خشب تنضح في الموقد
الأزهار العطنة، خراب النزهات
رذاذ القنوات يجتاز الحقول
لم لا نرى من الآن دمى الأطفال والبخور؟


استدعاء الشخصيات الدينية والتاريخية

كيف يقوم الرمزيون بشحن القصيدة الحديثة بالدلالات؟


أكثرَ شعراء المدرسة الرمزية من استدعاء الشخصيات الدينية والتاريخية في قصائدهم وبأبعاد عديدة مختلفة، وذلك لما تحمله تلك الشخصيات من إيحاء وتعبير تُمكِّن الشاعر في العصر الحديث من التعبير عن تجربته الشعرية، حيث تلعب الرموز والشخصيات التاريخية والدينية دورًا هامًّا في تشكيل بنية القصيدة الحديثة، وتشحن القصيدة بدلالات ومعانٍ تفتقر إليها بقية المواد الأخرى، حيثُ يكون استدعاء شخصية من التراث أحيانًا محور القصيدة، وأحيانًا يتمُّ استخدام أحد ملامحها فقط، وقد أكثر بدر شاكر السياب من توظيف الشخصيات التاريخية والدينية مثل شخصية النبي أيوب عليه السلام[١٤]، إذ يقول في قصيدة بعنوان سفر أيوب أيضًا:[١٥]


شهور طوال وهذي الجراح
تمزِّق جنبي مثل المدَى
ولا يهدأ الداء عند الصباح
ولا يمسَح اللّيل أو جاعه بالردى
ولكنّ أيّوب إن صاح صاح
لك الحمد، إن الرزايا ندى
وإنَّ الجراح هدايا الحبيب
أضمٌ إلى الصدر باقتها
هداياكَ في خافقي لا تَغيب


حدس المتلقي يفسر الحدس الشعري

على ماذا تعتمد القيمة الشعرية في النص الرمزي؟

يؤدي الشعر في المذهب الرمزي إلى انفعال مزدوج بالقلب والعقل لا يعتمد على نظام الكلام أو ووزنه بمعنى آخر، فقد لا يكون المعنى الأدبي للشيء موجودًا في الكلمات، كما أنَّ القيمة الشعرية للنص قد لا تكون متضمنة في الكلمات بشكل مباشر، وإنَّما قد تتوقف على المسافة الموجودة بينها وبين الكلمات والتي يمكن للقارئ أن يتصورها ذهنيًا ويعطيها أبعادًا كثيرة، متجاوزًا كلمات النص المكتوب أصلًا، وبناءً على ذلك ترك الرمزيون للمتلقي الحدس والتصوُّر الخاص بكل فردٍ في تفسير الحدس الشعري في القصيدة الرمزية[٢]، وفي مقطع من قصيدة مفرد بصيغة الجمع لأدونيس يظهر ذلك:[١٦]


كان لإقامته بين الشجر والزَّرْعِ شحوبُ
القصب وسَكْرَةُ الأجنحة
تآصَرَ مع الموج
أَغْرى بِهدأة الحجر
أَقْنَع اللّغَة أن تؤسِّس حِبْرَ الخشخاش
وكان سُلَّمٌ يقال له الوقت يتكىء على اسْمِه ويصعد
نبوءةً
نبوءةً

المراجع[+]

  1. مجموعة من المؤلفين، كتاب الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، صفحة 864. بتصرّف.
  2. ^ أ ب تيسير محمد أحمد الزيادات، التراث في شعر بدر شاكر السياب، صفحة 22. بتصرّف.
  3. صليحة صالحي وعائشة محجوب، الوحدة العضوية في القصيدة العربية المعاصرة، صفحة 38. بتصرّف.
  4. تيسير محمد أحمد الزيادات، التراث في شعر بدر شاكر السياب، صفحة 22-23. بتصرّف.
  5. تيسير محمد أحمد الزيادات، التراث في شعر بدر شاكر السياب، صفحة 29-30. بتصرّف.
  6. تيسير محمد أحمد الزيادات، التراث في شعر بدر شاكر السياب، صفحة 23. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت ث ج ح عبد الرزاق الأصفر، المذاهب الأدبية لدى الغرب، صفحة 105-110. بتصرّف.
  8. "الوقت أدونيس"، بوابة الشعراء، اطّلع عليه بتاريخ 19/01/2021م.
  9. آرثر رامبو، الأعمال الشعرية الكاملة، صفحة 576. بتصرّف.
  10. تيسير محمد أحمد الزيادات، التراث في شعر بدر شاكر السياب، صفحة 23. بتصرّف.
  11. محمود درويش، لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي، صفحة 12. بتصرّف.
  12. سارة نجر ساير العتيبي، الرمزية وتجلياتها في الشعر، صفحة 224. بتصرّف.
  13. آرثر رامبو، الآثار الشعرية الكاملة، صفحة 555.
  14. تيسير محمد أحمد الزيادات، التراث في شعر بدر شاكر السياب، صفحة 23-24. بتصرّف.
  15. "سفر أيوب"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 19/01/2021م. بتصرّف.
  16. "مفرد بصيغة الجمع أدونيس"، بوابة الشعراء، اطّلع عليه بتاريخ 19/01/2021م.