تعريف التراث

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٠٩ ، ١٦ أكتوبر ٢٠١٩
تعريف التراث

التراث والتنمية المستدامة

يعدّ الاهتمام بالتراث غايةً بحدّ ذاتها في الكثير من المجالات، البيئية والثقافية والفنية والجتماعية وغيرها، وينبغي حمايتها ونقلها للأجيال المستقبلية لضمان تنميتها؛ فهو يساعد على فَهم الماضي من خلال بقاياه المادية، ويعزّز الرفاهية المادية والروحية للأفراد، وبالتالي يكون التراث جوهر التنمية المستدامة. أمّا كونه وسيلة للتنمية المستدامة، فهو يقدّم لها أبعادًا اجتماعية وبيئية واقتصادية لصونها؛ فالتراث لاعب أساسي في الحياة الاجتماعية، وعنصر في نظام أكبر لمكونات مترابطة، ذات مسؤولية متعلقة بالتحدي العالمي للتنمية المستدامة، وبالتالي يجب حماية التراث من خلال ثلاثة أركان: اجتماعي واقتصادي وبيئي. وستتناول هذه المقالة تعريف التراث لأهميته في التنمية المستدامة للشعوب.[١]

تعريف التراث

يدخل كلّ ما خلفه الأجداد ليكون عبرة من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل في تعريف التراث. فالتراث في الحضارة بمثابة الجذور في الشجرة، فكلما غاصت وتفرعت كانت الشجرة أقوى وأثبت وأقدر على مواجهة تقلبات الزمان. وفي تعريف التراث، يتنوع التراث باختلاف ما تحمله الجذور إلى الشجرة؛ فقد تحمل إليها قُوتًها المُمَثل في الأملاح المعدنية وهو بمثابة ما دوّن من التراث، فإن فقد فستصير الأمة كشجرة حبست عنها الأملاح المعدنية وستذبل شيئا فشيئا ثم تضمحل. وقد تحمل الجذور الماء فتتناقله مكونات الشجرة ليشرب منه واحدًا تلو الآخر فيشرب كل سلف ويسلم الماء لخلفه شأن تواترته الأجيال أبا عن جد من تراث شفوي كالأمثال الشعبية والحكايات الهادفة وغيرهما.[٢]

ومن رفض الماء وحبسه عن نفسه سيجف من مضمونه القومي، ثم ينقطع عن سياق حضارته، ويسقط من على الشجرة إلى سطح الأرض حيث نقطة الصفر، في الوقت الذي تجري فيه سلوكيات خاصة في عروق كل أمة من جانب آخر؛ فيكون تراثًا سلوكيًّا يمثل بالهواء الذي يبث الحياة في الشجرة، ملتصق بها التصاق السلوك بالإنسان، وتتحرك بحركته حينما يدغدغها نسيمه العليل. أما ما تركه الأجداد من آثار ظلت مصانة كالحصون والقصور والسيوف والدروع وغيرها ممّا شهد على أمجاد الأمم السابقة فهو بمثابة المواد العضوية التي تركتها الكائنات الأخرى في تربة بعد ذبولها أو مماتها لكي تنهل منها الشجرة إلى أن تصبح قادرة على تكوين مادتها العضوية بنفسها.[٢]

ومن المهمّ في تعريف التراث، ملاحظة أن لا حضارة دون تراث؛ لأنّها ستصير حضارة طفيلية ترتوي من تراث الآخر دون تراثها، حال الطفيليات التي تتقوت مما تنتجه الأشجار الأخرى؛ فما إن تحبس عنها الأشجار قوتها حتى تندثر مهما بلغت طولا وعرضًا. بل يجب أن تكون الحضارة أصيلة لا تبعية عندها، مستقلة تملك جذورها العميقة في جوف الأرض.[٢]

وفي تعريف التراث، تبرز عدّة أنواع للموروثات، منها المادية ومنها المعنوية التي تختلف من شعب لآخر، لكنها تتحد في وحدة أساسية وهي الاستمرارية. وتتمثل الموروثات المعنوية في العادات والتقاليد والأفكار والأخلاق، أما الموروثات المادية فتتمثل في كل في ما تركه القدماء من إرث حضاري قديم مثل الآثار القديمة ومنها: الآثار، والمسكوكات، والنقوش، وأدوات القتال، والرسوم التعبيرية والفنية. مع ملاحظة أن التراث يخلفف من قومية إلى أخرى تبعًا للفترات الزمنية للقوميات وأشكالها العديدة، التي اتخذت أنظمة معنية وحافظت عليها، وبناء عليها ظهرت القوميات الأممية، التي حافظت واعتزت بتراثها وعلمائها ومفكريها واختصت كل منها بلغة وأرض وشعب.[٢]

التراث الإسلامي

يتّسع تعريف التراث عمّا ورد ذكره سابقا، فالباحث عن تعريف التراث، سيواجه مصطلح التراث الإسلامي، وهو مصطلح شامل يتسع لكل ما له علاقة بالإسلام من نصوص القرآن والسنة النبوية حتى اجتهادات العلماء السابقين في فهم هذه النصوص وتطبيقها على الواقع، وقد حصل خلاف حول ما إذا كان هذا التراث دينًا مقدسًا يجب الالتزام به، أو نصوصًا واجتهادات مرتبطة بأزمانها وأماكنها الغابرة، تعامل على أنّها تاريخ ينقل لنا تجربة بشرية قابلة للنقد والنقض والتعديل والتطوير بما يتناسب مع الزمان والمكان والظروف الخاصّة بكلّ عصر.[٣]

والتراث الإسلاميّ في تعريف التراث، لا يقتصر على الإنتاج المعرفي في العلوم الشرعية وحدها كالتفسير والحديث والفقه وغيرها، بل يتسع ليشمل كلّ ما تركه العلماء المسلمونَ على مرّ التاريخ من مؤلّفات في مختلَف فروع المعرفة، وبشتّى اللغات، وفي كلّ بقعة من بقاع الأرض بلغتها دعوةُ الإسلام. ويمكن تعريف التراث الإسلامى على أنه كل ما خلفه الأسلاف المسلمون من عقيدة دينية متمثلة في القرآن والسنة، والعطاءات الحضارية سواء مادية أم معنوية.[٣]

يتمثّل تعريف التراث في أنّه الهوية الثقافية للأمم كافّة، ومن دونه تضمحلّ وتتفكك داخليًا، وقد تندمج ثقافيًا في إحدى التيارات الحضارية والثقافية العالمية القوية. بالنسبة للمسلمين فإنّهم يتعرّضون لهذا التفكّك ويلهثون بقوّة مطردة نحو التيارات العالمية المختلفة؛ يعود ذلك لطبيعة التراث من ناحية، وطريقة الإفادة منه من ناحية أخرى، ومن القيم العامّة التي تحكُمُ إلى حدٍّ ما -حتى على صعيد القيادات الفكريّة- عملية التفاعل معه ثالثًا.[٣]

طبيعة التراث الإسلامي

تتمثّل طبيعة التراث الإسلامي في تعريف التراث الإسلامي في المكتبة العربية، التي ترجع بدايتها إلى فجر التاريخ الإسلامي، ببداية حركة التدوين في القرن الأول، انتهاءً بالتصنيف في القرن الثاني، وازدهرت كثيرًا في القرن الثالث ثم الرابع، وكذلك فإن التركة المادية المحفوظة توضح المستوى الحضاري للأمة ومدّة تنوع نشاطها في الماضي، إلا أن المكتبة العربية ظلت أهم جوانب التراث الإسلامي، وقد كتبت معظم المؤلفات بلغةٍ أدبيّة رفيعة مما يرتفع بالذوق الأدبي والثروة اللغوية للقارئ. وإن كانت هذه الظاهرة من مزايا التراث، فإنها تؤدي إلى العزلة بينه وبين الجماهير التي تحتاج إلى تيسيره وتوطئته؛ إذ ليس من المعقول أن نطالب الجمهور الواسع بالارتفاع إلى المستوى الفني اللازم للتعامل مع التراث في الوقت الذي يواجه فيه الأكاديميون صعوبات شتى في هذا المجال؛ بل أن معظم المحاضرات في الأقسام الأدبية المتخصصة لا تُلقى باللغة العربية الفصحى.[٣]

وعملية نقل التراث إلى الأجيال المعاصرة ليست سهلة، فاحتمالية تحريف القيم التراثية تعدّ من أبرز الأخطار التي تواجهه؛ بسبب الغزو الثقافي الذي تعرضت له البلاد الإسلامية، وإحلال قيم ثقافية جديدة تتصل بالحضارة الغربية ولا ترتكز إطلاقًا على الجذور الثقافية العربية والإسلامية.[٣]

المستشرقون وخدمة التراث العربي

أشير سابقًا في تعريف التراث أنّه يختلف من أمّة إلى أخرى، ومن قومية إلى أخرى، ولأن الأمة العربية تمثّل كثير من تراثها في مكتبتها العربية، فقد ركّز المستشرقون على إحياء التراث العربي، الذي برزت جهودهم فيه من خلال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في الجامعات، وجمع المخطوطات من بداية حملة نابليون على مصر 1798م ، مرورا ببعثات ملك بروسيا فريدريش 1842م و1852م إلى البعثات الشخصية. وتمخّضت عمّا قام به ألوارد من وضع فهرس في عشرة مجلدات لمكتبة برلين للمخطوطات العربية وعددها 10000مخطوط. بالإضافة إلى جهودهم في التحقيق والنشر، فقد نشروا مئات المخطوطات العربية في بداية عصر الطباعة مثل سيرة ابن هشام، والإتقان للسيوطي، وكتاب سيبويه، والاشتقاق، ومعجم الأدباء، والكامل للمبرد والجمهرة وغيرها.[٤]

وتبرز جهود المستشرقين في خدمة التراث عند القراءة في تعريف التراث، في الترجمة؛ فقد ترجموا العديد من الكتب العربية كتاريخ الطبري، وكثير من الدواوين، والإحياء للغزالي، وترجموا معاني القرآن إلى جميع اللغات الأوروبية الحية. بالإضافة إلى التأليف حول الشرق الأوسط، فبلغ ما ألفوه في قرن ونصف قرن منذ أوائل القرن التاسع عشر حتّى منتصف القرن العشرين، ستين ألف كتاب.[٤]

المراجع[+]

  1. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (2016)، إدارة التراث الثقافي العالمي، صفحة 20. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث "التراث"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 15-10-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث ج "التراث الإسلامي"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 15-10-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "المستشرقون وخدمة التراث العربي"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 15-10-2019. بتصرّف.