تاريخ الخلافة الإسلامية المغولية في الهند

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٠:٥٥ ، ١٩ أغسطس ٢٠٢٠
تاريخ الخلافة الإسلامية المغولية في الهند

الخلافة الإسلامية المغولية في الهند

بعد الغزو المغولي للعالم اللإسلامي، وتدميرهم مدينة بغداد، دخلوا في دين الإسلام [١]، وتعد الدولة المغولية الإسلامية في الهند، والتي أسسها السلطان ظهير الدين محمد بابر 932-1274هـ أقرب أن تكون دولة خلافة خاصة بمنطقة الهند، على غرار الخلافة الأموية في الأندلس، فقد تطورت بالحكم الإسلامي إلى أرقى درجات العدل والعمران الحضاري، ويعد مؤسسها أهم سلاطين مغول الهند الإسلامية، فمن لحظة توليه العرش سنة 899هـ وإلى سنة 933هـ، لم يقض سنة كاملة في مكانٍ واحد، من كثرة فتوحاته ورحلاته، مختتمًا ذلك بفتح مدينة دِهْلَى التي جعلها عاصمة لدولته بعد عمر طويل من الجهاد والغزو.[٢]

وبعد أن استقرت الأمور تدريجيًا بعد انتصاره على التحالف الهندوسي مع محمود اللودي، بدأ بالعمل في الإصلاحات والنهضة الداخلية، فشق الطرق وحفر الترع وأودية الأنهار والقنوات، وأمر بزراعة الأشجار، فتمكن من تهيئة الهند للنضهة في غضون خمس سنوات إلى أن توفي سنة 937هـ، موصيًا بالولاية من بعده لابنه "همايون بن بابر".[٢]


الفتح الإسلامي في الهند

وصلت طلائح دعوة الإسلام إلى الهند في أول الأمر عبر التجارة والفتوحات الإسلامية، فبدأت هذه الفتوحات على نطاق ضيق في عهد أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، ثم أخذت تزداد بشكل جلي في فترة حكم الأمويين وخاصة ببعثات الفتح التي أرسلها الحجاج بن يوسف الثقفي إلى الهند، فنجح بعضها، وكان منها حملة محمد بن القاسم التي أفلحت في فتح بلاد السند سنة 92هـ، وهي جزء من الباكستان في هذا اليوم.[٣]


ثم تواصلت من حين لآخر الحروب بين المسلمين وملوك الهند وحكام ولاياتها، وبخاصة بسبب تحريض طبقة البراهمة، والتي هي طبقة ذات نفوذ كبير في المجتمعات الهندية، وتعد الطبقة الأعلى في المجتمع إلى درجة قريبة من درجة الآلهة، فكانت لهم الكثير من الامتيازات التي خافوا أن يخسروها، فكانوا يشجعون الطبقات الفقيرة والدنيا من المجتمعات الهندية على قتال المسلمين والتعرّض لدعاة الإسلام مما أبطأ من انتشار الإسلام في الهند.[٣]


وقعت معارك الفتوحات الإسلامية العظمى في قلب الهند بدءًا من القرن عشر الميلادي إلى القرن السادس عشر للميلاد، وذلك بالرغم من كون الفتوحات الإسلامية المبكرة كانت تصل إلى شمال الهند في عهد حكم ممالك راجبوت في القرن السابع الميلادي، لكن دولة مغول الهند الإسلامية استطاعت لم شمل معظم الملوك الهندوس أو إخضاعهم بالقوة، وذلك حتى وقوع غزو واستعمار شبه القارة الهندية من قبل شركة الهند الشرقية البريطانية، لكن لم تتمكن دولة المغول الإسلامية من غزو وإخضاع ممالك الهند في المنابع المرتفعة من دول جبال الهمالايا مثل مناطق نيبال وبوتان، وكذلك مناطق أقصى جنوب الهند مثل ترافنكور.[٤]


يزعم بعض المستشرقين أن الإسلام قد دخل إلى الهند عبر السيف والقتل، ولكن هذه الاتهامات ليست دقيقة، فدين الإسلام حث بالأمر وبالتطبيق على حماية المدنيين وعدم قتل النساء والشيوخ والأطفال وحتى عدم قطع الأشجار، وربما قد وقعت بعض الحوادث الفردية المتفرقة أو تم تحريف بعض التاريخ، حيث يعمد البعض إلى اتهام الجيش المنتصر بالإبادة إذا كان قد قتل كثيرًا من جنود الجيش المهزوم، وهذا غير دقيق لأن القتلى هم جنود جيش مقاتل وليسوا مدنيين.[٥]


وعلى الرغم من ذلك، فيمكن أن تحصل كذلك بعض حوادث من بعض الحكام المسلمين بإجبار السكان المحليين على اعتناق الإسلام، وهذا إن حصل فهو تصرف مرفوض حسب تعاليم الإسلام، ويكون هذا تصرفًا خاصًا بهذا الحاكم أو الدولة التي قامت به ولا يكون الإسلام نفسه مسؤولاً عنه، ومع ذلك فإن الآراء مختلفة في حقيقة ما حصل، خاصة أنها حصلت في فترات زمنية طويلة ومتنوعة وعلى رقعات جغرافية واسعة، وهناك من يرى أن انتشار الإسلام هو تحول طبيعي حصل نتيجة الأخلاق الحسنة والتجارة أو لرغبة بعض الناس في الهند بالتطور الاجتماعي.[٥]


سلطنة دلهي في الهند

وهي دول وسلطنات إسلامية حكمت معظم الهند ما بين سنة 1206 إلى 1526، وذلك في الفترة التي سبقت قيام الخلافة الإسلامية المغولية في الهند، وتخللها العديد من السلالات التركية ومنها الأفغانية وحتى بعض سلالات المماليك، بدأ بتأسيسها محمد الغوري القائد العسكري الأفغاني الذي فتح دلهي سنة 1192، وبعث أحد قادته قطب الدين أيبك، الذي يعود أصله إلى مماليك الأتراك في حملة لفتح شمال الهند، وفي سنة 1206 تولى قطب الدين سلطنة دلهي، فقام بتأسيس أسرة مالكة فيها، وقد عُرفت بأسرة المماليك التي حكمت من سنة 1206إلى 1290، ثم خلفته سلالة الخلجي من سنة 1290إلى 1320، وتلاها سلالة تغلق من سنة 1321 إلى 1413، إلى أن قضى تيمورلنك نهائيًا على هذه السلطنة سنة 1398، وقام بتولية خضر خان على سلطنة دلهي وصارت جزءًا من الدولة التيمورية، ثم انتقلت إلى سلالة السيد التي حكمت من سنة 1414 حتى 1451، وخلفتها سلالة لودي من سنة 1451إلى 1526، إلى أن خضعت أخيرًا إلى السلطنة أو الامبراطورية المغولية الجديدة في الهند سنة 1526.[٦]


امبراطورية المغول الإسلامية في الهند

كان شعب المغول في بداية أمرهم شعبًا هميجًا مصاصًا للدماء، يغزون الدول ويذبحون الشعوب ويدمرون المدن والحضارات، ثم بدأوا بدخول الإسلام بعد هزيمتهم على يد السطان قطز، وقد أسلم القائد المغولي بركة خان سنة 650 هـ، وذلك على يد أحد تلاميذ الشيخ "نجم الدين كبرى" حسب بعض الروايات، وهو شيخ صوفي وأحد أعلام الصوفية، وكان يُلقب بـ "صانع الأولياء"، والذي كان المغول قد قتلوه أثناء اجتياح خوارزم، وكان هذا الشيخ قد أرسل بتلاميذه ودعاته في كثير من أنحاء العالم للدعوة إلى الإسلام، فأسلم بركة خان على يد أحد دعاته، وجاء إلى الشيخ سيف الدين الباخرزي وهو من تلاميذ الشيح نجم الدين فأكرمه وأجله، ثم عاد إلى بلاده داعيًا إلى الإسلام، ثم أرسل رسولًا إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله مبايعًا إياه، وكان وقتها على رأس حكم المغول أخيه الأكبر باتو، وذلك قبل أن يتولى الحكم بثلاث سنوات.[٧]


ثم لما حان وقت اعتلائه عرش ما سمي بالقبيلة الذهبية، بدأ بإظهار إسلامه وأداء الشعائر الإسلامية، كما عمل على إكمال بناء مدينة سراي، الواقعة مكان مدينة سراتوف الحالية في روسيا على ضفاف نهر الفولجا، فجعلها عاصمة دولة القبلية الذهبية، وعمل على تشييد المساجد وتوسيعها إلى أن أصبحت من أكبر مدن العالم المشيدة بالطراز الإسلامي، وقد كانت حادثة إسلام بركة خان، ثم توليه الحكم هي بداية نهاية الصورة المفزعة عن المغول بكونهم كابوس البشرية بأجمعها في العالم الإسلامي وروسيا وأوروبا، فهذّبهم دخولهم في الإسلام،[٧] إلا أن هولاكو كان مستمرًا في حملته البربرية بعد إسلام بركة خان إلى أن تلقى هزيمته النكراء التاريخية في معركةعين جالوت الأسطورية،[٨] وقد كان قائد جيش المغول آنذاك هو قيادة كتبغا نوين.[٩]


وهكذا، وفي وقت لاحق على انهيار الغزو المغولي ودولة القبيلة الذهبية ثم انهيار الدولة التيمورية، قامت دولة مغولية إسلامية جديدة في الهند، وأصبحت أحد ثلاث إمبراطوريات تحكم العالم الإسلامي وقتذاك، وهي الدولة العثمانية والدولة الصفوية والدولة المغولية، وقد استمرت لحوالي ثلاثة قرون حتى جاء الاستعمار الغربي وقضى عليها بالدسائس والخداع، حيث عاش المجتمع في ظل هذه الدولة في حياة من العدل والرخاء والتسامح والأمان، وتعود أصول ظهير الدين بابر مؤسس هذه الدولة إلى "تيمورلنك"، الذي كان قد أقام دولة كبيرة واسعة من دلهي حتى دمشق، ولكنها لم تدم طويلاً بعد وفاته بسبب خلافات أولاده وحروبهم، ومن أحد فروع هذه السلالة استطاع "أبو سعيد ميزرا" إقامة دولة واسعة من جديد من السند إلى العراق، حيث كان والد ظهير واليًا فيها على أقليم فرغانة ومنها صار ابنه مؤسسًا لدولة المغول الإسلامية في الهند.[١٠]


بدأت إمبراطورية سلطنة مغول الهند سنة 1526م وسقطت سنة 1857م، واستمرت يحكمها سلالات مغولية وجاغاطاية-تركية، حيث بسطت سلطانها على أجزاء واسعة من شبه القارة الهندية، وكان البداية بانتصار السُلطان المغولي المسلم ظهير الدين بابر على سلطان دلهي إبراهيم لودي في معركة بانيبات، وذلك بعد أن كان واليًا على سمرقند، ثم غزا كابُل واستولى عليها زاحفًا إلى الهند بتحريض من بعض أمرائها ضد اللودهيين، ثم بلغت هذه الدولة أوج عظمتها ومجدها بوصول جلال الدين أكبر للحكم 1556-1605 م، حيث انتشر الرخاء وقويَ الاقتصاد وانتشر التعايش والسلام بين الأديان.[١١]


وكان السلطان أكبر مهتم بالأديان والسكان المحليين والثقافة الهندية، كما امتد حكمها على أراضٍ واسعة، وبذلك وصلت مرحلة الأوج، فأكمل سيطرته على بلاد هندوستان بكاملها وهي الهند وشمال باكستان، ثم استولى على بنغلادش، واستطاع كذلك إدخال جميع الدول والممالك الأخرى غير الإسلامية ضمن هيمنته، ولكن في سياسة تقوم على التسامح بحيث يعامل المسلمين والهنود على قدم المساواة، كما جدد نظام الإدارة ووسع التجارة مع أوروبا.[١١]


وفي سنة 986 هـ / 1578 م، اتخذ السلطان محمود جلال الدين أكبر شاه فكرة غريبة ظنّ أنها قد تقوي نفوذ سلطته في الهند، وهي ابتكار دين جديد يجمع بين الإسلام وباقي أديان الهند من البراهمية والبوذية والزرادشتية وغيرها فحرّم ذبح الأبقار، ثم أباح زواج الرجال المسلمين من النساء غير المسلمات، بل حتى أباح للرجال غير المسلمين الزواج من النساء المسلمات، واتخذ من مدينة "فتح بور" منطلقًا لهذا الدين المخترع، وفي زمنه تأسست ديانة السيخ التي هي ذات فكر غريب، وقد كان "غور" هو مؤسسها، ويؤمن أتباعه أنه سافر إلى مكة لحج البيت، وقرأ فيها القرآن وأصبح إلهًا، وقد أعطاه السلطان أكبر شاه قطعة أرض ضخمة لبناء مدينة أمريستار، ويصل عدد أتباع هذه الديانة في الهند حاليًا إلى حوالي عشرة ملايين، وهم يتركزون في إقليم البنجاب.[٣]


نهاية دولة المغول في الهند

مع بداية عصر الحضارة الغربية والاستعمار الأوروبي، احتلت بريطانيا جزءًا من الهند، وعملت على محاباة الهنادكة على حساب المسلمين، وكان في الجيش أو الحامية البريطانية في الهند جنود مسلمين وهنادكة، فهم بحاجة إلى الوظيفة لأجل العيش، فقد عم الفقر في البلاد بسبب اسيتلاء الإنجليز على خيراتها وفي مرة ما، أمر قادة الجيش الإنجليز الجنود بتشحيم الأسلحة باستخدام دهن مصنوع من لحم الخنزير، فرفض الجنود المسلمون هذا الأمر لأنه يمس أمرًا حساسًا في دينهم، فقاموا بتصفية هؤلاء الجنود.[٣]


فقامت ثورة شعبية هاجمت ضباط الإنجليز وقتلوا أحدهم وهرب الثائرون إلى دلهي ولجأوا إلى الملك بهادور وهو آخر ملوك المغول، ثم عمّت الثورة في أرجاء البلاد، فجاء جيش بريطاني عظيم لمحاصرة دلهي، فقضوا على مقاومتها لتفوق أسلحتهم، وأسروا الملك وقتلوا أبناءه أمامه، ونفوه إلى رانغون عاصمة بورما، وبذلك قضى الإنجليز على الحكم المغولي الإسلامي في الهند، وأعلنت بريطانيا السيطرة الكاملة على القارة الهندية، فأخذوا باضطهاد المسلمين وتحويل المساجد إلى ثكنات عسكرية، وأقاموا حاجز من الفتنة الطائفية بينهم وبين الهنادك.[٣]


كان آخر السلاطين العظماء في الهند هو "أورانك زيب عالمكير" وبوفاته أصبح الحكام من بعده ضعفاءً، وكان الإنجليز يؤثّرون على قرارت توليتهم ويتدخلون في شؤونهم، وبقي الحال على ذلك حتى سقوط آخر سلطان مغولي مسلم في الهند وهو "بهادور شاه الثاني" سنة 1274هـ / 1857م، مع ما صاحب ذلك من أفعال بربرية شنيعة من تقتيل وتنكيل بالمسلمين والشعب الهندي ككل، ومن إثارة للفتن الطائفية بين المسلمين والهنود، حتى أنهم تسببوا في انفصال دولة خاصة للمسلمين عن الهند وهي الباكستان، مع ما حصل بسبب ذلك من تهجير للمسلمين من الهند إليها، والذي توفي فيه أعداد كبيرة نتيجة الفوضى والفقر والمرض.[٢]

المراجع[+]

  1. راغب السرجاني، قصة التتار من البداية إلى عين جالوت، صفحة 157. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت "الدولة المغولية في الهند"، islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-26. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث ج "قصة الإسلام في الهند من الفتح إلى السقوط"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-26. بتصرّف.
  4. "الفتح الإسلامي لشبه القارة الهندية"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-26. بتصرّف.
  5. ^ أ ب "الإسلام في الهند"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-26. بتصرّف.
  6. "سلطنة دلهي"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-26. بتصرّف.
  7. ^ أ ب "كادوا يقضون على الدولة الإسلامية.. كيف تحول المغول إلى إمبراطورية إسلامية؟"، www.sasapost.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-27. بتصرّف.
  8. "معركة عين جالوت (25 رمضان 658هـ)"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-26. بتصرّف.
  9. "قائد المغول في معركة عين جالوت"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-26. بتصرّف.
  10. "ظهير الدين بابر.. وقيام الدولة المغولية في الهند (في ذكرى قيام الدولة المغولية بالهند: 7 من رجب 932هـ)"، archive.islamonline.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-26. بتصرّف.
  11. ^ أ ب "سلطنة مغول الهند"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-26. بتصرّف.