تاريخ الحضارة النوميدية

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٠٧ ، ٧ يناير ٢٠٢٠
تاريخ الحضارة النوميدية

شمال أفريقيا

شمال أفريقيا هو مجموعةٌ من دول البحر الأبيض المتوسط الواقعة في شمال القارة الأفريقية، يشمل التعريف الأكثر قَبولًا دول المغرب، والجزائر، وتونس، فضلًا عن ليبيا ومصر. هناك الكثير مما يميز شمال أفريقيا عن باقي أفريقيا جنوب الصحراء تاريخيًا وطبيعيًا بسبب الحاجز الطبيعي الذي أنشأته الصحراء، فمنذ 3500 ق.م في أعقاب التصحر المفاجئ، صار هذا الحاجز يفصل ثقافيًا الشمال عن بقية القارة، كما أنّ حضارات البحارة الفينيقيين والإغريق والرومان والمسلمين قد سهلت التواصل والهجرة عبر البحر المتوسط، فأصبحت ثقافات شمال أفريقيا مرتبطة بشكل واضح بأوروبا وبجنوب غرب آسيا أكثر من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، كذلك فإن التأثير العربي والإسلامي في المنطقة أساسي، وللمزيد من التفصيل سيتم في هذا الموضوع تقديم معلومات حول تاريخ الحضارة النوميدية.[١]

تاريخ الحضارة النوميدية

هناك إشكاليّة فيما إذا كانت نوميديا دولة وحضارة، أم دولة فقط في إطار الحضارة الأمازيغية، لأنه ليس كل دولة حضارة، وأيًا يكن الأمر فإن دولة نوميديا في 202 ق.م إلى 46 ق.م هي مملكة أمازيغية قديمة، تقع في المغرب الأوسط أو ما يعرف الآن بالجزائر وعلى أجزاء من تونس وليبيا، وكذلك في أقصى شرق المغرب حتى وادي ملوية في المغرب الكبير، عاصمتها سيرتا التي تُعرف حاليًا باسم قسنطينة، تم تقسيم النظام السياسي في الأصل بين المملكتين ماسلي في الشرق وماسيسيلي في الغرب، وخلال الحرب البونيقية الثانية حوالي 218 - 201 ق.م، ماسينيسا ملك ماسيلي هزم سيفاكس الماسيسيلي لتوحيد نوميديا في مملكة واحدة، وهكذا بدأت المملكة دولة مستقلة ثم انتهت مقاطعة رومانية، ويُعتبر تاريخ الحضارة النوميدية واحدًا من أولى الحضارات الكبرى في تاريخ الجزائر القديم.[٢]

تأسيس مملكة نوميديا

لا يُعرف بداية تاريخ الحضارة النوميدية أو تاريخ تأسيس مملكة نوميديا على وجه التحديد، فبعض المصادر القديمة الفرعونية واللاتينية أشارت إلى وجود ملوك أمازيغ في شمال أفريقيا، بحيث تروي بعض الروايات الأسطورية أو التأريخية أن الأميرة الفنيقية أليسا، ابتسمت بإغراء لإرضاء الملك الأمازيغي النوميدي يارباس ليسمح لها بالإقامة في مملكته، وهو ما رواه المؤرخ اللاتيني يوستينيوس نقلًا عن غيره، كما أشارت بعض المصادر اللاتينية أنّ كلًا من الملكين الأمازيغيين، يارباس ويوفاس رغبا في التزوّج بالأميرة الفينيقية أليسا، غير أن هذه الأساطير ليست دقيقة فالأستاذ محمد شفيق يتساءل عما إذا كان المقصودون هنا هم زعماء القبائل، وحسب الأستاذ نفسه فإنه من المحقق أنه كان هناك ملوك للأراضي النوميدية، وأن جل المؤرخين يعتقدون أن أيلماس هو المؤسس مملكة نوميديا، ويُشار إلى أنّ الملك ماسينيسا الذي ينتمي إلى أسرة أيلماس كان يطالب باسترداد أراضي أجداده في حربه ضد قرطاج ومملكة موريطانيا الطنجية شمال المغرب مدعومًا بروما.[٣]

مظاهر الحضارة النوميدية في عهد ماسينيسا

من أهم إنجازات ماسينيسا في تاريخ الحضارة النوميدية، أنه وحد القبائل والممالك الأمازيغية تحت شعار "أفريقيا للأفارقة"، خاصة القبائل التي كانت تسكن بين منطقتي طرابلس الليبية شرقًا ونهر ملوية غربًا، وبذلك أسّس مملكة نوميديا الكبيرة المستقلة عن الحكم القرطاجي، ومن أسباب توحيد مملكة نوميديا أن ماسينيسا كان يعتمد على أسس السياسية التقليدية، كالاعتماد على المصاهرات والتعاقد مع زعماء القبائل واستغلال الشعور الوطني المبني على الهوية الأمازيغية، وإيقاظ المشاعر الدينية في خدمة الشعور الوطني والاعتماد على الحروب فقط عند الضرورة القصوى، كما أن الأداة الأساسية لتحقيق هذا المشروع السياسي بتوحيد الدولة هي الجيش، فقد أحكم تنظيمه ليشتهر ببسالته وإمكانياته الحربية، والملاحظ أن الأمازيغ النواميد تحلوا بالانضباط والتمسك بالملكية، بحيث سادت في أوطانهم عبادة الملك/الإله وانتقل الحكم وراثيًا في بيت ماسينيسا.[٤]

ومن جهة أخرى في تاريخ الحضارة النوميدية، فقد أرسى ماسينيسا مملكة أمازيغية عاصمتها سيرتا التي بناها في منطقة مسيجة بالجبال المنيعة وهي جبال الأوراس العتيدة، وقد جعل للمدينة أسوارًا وحصونًا، وقسم المدينة إلى أحياء سكنية وتجارية ومرافق عمومية وإدارية ودينية، وقد تأثر ماسينيسا في بناء مدينته بالحضارة القرطاجية والحضارة اليونانية. كما عمل ماسينيسا أيضًا على وضع أبجدية أمازيغية محلية تسمى بكتابة "تيفيناغ"، متأثرًا في ذلك بالحضارة الفينيقية الكنعانية والحروف البونيقية القرطاجية، ومن أسباب إقبال الأمازيغيين على اللغة الفينيقية الكنعانية هو التقارب العرقي والوجداني واللغوي بين اللغتين.[٤]

أما من الناحية الاجتماعية في تاريخ الحضارة النوميدية، فقد حفز ماسينيسا الأمازيغيين البدو والرعاة على الاستقرار في المدن والقرى، لخلق اقتصاد زراعي يعتمد على الحبوب والفواكة والثمار؛ مما جعل القطاع الزراعي يعرف فائضًا في الإنتاج بسبب التأثر بتقنيات الزراعة المستوردة من اليونان وإيطاليا، ومن ثم يلتجئ ماسينيسا إلى تصدير ذلك الفائض لتعويض النقص الذي يعاني منه على مستوى الواردات، ومن هنا يمكن القول بأن ماسينيسا هو الذي حضّر شعبه وأخرجه من البداوة إلى المدنية والاستقرار الاجتماعي، وفي هذا يقول بوليب: "هذا أعظم وأعجب ما قام به ماسينيسا، كانت نوميديا قبله أرضًا لا فائدة ترجى منها، وكانت تعدّ -بحكم طبيعتها- قاحلة لا تنتج شيئًا، فهو الأول الذي أبان أن بإمكانها أن تدر جميع الخيرات مثل أية مقاطعة أخرى، لأنه أحيى أراضي شاسعة فأخصبت إخصابا".[٤]

ولتحريك العملية الاقتصادية والتجارية داخل مملكة نوميديا كما يخبرنا تاريخ الحضارة النوميدية، فرض ماسينيسا الجبايات والضرائب على السكان، وفتح مملكته للتجار اليونانيين، وسك عملة نقدية نحاسية وبرونزية تنم عن الرغبة في الاستقلال والتعبير عن قوة مملكة نوميديا سياسيًا واقتصاديًا، ويشير وجه العملة إلى رأس ماسينيسا وفوقه تاج الملك والسيادة وخلفه صولجان الحكم، وأمام وجهه تتدلى سنبلة قمح، ويظهر لنا من خلال قراءتنا لمكونات العملة مدى تأثر ماسينيسا بالحضارة الإغريقية المقدونية.[٤]

فيما يتعلق بالمجال العسكري، فقد كان ماسينيسا أسطورةً في تاريخ الحضارة النوميدية، فكان قائدًا حربيًا محنكًا ورجلًا عسكريًا مدربًا على أحدث الطرق الحربية المنظمة وخاصة الطريقتين: الرومانية واليونانية. وهذا ما دفعه ليعد جيشًا أمازيغيًا موحدًا عتيدًا يجمع بين المشاة والفرسان، كما كان يملك أسطولًا تجاريًا قويًا يُسهم في إثراء المبادلات التجارية بين الشعوب الأخرى، وكان يتوفر له أيضًا أسطول بحري عتيد للدفاع عن حدود نوميديا.[٤]

وعلى المستوى الخارجي، ربط ماسينيسا علاقات ودية مع روما عدوة قرطاجة، ومع اليونان التي كان يجلب منها العلماء والخبراء والفنانين والأدباء، هذا وقد انتشرت في عهد ماسينيسا الثقافة البونية بين الأمازيغيين أكثر من ذي قبل، مع معاداته لقرطاجة، وأحضر إلى العاصمة سيرتا عددًا من الأدباء والفنانين اليونان، فجعلوا منها مدينة راقية في حياتها المادية والفكرية، وكان الملك نفسه معجبا بالحضارة اليونانية، وكان يعمل بتقاليد الملوك اليونانيين فأكل في الآنية الفضية والذهبية، واتخذ جوقة من الموسيقيين الإغريق، ولا شك أن التجار اليونانيين كانوا يروجون بضاعتهم بفضل ولوعه بكل ما هو يونانيّ".[٤]

الممالك النوميدية في المصادر التاريخية

أشار شارل أندري جوليان إلى وجود شكل من أشكال الدولة في هذه المنطقة قـديمًا حين قال: "والغالب على الظن أن الممالك الوطنية قد تكونت بعد أن يجمع بعض القادة قبائل عديدة تحت سـلطانه، بما له من هيبة، أو عن طريق القسر والغلبة ..."، كما تحدّث بوليب خلال الحرب البونيقية الثانية 218 - 201 ق.م عـن ممالـك نوميديـة، لكننـا لا نعـرف بالضـبط الفترة التاريخية التي تعود إليها، وذلك نتيجـة عـدم وجود أي دليـل كتـابي أو أثـري يثبـت وجودهـا قبـل هـذا التـاريخ، وقـد أوردت نفـس المصـادر الـدور الفعـال الـذي لعبتـه هـذه الممالك من تاريخ الحضارة النوميدية في التـأثير علـى أطـراف الحـرب البونيـة سـواء قرطاجـة أو الرومـان، وهـو ما يظهـر التطـور العسـكري والسياسي الـذي وصلته في تلـك الفـترة، وممـا يؤكـد وجودهـا وجـود جـذور تاريخيـة لها في فـترة أقـدم مـن القـرن الثالـث ق.م.[٥]

المراجع[+]

  1. "شمال أفريقيا"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-12-2019. بتصرّف.
  2. "نوميديا"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-12-2019. بتصرّف.
  3. "نوميديا"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 30-12-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج ح "ماسينيسا"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-12-2019. بتصرّف.
  5. كيحل البشير عطية، قرطاجة والممالك النوميدية: دراسة في الأصول التاريخية (من القرن 12 ق.م الى 146 ق.م)، صفحة 9. بتصرّف.