الشعر السياسي في العصر الأموي

الشعر السياسي في العصر الأموي

مفهوم الشعر السياسي في العصر الأموي

كيف عرّف الباحثون شعر السياسة الأموي؟

عندما يرتبط مفهوم الأدب عمومًا والشعر خصوصًا بالسياسة فلا بد من توضيح معنى كل لفظة على حدة، ثم توضيح مفهوم الشعر السياسي، فإنّ لفظة السياسة تعني الرياسة وتدبر شؤون الرعية وتولي مهامهم، وهي في العصور السابقة مثل العصر الأموي والعباسي كانت تُستعمل للدلالة على الخلافة والولاية، أما لفظة الشعر فهي تعني الأدب ونظم الكلام المنمق الموزون، وبذلك يكون الشعر السياسي هو الكلام الموزون الذي يكون الحكم والخلافة وشؤون الرعية موضوعًا له.[١]


قد كان الشعر السياسي في العصر الأموي واضحًا أكثر من غيره في عصور أخرى، ومما يجدر ذكره في الحديث عن مفهوم الشعر السياسي في العصر الأموي أن هذا الشعر يتحدث عن الحكم وتدبر شؤون الرعية بالمدح تارة وبالنقد أحيانًا، وقد يتطرق إلى أمور الحرب والخلافات والمشاحنات بين الطوائف، ولهذا الشعر أعلامه وشعراؤه الذين أبدعوا فيه، وهو ليس وليد العصر الإسلامي، إنّما اكتملت أفكاره وخصائصه في العصر الإسلامي.[١]


خصائص الشعر السياسي في العصر الأموي

ما هي السمات التي ميزت الشعر السياسي الأموي عن غيره من الشعر؟

كانت القصيدة الأموية لها أثر بارز في تغيير الكثير من خصائص الشعر العربي، ولا سيما القصيدة السياسية، فقد اتّسمت بخصائص وسمات مميزة في الشعر العربي، وذلك كان متوافقًا مع موضوعات السياسة التي تناقشها، ومن هذه الخصائص:[٢]


  • وحدة الغرض: بعد أن مرّ على الشعر العربي حقب طويلة تعددت فيها أغراض القصيدة من وقوف على الأطلال إلى الغزل إلى المدح، انتقلت القصيدة في العصر الأموي إلى وحدة الغرض، لا سيما الشعر السياسي الأموي، فقد اتسمت قصائده بطرح غرض واحد من أول القصيدة إلى آخرها.
  • وحدة اللغة: لجأ الشعراء السياسيون في العصر الأموي إلى اعتماد لغة واحدة في القصيدة التي ينظمونها، فلا ينوعون في اللغة الشعرية، كما كان الشعر في عصور سبقتهم، وذلك لتتناسب اللغة الموحدة مع الغرض الواحد في القصيدة.


  • عرض الحجج: كثرت في الشعر السياسي المناقضات بين الشعراء، وظهر ما يُعرف بشعر النقائض، وهذا النوع من الشعر فرض على الشعراء أن يُدلوا بحججهم وبراهينهم وأدلتهم التي تدحض رأي الطرف الآخر وتغلبه.
  • الصورة المثالية للدين: عمل الشعراء الأمويون الذين خاضوا مجال الشعر السياسي على عرض الدين الإسلامي بصورة مثالية في أشعارهم، محاولين توضيح مدى التوافق بين طائفتهم التي يدافعون عنها وبين تعاليم الدين الإسلامي.


  • المطالبة بالحقوق: اهتم الشعراء السياسيون الأمويون في قصائدهم السياسية التي يرثون فيها أحبابهم وقادتهم بأن تكون قصائدهم بمثابة وثيقة سياسية، لا أن يكتفوا بالبكاء والندب والتأبين، بل كانوا يطالبون بحقوقهم من أعدائهم في قصائد الرثاء التي ينظمونها.


لقراءة المزيد، انظر هنا: خصائص الشعر السياسي في عهد بني أمية.


أسباب ظهور الشعر السياسي في العصر الأموي

ما هي الدوافع التي أدت لبزوغ نجم الشعر السياسي الأموي؟

إنّ الشعر السياسي في العصر الأموي لم يكن أمرًا جديدًا بالمطلق، فثمة أشعار سياسية تعود للعصر الجاهلي، إلا أن القالب المتكامل والشكل النهائي للشعر السياسي ظهر في العصر الأموي ورست قواعده، ولهذا الظهور أسباب عدة:[٣]


  • تثبيت دعوة الأمويين: علم الأمويون علم اليقين أنهم يحتاجون إلى ما يثبت دعوتهم، ويرسخ مبادئ ولايتهم أمام أعدائهم والأحزاب المعارضة لهم مثل العلويين والخوارج والزبيرين، ولذلك وجدوا أن الشعر هو أفضل وسيلة لتثبيت الدعوة وتمتين أركانها، فبدأ الشعر السياسي.
  • كثرة الأحزاب والخلافات: بعد وفاة الرسول الكريم وظهور الفتن الكثيرة انقسم الناس إلى أحزاب وطوائف، وبلغت الخلافات ذروتها بعد وصول بني أمية للخلافة، فأخذت كل طائفة تحث شعراءها على نظم الشعر السياسي الذي ينتقد الطرف الآخر ويهجوه، ويمدح قائد هذه الطائفة ويرفع شأنه.


  • المطالبة بعودة الحقوق: ظهرت أنماط عدة من الشعر السياسي وكل طرف فيه يطالب بحقه من الخلافة، مثل الهاشميين الذين طالبوا بعودة الخلافة إليهم، فهم أحق بها وأولى، وكذلك كل طائفة أخذ شعراؤها ينظمون شعرًا سياسيًا يوافق أهواءهم ومطالبهم.


أبرز شعراء الشعر السياسي في العصر الأموي

ما هي أسماء الشعراء السياسيين التي برزت بوضوح في العصر الأموي؟

انقسم شعراء السياسة في العصر الأموي إلى أربعة أحزاب، ولكل حزب اسم خاص به، وشاعر كل حزب يهجو الآخر وينتقده ويراه عدوًا كارهًا له، وفي الوقت نفسه كان بعض الشعراء ينتقلون بين الأحزاب في أشعارهم بما يتوافق مع مصالحهم، أو بسبب خوفهم من بطش الخليفة وعقابه، وهذه الأحزاب هي: العلويون، والزبيريون، والخوارج، وبنو أمية.[٤]


شعراء العلويين

كان عدد شعراء العلويين كثيرًا، إلا أنهم لم يظهروا للعلن خوفًا من الأمويين، ومنهم:

  • الفرزدق: كان من الشعراء الذين مالوا إلى بني أمية وامتدحهم طمعًا بمالهم وعطاءاتهم مع أنه ينتمي لحزب العلويين، واتسم شعره بقوة اللفظ، وسرعة الخاطرة، واشتهر بالنقائض بينه وبين جرير.[٤]
  • الكميت بن زيد: هو شاعر سياسي في العصر الأموي، لكن لم يُعرف له موقف ثابت، فبعض أشعاره كانت لصالح بني أمية، وبعضها كان لصالح العلويين الذين ينتمي إليهم، وقد اشتهر بقصائد طويلة معروفة بالهاشميات.[٤]


شعراء الزبيريين

قلّ عدد شعراء الزبيرين، وتميزوا بتقلب أهوائهم وعدم ثبات آرائهم، ومنهم:

  • عبيد الله بن قيس الرقيات: شاعر زبيري عاش في العصر الأموي، وكان يكره بني أمية كرهًا كبيرًا، ولكنه في الوقت نفسه انحاز لبني أمية وطلب حماية عبد الملك بن مروان وامتدحه بعد موت مصعب بن الزبير.[٤]
  • إسماعيل بن يسار النسائي: من شعراء الزبيرين القلة الذين كانوا متقلبي الأهواء في معظمهم، ولم يرد عنه الكثير من الأخبار إلا أنه من شعراء السياسية في العصر الأموي التابعين للزبيرين.[٤]


شعراء الخوارج

كان شعراء الخوارج في أغلبهم من أبطال المعارك أو الفحول، ومنهم:

  • الطرماح بن الحكيم: من شعراء الخوارج الذين اتسموا بثبات كلمتهم والابتعاد عن التكسب بمدح الأمويين، ولم يلن أبدًا لجانب بني أمية، وكانت ألفاظه قوية جزلة وغريبة، ولغته سليمة متينة.[٤]
  • كعب بن عميرة: شاعر من شعراء الخوارج، له أشعار يرثي فيها أحد المقاتلين الخوارج، ويتضح في شعره حب الجهاد والثبات على الرأي والمبدأ الذي يدافعون عنه.[٤]


شعراء بني أمية

أكثر شعراء الأحزاب، وكانوا إما ينظمون الشعر تكسبًا، أو تعصبًا بانتمائهم القرشي وكرهًا بمناوئيهم من الأحزاب الأخرى، ومنهم:

  • الأخطل: أحد شعراء بني أمية الكثر، والذين كان هدفهم الأول من الشعر هو التكسب من عطايا الخلفاء، إلا أن مدائحه للأمويين كانت قوية اللفظ لا يجاريه فيها شاعر آخر.[٥]
  • جرير: من شعراء بني أمية ومادحي ملوك الأمويين وخلفائهم، وهو أكثر الشعراء شهرة في العصر الأموي بشعره في مدح الخلفاء، وهجاء الأعداء وذمهم.[٤]


نماذج من الشعر السياسي في العصر الأموي

ما هي أبرز القصائد التي خلدها تاريخ الأدب عن الشعر السياسي الأموي؟

إن نماذج الشعر السياسي في العصر الأموي كثيرة ومتعددة، وتضج بها الكتب والمراجع المهتمة بتاريخ الأدب، ولكن من هذه النماذج ما يبقى عالقًا في الأذهان أكثر من غيره، ومن أبرز هذه النماذج:

  • قال الأخطل مدافعًا عن حق الأمويين بالخلافة:[٥]

ويومَ صِفِّينَ، والأبصارُ خاشِعَةٌ

أمَدَّهُمْ إذ دعوا مِن ربهم مَددُ

على الأولى قَتَلوا عُثمانَ مَظلِمَة

لم يَنهَهُم نَشَدٌ عنهُ وقد نُشِدو

فَثمَّ قَرَّتْ عُيونُ الثَّائرينَ بهِ

وأدركوا كلَّ تَبْلٍ عِندَهُ قَوَدُ

وأنتمُ أهْلُ بيْتٍ لا يُوازِنُهُمْ بَيتٌ

إذا عُدتِ الأحسابُ والعَدَدُ

والمسلمون بخير ما بقيتَ لهم

وليسَ بَعدَكَ خيرٌ حينَ تُفْتَقَدُ
  • قال جرير يمدح الخليفة عبد الملك بن مروان:[٦]

لَولا الخَليفَةُ وَالقُرآنُ يَقرَؤهُ

ما قامَ لِلناسِ أَحكامٌ وَلا جُمَعُ

أَنتَ الأَمينُ أَمينُ اللَهِ لا سَرِفٌ

فيما وَليتَ وَلا هَيّابَةٌ وَرَعُ

مِثلُ المُهَنَّدِ لَم تُبهَر ضَريبَتُهُ

لَم يَغشَ غَربَيهِ تَفليلٌ وَلا طَبَعُ

واري الزِنادِ مِنَ الأَعياصِ في مَهَلٍ

فَالعالَمونَ لِما يَقضي بِهِ تَبَعُ

ما عَدَّ قَومٌ بِإِحسانٍ صَنيعَهُمُ

إِلّا صَنيعُكُمُ فَوقَ الَّذي صَنَعوا

أَنتَ المُبارَكُ يَهدي اللَهُ شيعَتَهُ

إِذا تَفَرَّقَتِ الأَهواءُ وَالشِيَعُ

فَكُلُّ أَمرٍ عَلى يُمنٍ أَمَرتَ بِهِ

فينا مُطاعٌ وَمَهما قُلتَ مُستَمتَعُ

أَدلَيتُ دَلوِيَ في الفُرّاطِ فَاِغتَرَفَت

في الماءِ فَضلٌ وَفي الأَعطانِ مُتَّسَعُ

إِنّي سَيَأتيكُمُ وَالدارُ نازِحَةٌ

شُكري وَحُسنُ ثَناءِ الوَفدِ إِن رَجَعوا

يا آلَ مَروانَ إِنَّ اللَهَ فَضَّلَكُم

فَضلًا عَظيمًا عَلى مَن دينُهُ البِدَعُ
  • قال الفررزدق يمدح زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:[٧]

هَذا الَّذي تَعرِفُ البَطحاءُ وَطأَتَهُ

وَالبَيتُ يَعرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ

هَذا اِبنُ خَيرِ عِبادِ اللَهِ كُلِّهِمُ

هَذا التَقِيُّ النَقِيُّ الطاهِرُ العَلَمُ

هَذا اِبنُ فاطِمَةٍ إِن كُنتَ جاهِلَهُ

بِجَدِّهِ أَنبِياءُ اللَهِ قَد خُتِموا

وَلَيسَ قَولُكَ مَن هَذا بِضائِرِهِ

العُربُ تَعرِفُ مَن أَنكَرتَ وَالعَجَمُ

كِلتا يَدَيهِ غِياثٌ عَمَّ نَفعُهُما

يُستَوكَفانِ وَلا يَعروهُما عَدَمُ

سَهلُ الخَليقَةِ لا تُخشى بَوادِرُهُ

يَزينُهُ اِثنانِ حُسنُ الخَلقِ وَالشِيَمُ

حَمّالُ أَثقالِ أَقوامٍ إِذا اِفتُدِحوا

حُلوُ الشَمائِلِ تَحلو عِندَهُ نَعَمُ

ما قالَ لا قَطُّ إِلّا في تَشَهُّدِهِ

لَولا التَشَهُّدُ كانَت لاؤهُ نَعَمُ

عَمَّ البَرِيَّةَ بِالإِحسانِ فَاِنقَشَعَت

عَنها الغَياهِبُ وَالإِملاقُ وَالعَدَمُ

إِذا رَأَتهُ قُرَيشٌ قالَ قائِلُها

إِلى مَكارِمِ هَذا يَنتَهي الكَرَمُ

المراجع[+]

  1. ^ أ ب أحمد محمد الحوفي، أدب السياسة في العصر الأموي، صفحة 7-8. بتصرّف.
  2. جمال قبلان أبو دلبوح، لغة الشعر السياسي في العصر الأموي، صفحة 15-16-17. بتصرّف.
  3. أنيس زكريا النصولي، الدولة الأموية في الشام، صفحة 1. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث ج ح خ د عمر فروخ، تاريخ الأدب العربي، صفحة 370-371، جزء 1. بتصرّف.
  5. ^ أ ب بطرس البستاني، ازدهار الشعر السياسي، صفحة 1. بتصرّف.
  6. "أواصل أنت أم العمرو أم تدع"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 26/03/2021م. بتصرّف.
  7. أحمد الهاشمي (1978)، جواهر الأدب (الطبعة 27)، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 406.