مفهوم الدافعية في علم النفس

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:٤٨ ، ١٤ سبتمبر ٢٠٢٠
مفهوم الدافعية في علم النفس

الدافعية

ما هي الدافعية؟

إنّ مصطلح الدافعيّة يدلّ على مفهوم عام يشير إلى علاقة فعّالة بين الفرد والبيئة المحيطة به، وتشتمل على حالات وعوامل مختلفة منها الشعوريّة وغير الشعوريّة، ومنها الفطريّة والمكتسبة، ومنها الداخليّة والخارجيّة، وتلك العوامل تعمل على بدء سلوك الفرد واستمراره وتوجيهه حتى يتحقّق هدفٌ ما، فمن هنا يمكن القول إنّ الدافع هو المُحرّك لسلوك الفرد في المواقف المختلفة، ولذا ففهم الدافع يساعد في ضبط سلوك الفرد،[١] ويمكن القول إنّ البحث في الدّافعيّة هو بمثابة كشف عن الأسباب الرئيسة التي تقف وراء السّلوك الإنساني من حيث تنوّعه والتّغيّرات التي تحدث فيه؛ إذ الدّافعيّة هي حالة تحدث عند الإنسان بفعل عوامل قد تكون داخليّة وقد تكون خارجيّة، وهذه العوامل تثير لدى الإنسان سلوكًا معيّنًا يتّجه نحو هدف معيّن، وسيقف هذا المقال مع تفصيل مفهوم الدافعيّة في علم النفس من حيث المفهوم والأهداف والأهميّة.[٢]


مفهوم الدافعية في علم النفس

ماذا تمثل الدافعية في علم النفس؟

قبل الحديث على مفهوم الدافعيّة في علم النفس ينبغي الوقوف مع تأصيل هذا المفهوم في علم النفس والوقوف على آراء الفلاسفة وعلماء النفس فيه، وبداية ينبغي العلم أنّ الاهتمام بالدّافعيّة ليس مقصورًا على علماء النفس والفلسفة فقط؛ إذ لكلّ واحد من الناس نظرته ومفهومه الخاص عمّا يدفع الناس ويحرّكهم، والواقع يفرض أنّ مثل هذا المفهوم -أي الدافعيّة- هو أمرٌ لا بدّ منه من أجل استمرار الحياة والمُضيّ فيها، وإنّ مفاهيم الدّافعيّة تلتحم بكثير من الأنظمة الاجتماعيّة.[٣]

فمن ذلك أنّ عقاب القاتل تتوقّف طبيعته على دافعه للقتل، وكذلك مطالبة بعض المُشرّعين في بعض الدّول بإباحة المقامرة كون طبيعة الإنسان فيها بذور تدفعه للمقامرة، وأيضًا خلاف أهل السياسة الدائم حول الإنسان وطبيعة الشر والتدمير التي فيه التي يرمون من ورائها إللى تسويغ بعض الحروب، كلّ ذلك يرتبط بالدّافع والدّافعيّة، وكلّ تلك الافتراضات قد تكون صائبة وقد تكون مخطئة تبعًا لطبيعة الإنسان ودوافعه.[٣]

ولقد بقي الفلاسفة وعلماء اللاهوت زمنًا طويلًا يتجادلون في طبيعة الإنسان، فكانوا يثيرون الأسئلة كثيرًا ومن خلالها يستخرجون النتائج عن الدافعيّة، ومن ذلك -مثلًا- ما ذهب إليه الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في القرن السابع عشر، وهو أنّ الإنسان في طبيعته أنانيٌّ وميّال إلى التّدمير، ومن ذلك استنتج هوبز أنّه لكي تُمنع الفوضى والدّمار من الوقوع لا بدّ أن يخضع الإنسان لقوّة سلطان مطلق، بينما يقول جون لوك الذي عاش في نفس القرن إنّ طبيعة الإنسان الأصليّة هي المسالمة والميل إلى التعاون مع الآخرين، وقال كذلك إنّ نيّاته الأصليّة هي النيّات الخيّرة والطّيّبة.[٤]

فيمكن القول هنا إنّ التّصوّرات عن الدّافعيّة عند الإنسان لها تأثير شامل على حياته، ولكن ما مدى دقّة تلك التّصوّرات عند ذينك الفيلسوفين؛ فإنّ السّياسة -لا شكّ- كان لها نصيب في توجّه كلّ واحد منهما وكان لها تأثير على ما قاله كلّ منهما، وستختلف الأصوات التي ستندلع بعد سماع أقوال الفلاسفة بين مؤيّد ومعارض وكلّهم كان سبب آرائهم القناعة الشخصيّة أو المنطق أو الحجّة أو غير ذلك، وهذا لا يمتّ للأسلوب العلميّ بصلة لا من قريب ولا من بعيد.[٤]


وبالعودة للوراء يجد الباحث نظريّات كثيرة تحاول تفسير دوافع الإنسان، منها النظريّات المعرفيّة التي تُعدّ من أقدم النظريّات المفسّرة لجوهر الإنسان، فترى هذه النظريّة أنّ الإنسان كائنٌ عاقلٌ في جوهره وله رغبات شعوريّة ويستخدم رغباته في إشباعها، وهذا القول قد قال به عدد من الفلاسفة القدماء أمثال أرسطو وأفلاطون، وهو كذلك قول بعض فلاسفة العصور الوسطى مثل توما الإكويني، وكذلك قال بهذا القول عدد من المفكّرين المُحدَثين مثل ديكارت وإسبينوزا وهوبز؛ فالمرء يفكّر فيما هو بحاجة إليه، وبعدها يحاول أن يجد الوسائل للحصول على ما هو بحاجة إليه، وقد أدّت فكرة إرادة الإنسان دورًا كبيرًا في هذه النظريّة؛ إذ إنّها كانت إحدى المَلَكات الخاصّة بالعقل، مثلها مثل التفكير والشّعور؛ فالإنسان إن كان يستطيع التحكّم في إرادته فهو يستطيع أن يكون مسؤولًا عن أفعاله.[٥]

ومن تلك النظريّات كذلك النظريّات القائمة على مبدأ اللذة، ومؤدّى هذه النظريّة أنّ الإنسان يسعى إلى تحصيل اللذة وتجنّب الألم، ولكن هذه النظريّة تم رفضها من قِبل علماء النفس هي وكل النظريّات الفلسفيّة العقلانيّة، ولهم في ذلك أسباب مطوّلة تُنظر في مظانّها، وكذلك من تلك النظريّات التي تحاول تفسير دوافع الإنسان نظريّات الغرائز، وكانت البداية الحقيقيّة لتلك النظريّات مع نظريّة داروين في التطوّر؛ إذ ترى هذه النظريّة التي وضعها داروين أنّ بعض الأفعال الذكيّة المعيّنة هي أفعال موروثة.[٦]

وأبسط مثال على ذلك هي الأفعال المنعكسة، كمنعكس المصّ الموجود عند الصّغار، ومع بزوغ فجر القرن العشرين حاول بعض علماء النفس أن يجعلوا من الغريزة مفهومًا تفسيريًّا مهمًّا في علم النّفس، ومن أولئك العلماء ويليام جيمس وسيجموند فرويد وويليام ماكدوجال وغيرهم، ولكن فكرة الغرائز لم تعد تلقى ذلك الرواج الذي لاقته في الربع الأوّل من القرن العشرين.[٦]

ولعلّ أبرز مفهوم في مجال الدافعيّة اليوم هو مفهوم الباعث، وكان معظم علماء النفس آنذاك متقبّلين لفكرة الباعث بعد ظهور الفكرة وبعد الإضافات التي أُضيفت عليها من الناس، فهذه النظريّة قد قال بها العالم روبرت س. وودروث سنة 1918م، وقد صارت هذه النظريّة تشبه إلى حدٍّ ما نظريّة الغرائز، وبخاصّة عندما صار النّاس يتحدّثون على بواعث مختلفة كالجوع والعطش والجنس وإلى ما هنالك، ولعلّ من أسباب تقبّل نظريّة البواعث أكثر من غيرها هو أنّ البواعث قد وصل إليها العلماء واحدًا تلو الآخر بعد كثيرٍ من التجارب الدّقيقة.[٧]

وممّا أعان على تقدّم نظريّة الباعث هو مفهوم الاتّزان الذي جاء به عالم الفيزيولوجيا وولتِر ب كانون سنة 1932م، ومفهوم الاتّزان له شروحات مُطوّلة في كتب علم النّفس يُنظر فيها، ومن هنا يجد الباحث أنّ أصحاب النظريّات يختلفون في نظرتهم إلى مفهوم الدّافعيّة، ولكنّهم يتّفقون حول جوهرها وهو أنّ الدّافع شعور داخليّ يثير سلوك الإنسان ويوجّهه و"يُحقّق فيه التّكامل"، ويُضيفُ بعض علماء النّفس أنّ الدّافعيّة تتضمّن كذلك رغبة شعوريّة في شيء ما، وهو ما يُسمّى الرّغبة أو المطلب.[٧]


أنواع الدوافع

ما هي الأنواع التي تتمخض عن أصل الدافعية؟

بعد الوقوف مع مفهوم الدّافعيّة عمومًا ومفهومها فيعلم النّفس خصّيصًا فإنّ الفقرة هذه ستقف على أنواع الدّوافع من خلال ذكرها وذكر أبرز فروعها، والدوافع كما قال كثير من العلماء -بعد إجراء بحوث نفسيّة- تنقسم قسمين: دوافع فطريّة ودوافع مكتسبة، وتفصيل هذا القول فيما يأتي:[٨]


الدّوافع الفطرية

ما هي أبرز الدوافع الفطريّة؟

فالقصد من قول العلماء عن هذا النّوع من الدوافع إنّه فطريّ يعني أنّه ليس مكتسبًا وإنّما ينتقل للإنسان عن طريق الوراثة، وهذه الدوافع يشترك فيها البشر والحيوانات على حدّ سواء، ومنها الدوافع البيولوجيّة والدّافع الجنسي ودافع الأمومة ودافع الهرب ودافع الاستطلاع وغير ذلك، ويقف هذا العنوان فيما يأتي مع أبرز الدوافع الفطريّة، وهي:[٨]

  • الدوافع البيولوجيّة: والمقصود بهذه الدوافع هو ما يهدف إلى المحافظة على بقاء الفرد كدافع الجوع والعطش والنوم وغير ذلك من الدوافع التي تضمن بقاء الأفراد على قيد الحياة.
  • الدافع الجنسي: وهذا الدافع يهدف إلى بقاء النوع، وهو مشترك بين الإنسان والحيوان، إلّا أنّ الحيوان قد يتأثّر إن أُزيلت بعض الأعضاء الجنسيّة كإزالة المبيض عند إناث الحيوانات، ولكن الإنسان إذا بلغ سن الحلم فإنّه -وإن أُزيلت بعض الأعضاء الجنسيّة- لا تتأثّر ميوله الجنسيّة، ولكن إن أُزيلت قبل البلوغ فإنّ بعض العلماء قالوا إنّه لا تظهر عليه الميول الجنسيّة.
  • دافع الأمومة: ويهدف هذا الدافع إلى العناية بالصغار والاهتمام بهم، وقد لاحظ بعض العلماء أنّ سبب هذا الدافع عند الحيوانات هو هرمون البرولاكتين، أمّا عند البشر فإنّه لا يخضع لسبب معيّن وإنّما يخضع -بالإضافة للهرمونات- لأسباب اجتماعيّة ونفسيّة.


الدوافع المكتسبة

ما هي أبرز الدوافع المكتسبة؟

وهذه الدّوافع تنشأ نتيجة تفاعل الفرد مع البيئة المحيطة به وكذلك بين العوامل الاجتماعيّة المختلفة التي يعيش فيها، وأيضًا ممّا يؤثّر في هذه الدّوافع على نحو كبير هو عمليّة التّنشئة التي يمرّ بها الفرد،[٩]ومن الأمثلة على تلك الدّوافع ما يأتي:[٨]

  • الدوافع الاجتماعيّة العامّة: كدافع المحاكاة.
  • الدوافع الاجتماعيّة الحضاريّة: وهي كثيرة جدًّا، ومن أمثلتها دافع السيطرة ودافع التملّك والادّخار ودافع العدوان والطّموح والاتجاهات والعواطف والميول والعادة وغير ذلك.


أهمية الدافعية

ما هو الدور الهام الذي تقوم به الدافعية؟

ختامًا تقف هذه الفقرة مع أهميّة الدافعيّة بالنسبة للأفراد، والحقيقة أنّ الدّافعيّة -أو الدوافع- تختلف أهميّتها باختلاف المجال أو العمل الذي يناقش العلماء فيه أهميّة الدافعيّة، فالمشتغلون في المجال التعليمي يذكرون أهميّة للدّافعيّة تختلف عن تلك التي يذكرها -مثلًا- المشتغلون في مجالات أخرى، فيذكر الباحثون في المجال التعليمي أنّ للدّافعيّة أهميّة كبيرة من خلال نقاط كثيرة منها أنّ الدّافعيّة تجعل التلاميذ يقبلون على التّعلّم، وكذلك تقلّل من مشاعر التلاميذ المتعلّقة بمللهم من التعليم والتي تؤدّي بهم أحيانًا إلى الإحباط، وكذلك تزيد من قدرتهم على تحمّل مصاعب الحياة وإلى غير ذلك،[١٠] غير أنّ بعض الباحثين قد ذكروا أهميّة للدافعيّة على نحوٍ عام، ومن تلك الأهميّة التي ذكروها:[١١]

  • إنّ الدّافعيّة تجعل الإنسان يزداد معرفةً بنفسه وبغيره من الناس، وبذلك تدفعه لكي يتصرّف بما تقتضيه المواقف والظروف المختلفة.
  • إنّ الدّافعيّة تجعل الفرد يستطيع تفسير تصرّفات الآخرين على نحو أكبر وأكثر دقّة.
  • إنّ الدّافعيّة تساعد الفرد على التنبّؤ بسلوك الإنسان في حال عُرِفَت دوافعه، وعندها يمكن توجيه سلوكه على نحو يتحقّق فيه صالحه وصالح المجتمع.

المراجع[+]

  1. "مفهوم الدافعية"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-11. بتصرّف.
  2. "المحاضرة السادسة الدافعية"، fac.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-11. بتصرّف.
  3. ^ أ ب إدوارد ج. موراي (1988)، الدافعية والانفعال (الطبعة 1)، القاهرة:دار الشروق، صفحة 18. بتصرّف.
  4. ^ أ ب إدوارد ج. موراي (1988)، الدافعية والانفعال (الطبعة 1)، مصر:دار الشروق، صفحة 19. بتصرّف.
  5. إدوارد ج. موراي (1988)، الدافعية والانفعال (الطبعة 1)، القاهرة:دار الشروق، صفحة 20. بتصرّف.
  6. ^ أ ب إدوارد ج. موراي (1988)، الدافعية والانفعال (الطبعة 1)، القاهرة:دار الشروق، صفحة 22. بتصرّف.
  7. ^ أ ب إدوارد ج. موراي (1988)، الدافعية والانفعال (الطبعة 1)، القاهرة:دار الشروق، صفحة 26. بتصرّف.
  8. ^ أ ب ت "دافع"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-11. بتصرّف.
  9. موسى المطارنة، الدافعية وأثرها بالتحصيل، عمان - الأردن:منشورات الكلية العلمية الإسلامية، صفحة 7. بتصرّف.
  10. "أهمية الدافعية في التعلم"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-08-11. بتصرّف.
  11. نزار الطالب، كامل لويس (2000)، علم النفس الرياضي (الطبعة 2)، الموصل:دار الكتاب للطباعة والنشر، صفحة 115. بتصرّف.