مفهوم الإنسانية في الإسلام

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٤٤ ، ٦ نوفمبر ٢٠١٩
مفهوم الإنسانية في الإسلام

الإنسانية

إنّ الإنسانية من المصطلحات التي شاعت مؤخرًا وتردّد صداها على الألسُن وفي محطات الإعلام وصفحات الجرائد، وهي كلمة حديثة في اللغة العربية فلا يوجد في معاجم اللغة القديمة تعريف لكلمة الإنسانية، وهي مصدر صناعي من كلمة إنسان وتُعد من المصطلحات الجامعة لكل المعاني والمشاعر والعواطف السامية والنبيلة التي تكرس الرحمة في قلوب البشر تجاه بعضهم البعض وتحثُّ الإنسان أيًّا كان لونه ودينه وجنسه على الشعور والتعاطف مع أخيه الإنسان في أي بقعة من بقاع الأرض، وكأي مصطلح حديث جاء من الغرب ونتيجة الاحتكاك بالثقافات الأخرى لا بدّ من معرفة موقف الإسلام منه ولذلك فإن موضوع هذا المقال هو مفهوم الإنسانية في الإسلام.[١]

مفهوم الإنسانية في الإسلام

إنّ الإنسانية بشكل عام تعني العطف على جميع الناس والتعامل معهم بالإحسان وكل إنسان لديه أدنى اطلاع على الدين الإسلامي وأحكامه وتعاليمه يُدرك تمام الإدراك أن تحقيق الإنسانية والإخاء بين البشر هو هدف أساسي من أهداف الإسلام، فالزكاة مثلًا تهدف بشكل أساسي إلى التقليل من نسبة الفقر والحاجة بأن يُعطي الغني جُزءً من ماله إلى الفقراء، والحج شعيرة إسلامية يظهر فيها بوضوح أن الناس سواسية ليس بينهم فروقات فالجميع في صعيدٍ واحد والجميع يلبس اللباس ذاته والمساواة من أعظم مظاهر الإنسانية ومبادئها.[٢]

إن مفهوم الإنسانية في الإسلام مرتبط بالعديد من المبادئ والتعاليم الإسلامية مثل صلة الرحم والتأكيد على ضرورة إلقاء التحية وتعزيز الجانب النفسي بين البشر من خلال الحث على الابتسامة وبشاشة الوجه، كما رغّب الإسلام بالكثير من الأفعال التي تزيد من أواصر المحبة والرحمة بين البشر ويتجلّى من خلالها مفهوم الإنسانية في الإسلام بأبهى صوره، ومن هذه الأفعال مساعدة الضعفاء وكبار السن والبذل والعطاء للمحتاجين أيًّا كان دينهم ومذهبهم.[٣]

جزاء الإنسانية

الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله -عزّ وجلّ- لعباده جميعًا ووضع فيه جميع ما يصلح أمر الإنسان في دنياه وآخرته، ولذلك فإنّ الحث على فعل الخير والمساعدة والشعور بالآخرين يأتي في مقابل الجزاء الأخروي العادل؛ فمفهوم الإنسانية في الإسلام مقيّد بكون هذه التصرفات الإنسانية لابتغاء رضا الله والفوز بالجنة، أما كون الإنسان مُتحليًا بالصفات الإنسانية مثل الرحمة والعطف وهو غير مسلم أو أنه لا يقصد بفعله وجه الله وليس لديه نية في نوال الأجر في الآخرة على هذا الفعل فإنه سينال جزاءه الحسن على أفعاله في الدنيا فقط.[٤]

والدليل على هذا الكلام الحديث الوارد في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، فَهلْ ذاكَ نافِعُهُ؟ قالَ: لا يَنْفَعُهُ، إنَّه لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَومَ الدِّينِ"،[٥] يظهر من هذا الحديث أنّ فعل الخير والعمل الصالح لا يؤتي ثماره المرجوة في الدار الآخرة إلا إذا صاحبه الإيمان بالله -عزّ وجلّ- وهذا ما أكدتّه الكثير من الآيات القرآنية ومنها قوله تعالى في سورة الفرقان {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}،[٦] كما يجب التنويه إلى أن جميع القوانين والأحكام الوضعية التي تصب في دائرة الإنسانية وحقوق الإنسان ذات المرجعية البشرية ستكون ناقصة وتحوي على ثغرات ولن تكتسب الكمال والصحة التامة إلا بالتطبيق العملي لمفهوم الإنسانية في الإسلام لأنّ الإسلام أعظم وأشمل من الإنسانية المجرّدة ولأنه دين الله خالق البشر أجمعين والعليم بما يصلحهم حالهم في الدنيا والآخرة.[٤]

مظاهر الإنسانية في الإسلام

لمفهوم الإنسانية في الإسلام العديد من المظاهر والمبادئ والثمرات مثل الحرية والإخاء والتكافل الاجتماعي، ومن هذه المظاهر أيضًا كون الإسلام هو دين العدل المطلق بين جميع البشر بدون تفضيل أو تمييز لفرد على آخر، فليس هناك أفضلية للون أو الشكل أو الجنس وإنما الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، ولا يوجد أي نظام أو دين حقق مبدأ المساواة بين البشر مثل ما حققه الإسلام حيث تجاهل جميع الاختلافات والفروق بين الخلق وجعل ميزان التفاضل الوحيد هو التقوى، كما تمّ تطبيق وترجمة هذا المبدأ بقصص وشواهد تاريخية وأحكام نصّت عليها مصادر الشرعية الإسلامية فالحدود مطبقة على الجميع والفرائض واجبة على الجميع دون تمييز أو تفرقة، وكلما كان الإنسان ملتزمًا بهذا المبدأ سما وارتفع في الجانب الإنساني وابتعد عن محاولة ظلم الغير وهضم حقوقهم لمجرد امتلاكه أي نوع من أنواع القوّة المادية أو المعنوية.[٢]

نماذج من إنسانية رسول الله

يمكن التعبير عن مفهوم الإنسانية في الإسلام بالرحمة وفعل الخير وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعظم مثال للرحمة مع جميع البشر مع المسلم والكافر والرجل والمرأة والصغير والكبير، كما كان حريصًا على تعليم الناس الخير والتحذير من الظلم وعاقبته، وفيما يأتي بعض النماذج والصور التي تعبر عن إنسانية رسول الله:[٧]

الإنسانية في التعامل مع غير المسلمين

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا مَن ظلَمَ مُعَاهَدًا، أو انْتَقَصَهُ حَقَّهُ، أو كَلَّفَهُ فَوقَ طاقَتِه، أو أخَذَ مِنهُ شيئًا بِغيرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنهُ، فأنَا حَجِيجُهُ يَومَ القِيامةِ"،[٨] يظهر من هذا الحديث عِظَم شأن الإنسان أيًّا كان دينه عند الله ورسوله فالمعاهد هو الشخص الذي بينه وبين المسلمين عهد وقد يكون المعاهد من أهل الكتاب أو من غيرهم من الكفار والمشركين، ففي هذا الحديث بيان لحقوق أهل الذمة وتحريم لوقوع الظلم على أي أحد حيث جعل رسول الله نفسه خصيمًا للظالم يوم القيامة.[٩]

الإنسانية في التعامل مع المسلمين

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "تَبَسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ لك صدقةٌ، وأمرُكَ بالمعروفِ ونَهْيُكَ عن المنكرِ صدقةٌ، وإرشادُك الرجلَ في أرضِ الضلالِ لك صدقةٌ، وبَصَرُكَ للرجلِ الرِّدِيءِ البصرِ لك صدقةٌ، وإماطتُكَ الحَجَرَ والشَّوْكَ والعَظْمَ عن الطريقِ لك صدقةٌ، وإفراغُكَ من دَلْوِكَ في دَلْوِ أخيك لك صدقةٌ"،[١٠] يدور هذا الحديث حول أعمال ليست بحاجة إلى كبير جهد كالابتسامة وإرشاد من ضلّ طريقه ولكن لها تأثير قوي في زيادة الأخوة الإيمانية بين المسلمين وبالتالي تقوية الأواصر والروابط الإنسانية بين الناس.[٣]

المراجع[+]

  1. "الإنسانية في الأدب الإسلامي"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-11-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "إنسانية الإسلام"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 03-11-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "رحمة النبي بأمته"، www.ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 06-11-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "الإسلام أعظم من الإنسانية"، www.ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 03-11-2019. بتصرّف.
  5. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 214، صحيح.
  6. سورة الفرقان، آية: 23.
  7. "رحمة النبي بغير المسلمين "، www.ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 06-11-2019. بتصرّف.
  8. رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن آباء عدة من أبناء أصحاب النبي، الصفحة أو الرقم: 2655، صحيح.
  9. "شروح الأحاديث"، www.dorar.net، اطّلع عليه بتاريخ 04-11-2019. بتصرّف.
  10. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن أبو ذر الغفاري، الصفحة أو الرقم: 1956، حسن غريب.