معنى آية: وأبصر فسوف يبصرون، بالشرح التفصيلي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٢٨ ، ٢٧ يوليو ٢٠٢٠
معنى آية: وأبصر فسوف يبصرون، بالشرح التفصيلي

سورة الصافات

إنّ سورة الصّافّات تُعدُّ واحدة من السور المكيّة في القرآن الكريم، وقد أُطلق عليها اسم "الصافات" لأنّها افتُتِحَت بقوله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا}،[١] وهي آية في وصف الملائكة عليهم السلام، وقد ورد لفظ "صافات" في سورة أخرى هي سورة الملك، ولكنّ هذا اللفظ كان المقصود به صفة الطّير، وهذا غير المُراد في سورة الصافات، وأيضًا فإنّ سورة الملك قد نزلت بعد الصافات، واسم السورة "الصافات" لم يثبُت عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في الأحاديث الشريفة، وترتيبها من حيث النزول السادسة والخمسون نزلت بعد سورة الأنعام وقبل سورة لقمان، وأمّا عدد آياتها فإنّه يبلغ 182 عند الجمهور، وعند أهل البصرة 181 آية،[٢] وترتيبها في المصحف السابعة والثلاثون تقع بين سورتي يس وص، وسورة الصافات هي من السور المثاني في القرآن الكريم، والصافات هي جموع الملائكة التي تعبد الله في صفوف، وفي هذه السورة آية يقول فيها تعالى: {وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}[٣] سوف يقف هذا المقال معها بشيء من التفصيل.[٤]

معنى آية: وأبصر فسوف يبصرون، بالشرح التفصيلي

تقف هذه الفقرة مع تفسير قوله تعالى في سورة الصافات: {وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}،[٥] وهذه الآية هي تأكيد لما ورد قبلها في قوله تعالى: {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}،[٦] وبذلك تكون مرتبطة بما بما قبلها من الآيات،[٧] ويمكن القول إنّ هذه الآية ترتبط بما قبلها ابتداء من قوله تعالى: {وَإِن كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}،[٨] وهذه الآيات تذكر أنّ أهل مكّة كانوا يتمنّون لو أنّه يأتيهم مثل ما أوتي أهل الكتاب من التوراة والإنجيل، فلمّا جاءهم ما تمنَّوا كفروا به، ومن ذلك قوله تعالى في سورة فاطر: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا}،[٩] وكذلك قوله تعالى في سورة الأنعام: {أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ}،[١٠] والله أعلم.[١١]

فيقول الله تعالى: {فَكَفَرُوا بِهِ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}،[١٢] فتحمل الآية في طيّاتها معنى التهديد والوعيد، ثمّ يقول تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}؛[١٣] أي: إنّه قد سبق القول في ذلك والقضاء والحكم في الكتب الأولى وفي أمّ الكتاب أنّ الغلبة والنصر للمرسلين وأتباعهم في الدنيا والآخرة، ومن ذلك قوله تعالى في سورة المجادلة: {كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}،[١٤] وفي سورة غافر كذلك يقول تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}،[١٥] ويروي الإمام القرطبي أنّه لذلك لم يُقتل أحدٌ من أصحاب الشرائع من الرسل،[١٦] ثمّ يقول تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ}؛[١٧] أي: أعرِض عنهم واصبر على أذاهم حتى حين، واختلفوا في الحين المقصود، فقالوا هو غزوة بدر، وقال بعضهم هو يوم القيامة، وقال بعضهم هو الموت، والأكثر على أنّه يوم بدر، وقال بعض السلف إنّ هذه الآية نسختها آية السيف، والله أعلم.[١٨]

ثمّ يقول تعالى مخاطبًا رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام: {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}،[١٩] يعني أنظِرهم وارتقب ما سيفعل الله -تعالى- بهم قريبًا، وقيل أبصر ما سيحل بهم من العذاب يوم القيامة،[٢٠] ويقول تعالى بعدها: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ}،[٢١] يعني هم بكفرهم وتكذيبهم يستعجلون العذاب، ويقول الإمام ابن جرير الطبري إنّ هذه الآيةّ ردًّا على قولهم: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}،[٢٢] فيقول لهم تعالى لا تستعجلوا هذا العذاب فإنّه واقع بكم لا محالة،[٢٣] ثمّ يؤكّد -تعالى- أنّ العذاب إذا وقع فسيسوء الكافرين، يقول تعالى: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ}،[٢٤] والعذاب قد يكون من الله -تعالى- مباشرة كالذي كان ينزل على الأقوام السابقة، وقد يكون بأيدي المؤمنين، فمن ذلك الحديث الذي يرويه أنس -رضي الله عنه- أنّ أهل خيبر لمّا أصبحوا ورأوا أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قد صبّحهم قالوا: مُحَمَّدٌ واللهِ، مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ"،[٢٥] فإنّ العذاب إذا نزل بديارهم فإنّه سيتركها خرابًا ودمارًا.[٢٦]

ثمّ يقول تعالى: {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}،[٢٧] وهذا الكلام تأكيدٌ لما سبق من التهديد والأمر بالإعراض عنهم حتى يأتي أمر الله -تعالى- لنبيّه عليه الصلاة والسلام، وهو تكرير لأمر الإعراض عنهم وتكرير للوعيد لهم بأنّهم سوف يبصرون العذاب بأنفسهم، والله أعلم.[٢٨]

معاني المفردات في آية: وأبصر فسوف يبصرون

بعد الوقوف مع تفسير الآية القرآنيّة التي يقول فيها -تعالى- في سورة الصافات: {وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}،[٢٩] وبعد الوقوف على تفصيل الآيات التي ترتبط بها ممّا سبقها في السورة فإنّ هذه الفقرة تقف مع بيان معاني المفردات في الآية السابقة من أجل زيادة الإيضاح وتفصيل معناها بشيء من الإسهاب، وذلك فيما يأتي:

أبصر: أبصر هو فعل أمر ماضيه بصُرَ، مشتقٌّ من البصر الذي هو الحاسة الخاصة بالعين، فيقولون: بَصُرَ به الرّجل أو بَصِرَ به بَصَرًا وبَصارَةً وبِصارَةً إذا صار الرجل مبصرًا، والله أعلم.[٣٠]

إعراب آية: وأبصر فسوف يبصرون

قبل الختام، وبعد الوقوف مع نبذة عن سورة الصافات ثمّ تفسير الآية الكريمة التي يقول فيها تعالى: {وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}[٣١] وتفسير الآيات المرتبطة بها تفسيرًا شافيًا ووافيًا فإنّ هذه الفقرة ما قبل الأخيرة ستقف مع إعراب الآية آنفة الذّكر؛ للوقوف على تفاصيل إعرابها والمسائل التي قد تعترض المعرب لآيات القرآن الكريم من حيث المفردات والجمل، وذلك فيما يأي:

وأبصِرْ: الواو حرف عطف، وأبصِر فعل أمر مبني على السكون الظاهر على آخره، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت.[٣٢]

فسوف: الفاء رابطة لجواب الطلب، وسوف حرف استقبال.[٣٣]

يُبصِرون: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.[٣٣]

جملة {أَبْصِرْ}: معطوفة على ما قبلها فهي مثلها لا محل لها من الإعراب.[٣٢]

جملة {سَوْفَ يُبْصِرُونَ}: جملة فعليّة لا محلّ لها من الإعراب لأنّها جاءت تعليل للأمر السابق لها، والله أعلم.[٣٤]

الثمرات المستفادة من آية: وأبصر فسوف يبصرون

ختامًا تقف الفقرة الأخيرة من هذا المقال مع الثمرات التي يمكن إفادتها من قوله تعالى في سورة الصافات: {وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}،[٣٥] ومن الآيات السابقة لها المرتبطة بها، ويمكن القول إنّ الثمرات التي يمكن الوقوف عليها في هذه الآية وما سبقها هو:

  • إثبات وحدانيّة الله -تعالى- وتنزيهه عن النّقص الذي يدّعيه المشركون، بل له الكمال المطلق الذي لا يتأتّى لمخلوق مهما كان، فسبحانه وتعالى عمّا يشركون.[٣٦]
  • إثبات كذب المشركين والكافرين وإقامة الحجّة عليهم من ألسنتهم، كما تقول العرب: من فمك أدينك، فهم كانوا يزعمون أن لو جاءهم ما جاء الأمم السابقة من أنبياء وكتب فإنّهم سيكونون خيرًا منهم، وسيتفوّقون عليهم ويكونون أقرب منهم إلى ربّهم، فلمّا جاءهم ما تمنَّوا كفروا به وحاربوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاستحقّوا بذلك العذاب الأليم الذي حاق بهم في الدنيا والذي سينالونه يوم القيامة.[١١]
  • نزول عذاب الله -تعالى- على المشركين قد يكون غضبًا يحيق بهم كما عُذّبت الأقوام السابقة بعد تكذيبهم أنبيائهم ومحاربتهم وقتلهم بعض الأنبياء أحيانًا، وقد يكون بأيدي المؤمنين كما في حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لمّا وصل خيبر ليلًا انتظر حتى الصباح فعندما رأوه فزِعوا، فعندها قال صلّى الله عليه وسلّم: "اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ"،[٣٧] وفي ذلك اقتباس من قوله تعالى في سورة الصافات: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ}،[٣٨] فكأنّه -صلّى الله عليه وسلّم- رمى من وراء ذلك أنّه يخبر ببئس صباح الكافرين الذين أنذروا بالعذاب.[٢٦]
  • إثبات النصر للمؤمنين على الكافرين، وأنّه -تعالى- قد كتب النصر للذين آمنوا به ونصروا دينه، وأمّا الذين يقفون في وجه دين الله الذي ارتضاه لعباده فإنّهم مغلوبون لا محالة، وليس لهم ناصر ينصرهم من دون الله، والله أعلم.[٣٩]

المراجع[+]

  1. سورة الصافات، آية:1
  2. "التحرير والتنوير - سورة الصافات"، islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  3. سورة الصافات، آية:179
  4. "سورة الصافات"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  5. سورة الصافات، آية:179
  6. سورة الصافات، آية:175
  7. "تفاسير الآية 179 من سورة الصافات"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  8. سورة الصافات، آية:167-170
  9. سورة فاطر، آية:42
  10. سورة الأنعام، آية:156-157
  11. ^ أ ب "تفاسير الآية 167 من سورة الصافات"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  12. سورة الصافات، آية:170
  13. سورة الصافات، آية:171-173
  14. سورة المجادلة، آية:21
  15. سورة غافر، آية:51
  16. "تفاسير الآية 171 من سورة الصافات"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  17. سورة الصافات، آية:174
  18. "تفاسير الآية 174 من سورة الصافات"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  19. سورة الصافات، آية:175
  20. "تفاسير الآية 175 من سورة الصافات"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  21. سورة الصافات، آية:176
  22. سورة الملك، آية:25
  23. "تفاسير الآية 176 من سورة الصافات"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  24. سورة الصافات، آية:177
  25. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:2945، حديث صحيح.
  26. ^ أ ب "تفاسير الآية 177 من سورة الصافات"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  27. سورة الصافات، آية:178-179
  28. "تفاسير الآية 178 من سورة الصافات"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  29. سورة الصافات، آية:179
  30. "تعريف ومعنى بصر في قاموس القاموس المحيط"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  31. سورة الصافات، آية:179
  32. ^ أ ب محمد علي طه الدرة (2009)، تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه (الطبعة 1)، دمشق:دار ابن كثير، صفحة 100، جزء 8. بتصرّف.
  33. ^ أ ب "وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (الصافات - 175)"، www.quran7m.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  34. "الجدول في إعراب القرآن"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  35. سورة الصافات، آية:179
  36. "تفسير سورة الصافات للناشئين (الآيات 103 - 182)"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.
  37. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:2945، حديث صحيح.
  38. سورة الصافات، آية:176-177
  39. "كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-24. بتصرّف.