معنى آية: فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذَرين، بالشرح التفصيلي

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٥١ ، ١ أغسطس ٢٠٢٠
معنى آية: فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذَرين، بالشرح التفصيلي

سورة الصافات

سورة الصافات هي سورة مكية ما عدا الآيات من 23 إلى 27 فمدنية، وهي السورة السابعة والثلاثين في ترتيت المصحف، وتقع في الجزء الثالث والعشرين،[١] وقد ذكر ابن عاشور اختلاف عدد آياتها بين أهل العدد حيث إنّ أكثرهم قال أنّها 182 آية في حين عدّها البصريون 181 آية، وهي السورة السادسة والخمسين في ترتيب النزول وقد نزلت بعد سورة الأنعام وقبل سورة لقمان، وسُميّت بسورة الصافات لورود لفظ الصافات فيها، وهو وصف للملائكة الكرام، كما ورد هذا اللفظ في سورة المُلك ولكنّه كان وصفًا للطير وليس للملائكة، واسم الصافات هو اسمها المشهور في كتب التفسير والحديث النبوي وفي جميع المصاحف، وقد ذكر بعض العلماء أنّها تُسمّى بسورة الذبيح، لورود قصة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل فيها، ولكنّ هذا ليس عليه دليل، كما تضمنّت جانبًا من قصص بعض الأنبياء كالنبي نوح ولوط ويونس، وتوعّدت مكذبي الرسل بالعذاب، وسيبيّن هذا المقال معنى آية: فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذَرين، بالشرح التفصيلي.[٢]

معنى آية: فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذَرين، بالشرح التفصيلي

إنّ استعجال الكفّار للعذاب وسؤالهم وقوعه سمة من سماتهم ولازم من لوازم تكذيبهم، فهم يُكذبّون الرسل بجميع الطرق والأساليب وأحد أساليبهم سؤال الرسل وقوع العذاب عليهم حتّى يُصدّقوهم ويؤمنوا برسالتهم، ولكن هيهات أن ينفع الإيمان بعد وقوع العذاب فالله تعالى يُعطي الخلق وقتًا طويلًا للإيمان والتصديق والاستجابة لدعوة الأنبياء، ولكنّ البعض يبقى مُصرّا ومعاندًا حتى ينزل به غضب الله ويفوته الأوان، ومن الآيات التي تحدّثت في هذا الشأن، قول الله تعالى في سورة الصافات: {فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ}،[٣] فالله تعالى يُخبر رسوله أنّ هؤلاء يستعجلونه بنزول العذاب، ولكنّه عندما يقع عليهم سيكون صباحهم سيئًا وبائسًا.[٤]

وفي تفسير ابن كثير أنّ معنى هذه الآية، إذا نزل العذاب بمحلّتهم ومكان إقامتهم فبئيس ذلك اليوم يومهم، لأنّ الله تعالى سيُهلكهم ويُدمّرهم، ونقل عن السٌدّي قوله أنّ المقصود بساحتهم أي: دارهم، فإذا نزل العذاب بساحتهم فبئس ما يُصبحون به وبئس الصباح صباحهم، وقد ورد في الصحيحين عن أنس بن مالك -رضي الله عنه قال: "أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ إذَا غَزَا بنَا قَوْمًا، لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بنَا حتَّى يُصْبِحَ ويَنْظُرَ، فإنْ سَمِعَ أذَانًا كَفَّ عنْهمْ، وإنْ لَمْ يَسْمَعْ أذَانًا أغَارَ عليهم، قالَ: فَخَرَجْنَا إلى خَيْبَرَ، فَانْتَهَيْنَا إليهِم لَيْلًا، فَلَمَّا أصْبَحَ ولَمْ يَسْمَعْ أذَانًا رَكِبَ، ورَكِبْتُ خَلْفَ أبِي طَلْحَةَ، وإنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: فَخَرَجُوا إلَيْنَا بمَكَاتِلِهِمْ ومَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالوا: مُحَمَّدٌ واللَّهِ، مُحَمَّدٌ والخَمِيسُ، قالَ: فَلَمَّا رَآهُمْ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنَا بسَاحَةِ قَوْمٍ"،[٥] وقد قال القرطبي أنّ هذا الحديث يفسّر الآية ويُبيّن المعنى بأنّ المراد بالذي سينزل في ساحتهم رسول الله الله صلّى الله عليه وسلّم.[٤]

كما قال القرطبي أنّ معنى "فإذت نزل بساحتهم"، أي: العذاب، ونقل عن الزجاج أنّ عذابهم هذا كان بقتلهم، ومعنى "بساحتهم"، أي: بدارهم، والساحة والسحسة هي فناء الدار الواسع، وقد قال الفرّاء أنّ قول معنى فإذا نزل بساحتهم ونزل بهم واحد، فإذا نزل هذا العذاب فبئس صباح الذين أُنذروا به، وفي هذه الآية إضمار، أي: فساء الصباح صباحهم، وقد تمّ تخصيص الصباح بالذكر لأنّ العذاب كان يأتي صباحًا،[٦] وقال الطبري أنّ معنى قوله "فإذا نزل بساحتهم"، أي: إذا نزل بهؤلاء المشركين المستعجلين بعذاب الله ما استعجلوه، فالعرب تقول: نزل بساحة فلان العذاب والعقوبة، إذا وقع عليه عذاب، والساحة هي فناء دار الرجل، "فساء صباح المنذرين"، أي: فبئس صباح القوم الذين أنذرهم رسول الله وقوع العذاب وخوّفوهم من ذلك ولكنّهم لم يُصدّقوه ولم يؤمنوا بذلك.[٤]

وفي تفسير السعدي أنّ معنى "فإذا نزل بساحتهم"، أي: نزل عليهم وقريبًا منهم، وقوله "فساء صباح المنذرين"، أي: كان هذا الصباح سيئًا لأنّه صباح الشر والعقوبة والاستئصال، وفي الوسيط للطنطاوي أنّ الله تعالى يُبيّن في هذه الآية حال الذين نزل بهم العذاب الذي استعجلوه وطلبوا وقوعه، والمراد بالساحة في هذا الموضع القوم أنفسهم الذين يكونون فيها، فإذا نزل العذاب بهؤلاء فبئس الصباح صباحهم، ولن ينفعهم وقتئذ ندمٌ ولا توبة، وذكر الصباح كان لأنّ العذاب غالبًا ما يقع في أول النهار،[٤] وفي نظم الدرر للبقاعي أنّ في هذا الآية بيان إلى أنّه لا بشرى للكفّار عند حلول العذاب ولا قرار لهم عند نزوله، وقد جاء التصريح بقوله" فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين".[٧]

كما أنّ كلمة "فإذا" تدلّ على تهديد الله لهم، وإنكاره عليهم لأنّه إذا نزل العذاب بساحتهم، أي غلب عليها، لأنّ ذلك شأن النازل بالشيء من غير إذن صاحبه، ولا يغلب عليها إلّا وقد غلب على أهلها وبرك عليهم بروكًا لا يستطيعون معه الخروج إلى تلك الساحة، وهي الفناء الخالي من الأبنية، وكأنّ الحديث موجّه إلى القوم وأماكن راحتهم واستقرارهم في أيّ وقت من نهارٍ أو ليل، وذكر الصباح هو على سبيل التمثيل لأنّ عادتهم كانت الإغارة صباحهم، والمقصود بالمنذرين الذين هم أهل للتخويف من هؤلاء وغيرهم، وكون صباح هؤلاء سيئًا ينطبق على الذين قتلهم النبي -صلّى الله عليه وسلّم- يوم الفتح.[٧]

معاني المفردات في آية: فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذَرين

قد يستخدم القرآن الكريم بعض المصطلحات والألفاظ التي يُراد بها معنى ظاهر وواضح ومتبادر إلى الذهن ككلمة صباح وساحة في آية: فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذَرين، ولكنّ دلالات الكلمات القرآنية تختلف من سياق إلى آخر وتبعًا لاختلاف القصّة والموضوع، وفيما يأتي بيان لمعاني المفردات في الآية التي سبق ذكرها:

  • نزل: وقع، وهبط من علوٍ إلى أسفل.[٨]
  • ساحتهم: الساحة هي المكان الواسع والفضاء بين الأبينية والدور، وساحة الحرب هي ميدان القتال والمعركة.[٩]
  • ساء: فعل من السوء وهو كل ما يغمُّ الإنسان.[١٠]
  • صباح: الصباح هو أول النهار.[١١]
  • المنذرين: اسم مفعول من الإنذار وهو الإخبار المتضمّن للتخويف.[١٢]

إعراب آية: فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذَرين

إنّ الإعراب غالبًا ما يكون متفقًا عليه بين علماء اللغة ونادرًا ما يحصل الاختلاف في إعراب مفردة أو حرف أو جملة في القرآن الكريم، وعندما يحدث هذا يكون مرّده إلى وجهة نظر كل عالم من العلماء وطريقته في فهم الآية والخطاب القرآني، وقد تمّ تفسير آية: فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذَرين، وفيما يأتي إعرابها:

  • فإذا: الفاء حرف عطف، إذا: ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط.[١٣]
  • نزل: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره "هو".[١٣]
  • بساحتهم: الباء: حرف جر، ساحة: اسم مجرور وعلامة جرّه الكسرة الظاهرة على آخره، هم: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل "نزل".[١٣]
  • فساء: الفاء رابطة لجواب "إذا"، ساء: فعل ماض جامد لإنشاء الذم.[١٣]
  • صباح: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره "صباحهم"، وقيل إنّ ضمير ساء يعود على المخصوص وإنّ التمييز محذوف وإنّ المذكور مخصوص لا فاعل.[١٣]
  • المنذرين: مضاف إليه مجرور وعلامة جرّه الياء لأنّه جمع مذّكر سالم.[٤]
  • جملة "نزل": جملة فعلية في محل جر بالإضافة.[١٤]
  • جملة "ساء صباح": جملة جواب الشرط غير الجازم لا محلّ لها من الإعراب.[٧]

الثمرات المستفادة من آية: فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذَرين

آيات القرآن الكريم ترسم مناهج للإنسانية وتُقوّم سلوك العباد وتذكر عواقب الأمور، فكل عمل يُرضي الله ورسوله ستكون عاقبته محمودة والعكس صحيح، وقد تمّ التطرّق إلى معنى آية: فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذَرين، وبيان أقوال أهل التفسير في ذلك، بالإضافة إلى توضيح معاني مفرداتها وإعراب ألفاظها وجملها، وفيما يأتي ذكر لبعض الثمرات المستفادة من هذه الآية الكريمة:

  • إنّ نزول العذاب والعقاب بالمكذبيّن المعاندين هو سنّة من سنن الله تعالى في خلقه في كلّ زمانٍ ومكان، فلا يجب أن يعتقد أحد أنّ تأخير العقوبة يعني عدم إتيانها وإنّما هي الحكمة الإلهية والتقدير الربّاني.[١٥]
  • إنّ نزول عذاب الله وغضبه على الخلق لا ينفع مع طلب النجدة من أيّ أحد، فأعداء الله من الجن والإنس يحثّون أصحابهم على الكفر والتكذيب فإذا نزل العذاب خذلوهم وتولّوا عنهم.[١٥]
  • إنّ تأخير العذاب ونزول العقوبة بأهل الكفر والعصيان هو من رحمة الله بهم ورأفته، فالوقت الذي يمهلهم الله به هو فرصة لهم للتوبة والرجوع عن الذنب.[١٦]

المراجع[+]

  1. "سورة الصافات"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  2. "سورة الصافات"، islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  3. سورة الصافات، آية:177
  4. ^ أ ب ت ث ج "(الصافات - 177)"، www.quran7m.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  5. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:610، حديث صحيح.
  6. "تفسير القرطبي"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت "كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  8. "تعريف و معنى نزل في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  9. "تعريف و معنى ساحة في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  10. "تعريف و معنى ساء في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  11. "تعريف و معنى صباح في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  12. "تحليل الْمُنذَرِينَ من سورة الصافات آية 177"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  13. ^ أ ب ت ث ج "كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  14. "كتاب: الجدول في إعراب القرآن"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  15. ^ أ ب "فساء صباح المنذرين "، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.
  16. "قوله تعالى أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين"، islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-25. بتصرّف.