مظاهر الحضارة في العصر العباسي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٤٦ ، ١٢ سبتمبر ٢٠١٩
مظاهر الحضارة في العصر العباسي

الدولة العباسية

العام 749 للميلاد تقوم الدولة العباسية، وذلك بعد إسقاطها للدولة الأموية، وكان ذلك نتيجة الدعوة العباسية السرية، والتي تزعمها محمد بن علي على مدار ما يزيد على الثلاثين عامًا، ليكون الخليفة العباسي أبي العباس والذي اشتهر بلقب السفاح، أول خليفةً يحكم الدولة العباسية، والتي حكمت المشرق الإسلامي مدةً جاوزت الخمسة قرونٍ، ويقتبس هنا ما يرويه ابن طباطبا عنها، إذ يقول: "الدولة العباسية كثيرة المحاسن، جمة المكارم، أسواق العلوم فيها قائمة، وبضائع الآداب فيها نافقة، وشعائر الدين فيها معظمة، والدنيا عامرة ..." وما بعد قوله قولًا في ذكر هذه الدولة الإسلامية عظيمة التاريخ والأثر، وإن هذا لما يحمل المقال على استعراض مظاهر الحضارة في العصر العباسي، إضافة إلى عوامل نهضتها وذكر سقوطها.[١]

عصور الدولة العباسية

عند دراسة مظاهر الحضارة في العصر العباسي، يجب معرفة أن العلماء والمؤرّخين أتوا على الدولة العباسية فجعلوها في عصورٍ مختلفة، ويذهب المقال هذا مع الرأي القائل بعصرين للدولة العباسية، فعصرٌ عباسيٌ أول، وعصرٌ عباسيٌ ثانٍ، وذلك لما تتمايز به هذه الفترات -العصور- عن بعضها البعض، إن كان تمايزًا على أساسٍ سياسيٍّ أو اقتصاديٍّ أو حضاريّ، وفيما يأتي مرورٌ سريعٌ على العصور العباسية[١]:

  • العصر العباسي الأول: يبدأ العصر العباسي الأول في طبيعة الحال منذ بداية عهد الدولة العباسية وقيامها، في العام 749 م، ويمتد حتى العام 846 م، أي حوالي قرنًا كاملًا، كما ويعرف هذا العصر بالعصر الذهبي للدولة العباسية، فهذا العصر كان شاهدًا لبلوغ هذه الدولة أعلى مراتب الحضارة الإسلامية العباسية، فيلاحظ فيه تطورًا علميًا وعمرانيًا لافتًا، ولا ينس هنا الطابع الفكري والثقافي والأدبي، كما إن أهم ما يمكن ذكره هو أن هذا العصر تميز بوجود سلطةٍ حقيقيةٍ وتامةٍ للخلفاء العباسيين.
  • العصر العباسي الثاني: وهو على امتداد ما بقي من عمر الدولة العباسية، وهو حتمًا ليس باليسير، إذ يزيد على أربعة قرون، فجعل العلماء والمؤرخون هذه الفترة عصرًا عباسيًا ثانيًا، ويمتد بين الأعوام 846 م و 1258 م، وهذا العصر يحمل أحداثًا بارزةً، يمكن تلخيص أهمها بانهيار حكم الخليفة الفعلي، وهو ما انعكس على مظاهر الحضارة في العصر العباسي، حيث كانت الدولة تدار من وراء ححاب، فحكم فعليًا الفرس ثم تبعهم بذلك سلاجقة الأتراك، وهذا على مدة تقدر بقرنين كاملين، وذلك إلى جانب ما يعرف تاريخيًا بحكم الخدم، وينتهي هذا العصر بسقوط الدولة العباسية على يد المغول.

مظاهر الحضارة في العصر العباسي

إذا كانت الحضارة هي ضد البداوة، وهي نتيجة ما تبذله البشرية من جهودٍ لتعود عليها بالرقي والازدهار في شتى مناحي الحياة، فإن ذلك ما يمكن إسقاطه على مظاهر الحضارة في العصر العباسي، حيث شيدت البلاد والأمصار، والمثال ما أحدثه أبو جعفر المنصور من بناء مدينة بغداد، ثم أن جعلها دارًا للخلافة وعاصمةً للدولة العباسية بعد أن لعبت الكوفة هذا الدور في بدايات الدولة، وبغداد واحدةً من أكبر المدن الإسلامية، فكانت تشهد تجارةً مزدهرةً ونشطة، إلى جانب كونها مركزَ العلم والعلوم، وصرحًا ثقافيًا مهمًا، عمل على إبراز الأدب العربي بشقيه النثري والشعري، ولا تزال آثاره ماثلة، وبدأت فيها حركة الترجمة المنظمة بعد أن كانت فرديةً عشوائيةً في العصر الأموي، ومثالُ ذلك أن بنى الخليفة المعتصم مدينة سامراء وهي حاضرة كبيرةٌ وذات شأن عظيم.[٢]
إن ما سبق ذكره من مظاهر الحضارة في العصر العباسي، إنما يرجع في أغلبه إلى العصر العباسي الأول، وهو ما امتاز كما تقدم بسلطة الخليفة الحقيقية، ما عمل على ازدهار الحضارة بثباتٍ، رغم القلاقل والثورات التي عصفت بالدولة العباسية في عديد الأوقات، ثم كان لامتداد نفوذ الفرس وتعاظمه خاصةً في العصر العباسي الثاني، بالغ الأثر في تسرب بعض مظاهر الحضارة الفارسية ما انعكس ولو بشكلٍ يسيرٍ على مظاهر الحضارة في العصر العباسي.[٣]

عوامل النهضة الحضارية في العصر العباسي

لكل رقيٍّ سبب، ولكل ارتفاعٍ غاية، وهذا ما يرى المقال أن يأتي على ذكره في حديثه عن مظاهر الحضارة في العصر العباسي، حيث الحضارة العباسية جزءًا من الكل المتمثل بالحضارة الإسلامية، وهو على ذلك امتدادٌ لما سبقه من عصورٍ في هذه الحضارة الشاملة، وفيما يأتي من سطور هذا المقال، بيانٌ لعوامل النهضة الحضارية في العصر العباسي[٤]:

  • خلق حالةٍ من الموازنة في السيطرة على حكم الدولة، فبرغم كون الخليفة عربيًا من بني العباس، إلا إنه أعطيت مناصبًا مهمةً في الدولة العباسية لغير العرب، وعلى رأسهم الفرس من أهل خراسان.
  • وسم الدولة العباسية بالصفة الدينية الإسلامية، وعلى أسس ثابتةٍ من إقامة العدل، والحكم بالكتاب والسنة، وفي هذا يُحبب نقل قول الفخري، إذ يقول: "إن هذه الدولة ساست العالم سياسيةً ممزوجةً بالدين والملك، فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها دينًا، والباقون يطيعونها رغبةً أو رهبةً."
  • ابتداع العباسيون لمؤسسة الوزارة، ليظهر ما عرف تاريخيًا بطبقة الكتاب، كما أولوا رعايةً واهتمامًا لتنظيم الشؤون المالية والإدارية.
  • عملت الدولة العباسية على تطوير الثقافة والفنون، إلى جانب ألوان العلوم المختلفة.
  • اختيار أبي جعفر المنصور لبغداد لتكون المدينة المركزية والعاصمة للدولة، كان له بالغ الأثر في النهضه الحضارية.

سقوط الخلافة العباسية

لا بد دومًا من تصور القمة والقاع، ليس على قبيل دراسة مظاهر الحضارة في العصر العباسي فحسب، وإنما في كل أحوال الحياة، فالذروة في الشيء تعني انحداره بعدها، وهذا قول ابن خلدون في عمر الدول، حيث تتمثل القمة بالرقي والحضارة، وهي بمثابة المؤشر المنذر بالانحدار الذي سيليها.

لا شكّ أن مظاهر الحضارة في العصر العباسي بلغت ذروتها، في حين كان في عمقها ما ينخر جذورها، ويضرب معاقل أساساتها، ولعل ما كان أول العوامل في نهضة الدولة العباسية وحضارتها، هو ما عمل ببطئٍ على انهيارها، فكان لاستئثار الخلفاء العباسيون الفرسَ وتقريبهم دورًا رئيسًا في ظهور حركةٍ عنصريةٍ داخل المجتمع العباسي، تمثلت بنزعةٍ قوميةٍ بين مكونات هذا المجتمع، وهو ما حاول الخليفة المعتصم أن يتداركه حين قرب السلاجقة الأتراك، وهو حتمًا خطأ كبير، حيث كان لهم -السلاجقة الأتراك- أثرًا كبيرًا في انهيار الدولة على يد المغول في سنة 1258 للميلاد، لتنتهي مظاهر الحضارة في العصر العباسي بصورةٍ يندى لها الجبين، ممثلةً بهدم المغول بغداد، وقتل أهلها وحرق كتبها وإغراقها في النهر.[٢]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب نورة الدوسري (2015)، خدم دار الخلافة ودورهم السياسي والحضاري في العصر العباسي الثاني، السعودية: جامعة أم القرى، صفحة 9،10. بتصرّف.
  2. ^ أ ب محمد طقوش (2009)، تاريخ الدولة العباسية (الطبعة السابعة)، بيروت- لبنان: دار النفائس، صفحة 10،11. بتصرّف.
  3. عبد العزيز الدوري (2009)، العصر العباسي الأول (الطبعة الثانية)، بيروت- لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية، صفحة 56،57. بتصرّف.
  4. عبدالعزيز الدوري (2009)، العصر العباسي الأول (الطبعة الثانية)، بيروت- لبنان: مركز دراسات الوحدة العربية، صفحة 52،53،55،57. بتصرّف.