ما هو القضاء

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٥٨ ، ٣٠ سبتمبر ٢٠١٩
ما هو القضاء

القانون الإسلامي

إنّ الأحكام الشرعيّة المُستنبطة من القرآن الكريم، والسّنّة النّبوية وغيرها من الأدلّة الشّرعيّة المعتبرة تكوّن بمجموعها القانون الإسلامي الذي يُنظّم حياة الفرد والمُجتمع، ويحكم شؤونهم، ويرتقي بعلاقات النّاس فيما بينهم، ويقرّر لهم ما عليهم من واجبات وما لهم من حقوق، والمطلوب من هؤلاء تنفيذ هذا القانون، وعدم مُخالفة أحكامه، والوقوف عند حدوده، والأصل في هذا التّنفيذ أن يكون عن رضا لا عن جبر، وقد سهّل الإسلام معرفة القانون الإسلامي عن طريق وجود علماء تُعلّم النّاس أحكام الشّرع، ووجود هيئة مُختصّة تضبط أمور المجتمع، وتنظّم علاقاته، ومثال ذلك: هيئة القضاء، فما هو القضاء، وما هي أركانه؟[١]

ما هو القضاء؟

للإجابة عن سؤال ما هو القضاء لا بدّ من معرفة إن كان القضاء ضروري للناس، فهل القضاء ضروريّ؟ الجواب: نعم، بكل تأكيد، لذلك لم يخلُ مجتمع من جهات قضائيّة تحكم بين النّاس، وتُنظّم علاقاتهم ببعضهم وبالمجتمع، وسبب ذلك أنّ الظلم يكون في طبع الإنسان فلا بدّ من وجود حاكم يُنصف المظلوم من الظالم، إضافة إلى ذلك أنّ المُسلم يظلّ غير معصوم من الوقوع في الذنوب، ومخالفة القانون الإسلامي مهما بلغت درجة إيمانه وصفائه، وإن كان احتمال اقتراف الذنوب قليلًا، والدليل على ذلك : أنّ المُجتمع الإسلامي في عهد النّبي الكريم وهو أعظم المُجتمعات على الإطلاق، وقعت فيه العديد من المخالفات القانونيّة، ولهذا باشر النّبي -عليه السّلام- القضاء بنفسه في المدينة، وولّاه إلى غيره خارج المدينة، ومثال ذلك: عندما أرسل معاذ ابن جبل قاضيًا إلى اليمن.[٢]

قبل الشروع في الإجابة عن سؤال ما هو القضاء، من الجدير بالذّكر أنّ القضاء لم تغفل عنه الشّريعة الإسلاميّة، بل شرعت له الأحكام والمقوّمات اللّازمة لإنشاء هيآته، كما بيّنت شروطه وضوابطه، وفيما يأتي ستتم الإجابة عن سؤال ما هو القضاء:

  • القضاء لغة: يرد لفظ القضاء على عدّة وجوه ومنها: الوجوب والوقوع، الإتمام والكمال، الإيصاء والعهد، العمل والأداء.[٣]
  • القضاء اصطلاحًا: هو الحكم بين الخصوم بالقانون الإسلامي بكيفيّة معيّنة، أو الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الوجوب والإلزام.[٤]

مشروعية القضاء

وبعد أن تمّت الإجابة عن سؤال ما هو القضاء، لا بدّ من الحديث عن مشروعيّة القضاء كونه ضروري للمجتمع بصورة عامة، إسلامي أو غير إسلامي، فما هو القضاء من القرآن والسّنّة؟[٥]

  • أمرَ الله -سبحانه وتعالى- بالقضاء وذلك واضح في قوله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.[٦]
  • مكانة الإمام العدل يوم القيامة تدلّ على أهمّية الحكم والقضاء، لقول الرّسول -عليه السّلام-: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ...".[٧]
  • اجتهاد الحاكم يترتّب عليه نيل الأجر من الله تعالى، لقول الرّسول الكريم: "إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ".[٨]
  • مباشرة النّبي -عليه السّلام- القضاء بنفسه وتوليته لغيره، دلالة واضحة على وجوب إيجاد هيئة قضائيّة تُدير شؤون المُجتمع.
  • إجماع العلماء على مشروعيّة القضاء، حيث قالوا أنّ القضاء من فروض الكفايات؛ لأنّ أمر النّاس لا يستقيم بدونه، فيكون واجبًا كفائيًّا كالجهاد والإمامة.

أركان القضاء

إنّ القضاء وسيلة من وسائل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ونصرة المظلوم وردع الظالم عن ظلمه، وإيصال الحقّ إلى أصحابه، ولهذا لا بدّ من وجود عدّة أركان تُشكّل الهيئة القضائيّة لتكون الإجابة عن سؤال ما هو القضاء مُكتملة وشاملة، ومن هذه الأركان: القاضي: وهو الشّخص الذي يُصدر الحكم، وتتوافر فيه عدّة شروط سيتمّ التّعرف عليها فيما بعد، المقضي به: وهو الحكم النّهائي الذي يُصدره القاضي، المقضي فيه: وهو الأمر المُتنازَع فيه أثناء المُرافعة، المقضي له: وهو الشّخص الذي يصدر الحكم لصالحه، إضافة إلى المقضي عليه: وهو الشّخص الذي يصدر الحكم النّهائي ضدّه.[٩]

شروط من يتولى منصب القضاء

يجب أن تتوفر في القاضي مجموعة من الشروط الأساسية التي تسهم في جعله أن يكون صالحًا ليتولى مهمة القضاء والإشراف عليها بأكمل وجه، وهذه الشروط هي:[١٠]

  • البلوغ والعقل والحرية: هذه الشّروط مُتّفق عليها؛ لأنّ وظيفة القضاء تحتاج إلى النّضوج، وهذا لا يتأتّى قبل البلوغ، وينعدم قطعًا مع المجنون والعبد.
  • الإسلام: القضاء عبارة عن ولاية، لذلك لا تجوز ولاية الكافر على المسلم، لقوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}،[١١]ثمّ إنّ القاضي يُطبّق أحكام الشريعة الإسلاميّة، وهي دين، والدّين لا بدّ من الإيمان به من قِبَل من يُطبّقه، وخوف من الله يمنعه من الميل عن التّطبيق السّليم، وهذا لا يتأتّى إلّا من المُسلم.
  • العدالة: العدالة عند الفقهاء الامتناع عن الكبائر مع عدم الإصرار على الصّغائر، والابتعاد عمّا يخلّ في المروءة، ولذلك لا يُولّى الفاسق منصب القضاء؛ لأن الفاسق لا يصحّ أن يكون شاهدًا فمن باب أولى أن لا يكون قاضيًا، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا...}.[١٢]
  • الاجتهاد: إنّ القضاء مأخوذ من الإفتاء، والمُفتي لا يجوز أن يكون عامّيًّا مُقلّدًا، فالقاضي أولى أن لا يكون مقلّدًا، وأن الحكم بما أنزل الله يعرفه العالم المجتهد، وليس العامّي المُقلّد، لقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ...}.[١٣]
  • الذكورة: هي شرط عند الجمهور، وحجّتهم قول النّبي -عليه السّلام-: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ ولَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأَةً..."،[١٤]إلّا أنّ بعض الأحناف أجازوا تولية القضاء للمرأة في غير الحدود والقصاص قياسًا على الشّهادة؛ لأنه لا شهادة لها في الجنايات.
  • سلامة الحواس: يجب أن يكون سميعًا بصيرًا مُتكلّمًا؛ لأنّ الأخرس لا يمكنه التّكلم، كما أن إشارته لا يفهمها الجميع، والأصمّ لا يستطيع سماع قول الخصمين، والأعمى لا يرى المدّعي والمدّعى عليه، إلّا أنّ بعض الفقهاء كالمالكيّة قالوا: يجوز تولية الأعمى والأصم للضرورة لكن يجب عزلهم حال إصدارهم الحكم.

المراجع[+]

  1. "القانون والشريعة الإسلاميّة"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 27-09-2019. بتصرّف.
  2. عبدالكريم زيدان (2018)، نظام القضاء في الشريعة الإسلامية (الطبعة الثالثة)، دمشق-سوريا: الرسالة ناشرون، صفحة 9. بتصرّف.
  3. ابن منظور (1414ه)، لسان العرب (الطبعة الثالثة)، بيروت: صادر، صفحة 47-49، جزء 2. بتصرّف.
  4. ابن فرحون (1986م)، تبصرة الحكام (الطبعة الأولى)، القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، صفحة 12، جزء 1. بتصرّف.
  5. "حكمة مشروعية القضاء "، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 27-09-2019. بتصرّف.
  6. سورة المائدة، آية: 42.
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 1423 ، صحيح.
  8. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عمرو بن العاص، الصفحة أو الرقم: 7352، صحيح.
  9. د.فاروق عمر فوزي (2010)، تاريخ النّظم الإسلاميّة (الطبعة الأولى)، فلسطين: الشروق، صفحة 285. بتصرّف.
  10. أ.د.وهبة بن مصطفى الزّحيلي، الفقه الإسلامي وأدلّته (الطبعة الرابعة)، دمشق: الفكر، صفحة 5936-5940، جزء 8. بتصرّف.
  11. سورة النساء، آية: 141.
  12. سورة الحجرات، آية: 6.
  13. سورة المائدة، آية: 49.
  14. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن نفيع بن الحارث الثقفي أبو بكرة، الصفحة أو الرقم: 4425، صحيح.