قصص الحجاج

قصص الحجاج
قصص الحجاج

قصة الغلام الذي تحدى الحجاج

لماذا أمر الحجاج بأن يُعطى الغلام مالًا؟

لقد ورد عن الحجاج عدة قصص أنّه اجتمع بغلام ذكي شجاع قد تحدّاه، ومنها قصة ذائعة الصيت قد أجمع أهل العلم والدراية على وضعها[١]، وأمّا الأخرى فقد روي أنّ غلامًا شجاعًا دخل على الحجّاج يومًا فنظرَ إلى القصر الذي يجلس فيه الحجّاج فقال من القرآن الكريم: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}[٢]، فقال له الحجاج: هل تحفظ القرآن يا غلام؟ فقال الغلام: "أوَ خفتُ عليه من الضياع حتى أحفظه وقد حفظه الله تعالى"؟ فقال له الحجاج: إذًا هل جمعتَ القرآن؟ فقال الغلام: "أوَ كان مفرقًا حتى أجمعه"؟[٣]


بعد طول جدال يخبر الغلامُ الحجاجَ أنّه يجب أن يقولَ: "أوعيت القرآن في صدرك"؟ ويتابع الغلام الكلام مع الحجاج بغلظة حتى يأمر الحجاج بقطع رأسه، ثم يستعطفه أحد الذين في مجلسه فيعفو الحجاج عنه، ثمّ يجيبه الغلام بكلام شديد اللهجة مفاده أنّ الذي عفا عنه هو الله تعالى، وأنّ الحجاج وجليسه هم عباد لا يملكون من أمرهم شيئًا، فيُعجبُ الحجّاج هذا الجواب فيصلُه بمال ويطلق سراحه.[٣]


قصة الحجاج والأعرابي

ماذا طلب الحجاج من الأعرابي؟

ذكروا أنّ الحجاج بن يوسف الثقفي قد تحدّث أمامه أعرابيّ بكلمة على وزن "فُعلَة"، فقال له الحجّاج: إنّ هذا الوزن غير موجود في اللغة العربيّة، وكان الحجاج من الذين يحبون اللغة العربية ويعتنون بها، حتى إنّه هو الذي أمر بتنقيط القرآن الكريم وتشكيله، فقال الأعرابي لمّا سمع قول الحجاج: بل موجودة يا أمير، فقال الحجاج: اذهب وائتني بشاهد قد قاله رجل من العرب الأقحاح، واعلم أنّك إن لم تأتِ به فإنّني سأضرب عنقك، والظاهر أنّ الحجاج لم يقيّده بمدّة، أو قد يكون أعطاه مدّة طويلة بعض الشيء، فذهب الأعرابي يبحث عن ذلك الشاهد ويطلبه فلم يحظَ به.[٤]


وذات يومٍ كان الأعرابي يسير في بعض البوادي يطلب أحدًا من العرب الأقحاح علّهم أن ينجدوه ويعطوه بغيته فيبقي على رقبته ويدرأ عن نفسه ظلم الحجاج، فلمّا كان في إحدى البوادي إذا به يسمع رجلًا ينشد بيتًا لأميّة بن أبي الصلت أحد شعراء العصر الجاهلي، والبيت هو:[٤]

رُبَمَا تَكْرهُ النُّفوسُ منَ الأمْ

ـرِلهُ فُرْجةٌ كَحَلِّ العِقالِ


فعندما سمع الأعرابيّ هذا البيت فرحَ واستبشر خيرًا، وربّما ظنّ أنّها رسالة خفيّة من الله تعالى، فما لبثَ بعدها أن سمعَ شيخًا يقول: لقد مات الحجاج، ففرح الأعرابي بذلك وقال قولته المشهورة: "والله ما فرحي بموتِهِ أشدُّ من فرحي بهذا البيت"، فقد كفاه الله تعالى شرّ الحجاج، ولكنّ الفرح الأعظم كان بأنّه وجد أنّه ما يزال يتحدث بلسان عربي غير ذي عوَج.[٥]


قصة الحجاج وجامع المحاربي

لماذا هرب جامع المحاربي إلى الشام؟

إنّ جامعًا المحاربي كان رجلًا مستشارًا له حضوره وله وزنه بين الرجال، وكان جريئًا لا يخشى في الحق لومة لائم، وكان من الذين يبغضون الحجاج بن يوسف الثقفي، فحدثَ أن استدعاه الحجاج يومًا في ولايته على العراق، فسأله عن الحل مع أهل العراق الذين لا ينقادون له ولا يطيعونه، فقال له جامع إنّ أهل العراق لو أحبّوك لأطاعوك، ولكن لأنّهم لا يحبونك فإنّك ستجد منهم هذا، واعلم أنّهم لم يبغضوك لنسبك أو لأنّك لا تنتمي لبلادهم، ولكن ابحث عن سبب بغضهم لك وأصلحه كي يحبوك، وعليك أن تبتغي الرحمة بهم كي تحل عليك رحمات الله تعالى، وقال له كذلك: "وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك".[٦]


فما كان من الحجاج إلّا أن أجاب بمنطق السيف والقوة وقال إنّه لا يردّ الناس إلى طاعته إلّا بالسيف، وكأنّ منطقه في الحياة يقوم على الإجبار والكره، فقال له جامع: "إنّ السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار"، بمعنى أنّ الرعية إذا رأت السيف مسلطًا على رقابها فإنّها ستحمل السيف كذلك ولن يكون هنالك خيار سوى الحرب، فقال الحجاج هنا: "الخيار يومئذ لله"، فقال له جامع: "أجل، ولكنك لا تدري لمن يجعله الله"، فغضب الحجاج من إجابة محارب، فقال له محارب إنّنا إن قلنا لك الصدق غضبتَ، وإن قلنا لك الكذب وغششناك النصيحة أغضبنا الله تعالى، وعندها يكون غضبك أهون من غضب الله تعالى، فسكت الحجاج وهدأ.[٧]


بينما هو مشغول بأمر ما إذا بجامع يغادر بلاط الحجاج خلسة، وعندما خرج ووصل إلى عساكر العراق فإنّهم عرفوه وأقبلوا إليه يطمئنّون عليه وماذا كان يريد منه الحجاج، فنظر فإذا الجُند من عدة قبائل من العراق كالأزد والقيسيين ونحو ذلك، فجعلَ جامع يحرضهم على الحجاج ويحثّهم على خلعه، وصار يحكي لهم كيف أنّ الخطر الحقيقي عليهم هو الحجاج وليس إخوانهم من أبناء القبائل المختلفة التي عمد الحجاج إلى تفرقتهم في الجيش، وبعد أنّ حرّضهم جامع على الحجاج فإنّه قد لاذ بالفرار إلى الشام هربًا من الحجاج الذي سيضرب عنقه حين يعلم بكلامه للجند، وفي الشام أجاره زفر بن الحارث.[٦]


قصة الحجاج وسعيد بن المسيب

لماذا لم ينَل الإمام سعيد بن المسيب أذى من الحجاج؟

كان الإمام سعيد بن المسيِّب من كبار التابعين، وكان ذات يوم يصلي في المسجد، وكان يصلي إلى جانبه الحجاج بن يوسف الثقفي، ولكنه حينها لم يكن أميرًا ولا واليًا ولا شيئًا يُذكر، فكان لا يتم الركوع ولا السجود في صلاته، فكأنّه هو نفسه المسيء صلاته، فلمّا انتهت الصلاة جلس الإمام سعيد يقرأ الأذكار التي عقب الصلاة، وأراد الحجاج أن ينصرف فأمسكَ الإمام سعيد برداء الحجاج ولم يكلّمه حتى أتى على أذكاره كلّها، وبينما هو كذلك كان الحجاج يجر رداءه يريد الانصراف والإمام سعيد ممسكٌ به، فلمّا انتهى الإمام من قراءة أذكاره التفتَ إلى الحجاج وصار يؤنّبه ويعلّمه كيف تكون الصلاة الصحيحة.[٨]


فلمّا سمع الحجاج هذا الكلام من الإمام فإنّه اتبعه في باقي أيّام حياته وتعلّم كيفية الصلاة الصحيحة، ولكنّه لم يُجِب الإمام سعيدًا بشيء وخرج من المسجد، وعندما صار نائبًا على المدينة المنورة قصد مجلس الإمام سعيد وسأله: أأنت الذي رآني يومًا لا أحسن الصلاة فوعظتني؟ قال الإمام: نعم، فقال له الحجاج: جزاك الله خيرًا فإنّي ما تعلّمت الصلاة الصحيحة إلّا منك، وما زلتُ أذكر كلامك في كل صلاة أصلّيها، ثمّ انصرف الحجاج، ولذلك فقد سُئل الإمام سعيد: ما بال الحجاج لا يستدعيك ولا يؤذيك كما يفعل مع باقي أئمة العصر، فذكر لهم الإمام سعيد ما كان منه مع الحجاج في المسجد منذ زمن.[٨]


قصة الحجاج ومالك بن أسماء

ما مصير أسماء بعد أن سجنه الحجاج؟

كان مالك بن أسماء الفزاري شاعرًا وكان كذلك صهر الحجاج، وقد واستعمله الحجاج بن يوسف على الحيرة، فبلغه عنه أمرٌ فعزلهُ واستدعاه، فلمّا وصل مالك إلى الحجاج قاله له الحجاج: ألست القائل:[٩]

حَبَّذَا لَيْلَتِي بِحَيْثُ نُسَقَّى

قَهْوَةً مِنْ شَرَابِنَا وَنُغَنَّى

حَيْثُ دَارَتْ بِنَا الزُّجَاجَةُ حَتَّى

حَسِبَ الْجَاهِلُونَ أَنَّا جُنِنَّا

وَنَزَلْنَا بنسوةٍ عطراتٍ

وسماعٍ وقرقفٍ فَنَزَلْنَا


فقال مالك: بل أنا القائل:[٩]

رُبَّمَا قَدْ لُقِيتُ أَمْسِ كَئِيبًا

أَقْطَعُ اللَّيْلَ عَبْرَةً وَنَحِيبا

أَيُّهَا الْمُشْفِقُ الْمُلِحُّ حِذَارًا

إِنَّ لِلْمَوْتِ طَالِبًا وَرَقِيبَا

فَصْلُ مَا بَيْنَ ذِي الْغِنَى وَأَخِيهِ

أَنْ يُعَارَ الْغَنِيُّ ثَوْبًا قَشِيبَا


فرقّ الحجاج لهذا الشعر واكتفى بحبس مالك، فبعث الحجاج إلى عمّاله الذين كانوا تحت إمرة مالك، فسألهم عن حاله، فقالوا هذا مالك صهر الحجاج وإن غضب عليه اليوم فغدًا سيرضى عنه ويطلقه، فقالوا للحجاج إنّه ما مرّ عليهم خيرٌ منه، فجلد الحجاج الذي كذب منهم ثلاثمئة سوط، فعندما سأل الآخرين فإنّهم أجابوا بعدما اعتبروا بصاحبهم المجلود، وعندها أحضر الحجاج مالكًا وسأله عن رأيه بما قاله هؤلاء العمّال، فقال له مالك: إنّما مثلي ومثلك ومثل هؤلاء كمثل أسد خرج إلى الصيد مع ذئب وثعلب، فاصطادوا حمارًا وحشيًّا وتيسًا وأرنبًا، فقال الأسد مخاطبًا الذئب والثعلب: من يكون القاضي في هذا الصيد فيقسمه؟[٩]


فقال الذئب: وما الحاجة إليه أيها الأسد، فالحمار لكَ، والتيس لي، والأرنب للثعلب، فضربه الأسد بمخالبه فقطع رأسه، والتفتَ إلى الثعلب وقال له: ما رأيك أنت؟ فقال الثعلب: الحمار لكَ لغدائك، والتيس لعشائكَ، والأرنب تتفكّه به، يعني كالفواكه، فقال له الأسد: ما أعدلك، فمن علّمك القضاء العادل؟ فقال الثعلب: رأس الذئب يا سيّدي، فعندها قال مالك للحجاج: فذلك الذي جلدته هو الذي قد علّم هؤلاء، فضحك الحجاج وعوّض المجلود بمال وأطلق سراح مالك.[٩]


قصة الحجاج وبشر بن مالك

ما الذي أعجب الحجاج بن يوسف في بشر؟

كان بشر بن مالك في زمرة الذين خرجوا مع المهلب بن أبي صفرة إلى قتال الخوارج الحروريّين، فعندما قتل المهلب زعيمًا منهم -وهو عبد ربه الحروريّ- أرسل بِشرًا بالبشارة إلى الحجاج، وكان بشر هذا بليغًا تعجب بلاغته من يسمعه، فلمّا صار بين يدي الحجاج سأله الحجاج عن المهلّب بن أبي صفرة كيف تركه، فقال بشر: "خلفته وقد أمِنَ ما خافَ، وأدركَ ما طلب"، فسأله الحجاج عن حالهم مع أعدائهم في المعركة كيف كانت، فقال بشر: "كانت البداءة لهم، والعاقبة لنا"، فأعجبَ الحجاج هذا الجواب وقال له إنّ العاقبة تكون دومًا لمن اتّقى.[١٠]


ثمّ سأله الحجاج عن الجند كيف أصبحوا، فقال بشر: "وسعهم الحقّ، وأغناهم النّفل، وإنهم لَمَعَ رجلٍ يسوسهم سياسة الملوك، ويقاتل بهم قتال الصعلوك، فلهم منه برّ الوالد، وله منهم طاعة الولد"، فسأله الحجاج عن حال أبناء المهلب بن أبي صفرة، فأجاب بشر: "رعاة البيات حتى يؤمّنوه، وحماة السّرح حتى يردّوه"، فقال له الحجاج فبرأيك أيّ واحد منهم هو الأفضل، فقال بشر: "ذلك إلى أبيهم"، فأعجبَ الحجاج ببلاغة هذا الفتى وأثنى عليه، وقال له هل كنتَ قد حضّرتَ هذه الأجوبة قبل أن تأتيني؟ فقال بشر: "لا يعلم الغيب إلا الله"، يعني أنّ ذلك من السليقة ولا يعلم ما سيقول الحجاج ليحضّر له تلك الأجوبة البليغة.[١٠]


قصة الحجاج وعبد الرحمن بن أبي ليلى

لماذا جلدَ الحجاجُ عبدَ الرحمن بن أبي ليلى؟

كان عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمال الحجاج بن يوسف الثقفي على القضاء، وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى ممّن قاتل مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-، وقد شهد معه النهروان، ولكنّ الحجاج كان قد أراد منه أن يسب علي بن أبي طالب -كرّم الله وجهه- بسبب عداوة الأمويين لعلي بن أبي طالب وذريته -رضي الله عنهم-، فلم يرضَ أن يسبّه فعزله الحجاج وجلده[١١]، فضربه الحجّاج حتى اسوَدّ جسده من الضرب، وهو يقول له: العن الكذّابََين -يعني عليًّا وابن الزبير- فيقول: "لَعَنَ اللهُ الْكَذَّابَينِ عَلِيُّ ابْن أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ".[١٢]


فهو بذلك تخلّص من ظلم الحجاج وضربه، ولم يلعن الصحابيَّيْنِ -رضي الله عنهما-؛ إذ إنّ كلمة "الْكَذَّابَينِ" محلها من الإعراب مفعول به، فوجبَ أن يقول: عليًّا بن أبي طالب وليس "عليُّ" بالرفع كما قال؛ فهو هنا قد غيّر محل الكلمة من الإعراب من النصب إلى الرفع، وبذلك تغيّر المعنى، ولم يلعن أحدًا ونجا بنفسه من براثن الحجاج.[١٢]



لقراءة المزيد من قصص الحجّاج، اخترنا لك هذا المقال: الحسن البصري والحجاج.

المراجع[+]

  1. مجموعة من المؤلفين، أرشيف ملتقى أهل الحديث 2، صفحة 122. بتصرّف.
  2. سورة الشعراء، آية:128-129
  3. ^ أ ب ياسر عبد الرحمن، موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق، صفحة 13. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 467، جزء 3. بتصرّف.
  5. ابنُ خلّكان، وفَيَات الأعيان وأنباءُ أبناءِ الزمان، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 467، جزء 3. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد (الطبعة 1)، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 53، جزء 2. بتصرّف.
  7. ابن عبد ربّه الأندَلسي، العِقدُ الفريدُ (الطبعة 1)، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 53، جزء 2. بتصرّف.
  8. ^ أ ب سعيد بن وهف القحطاني، مواقف التابعين وأتباعهم في الدعوة إلى الله تعالى، صفحة 5. بتصرّف.
  9. ^ أ ب ت ث شمس الدين الذهبي، تاريخ الإسلام، صفحة 141-142. بتصرّف.
  10. ^ أ ب الحُصري القيرواني، زهر الآداب وثمر الألباب، صفحة 843. بتصرّف.
  11. شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، صفحة 267. بتصرّف.
  12. ^ أ ب أبو العرب التميمي، المحن، صفحة 323. بتصرّف.

494 مشاهدة