خصائص شعر النقائض

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٢٤ ، ٥ ديسمبر ٢٠١٩
خصائص شعر النقائض

تعريف شعر النقائض

تنوّعت فنون الأدب وتعدّدت في العصور القديمة، ومن ضمن هذه الفنون فن النقائض، ويُعدّ هذا الفن لونًا من ألوان الأدب والمُناظرة الأدبيّة، ومن الجدير بالذكر أنّه يمكن اعتبار هذا الفن سجلًا تاريخيًّا أسهم في معرفة أنساب العرب وأيامهم، كما أنّه أمَدَّ اللغة وأكسبها بثروة من الألفاظ، والنقائض لُغةً جمع مفردها نقيضة، والنقض إفساد ما تمَّ من عقد أو بناء، ونقض البناء هدمه والنقض ضدّ الإبرام لذلك قيل نقائض جرير والفرزدق، أمّا اصطلاحًا فهو اتّجاه الشاعر إلى شاعرٍ آخر بقصيدةٍ هاجيًا مُفتخرًا، مع التزامه البحر الشعري الذي اختاره الأول والقافية وحركة الروي، فلا بُدّ من وحدة البحر والقافية والروي، وتاليًا سيتمّ الحديث حول خصائص شعر النقائض.[١]

نشأة شعر النقائض

لقد عُدّت النقائض الشعرية من الفنون القديمة، كونها عُرفت منذ العصر الجاهلي وامتدت إلى عصر بني أُميّة، فقد كان الشعراء يتراشقون بالشعر كما لو أنّهم يتراشقون بالسّهام، وكان يهجون بعضهم بعضًا، فينتصر الشاعر بقومه على القبيلة المُعادية، وعندما جاء الإسلام دارت النقائض بين شعراء المسلمين الذين دافعوا عن الإسلام، وبين شعراء المشركين الذين دافعوا عن دينهم الوثني، وعلى الرغم من أنّ النقائض في عصر صدر الإسلام امتدت للنقائض في الجاهلية إلّا أنّ تغيّرًا قد أصابها من حيث الغاية، إذ أصبح هدفها الأساسي الدفاع عن عقيدة الإسلام ومبادئ الدين بعد أن كان هدفها الدفاع عن أعراض القبيلة، كما أنّ نقائض الإسلام لم تشتمل على الفحش وانتهاك للحرمات كما نلمسها في نقائض جرير والفرزدق والأخطل، وفيما بعد ازدهر هذا الفنّ واتسع اتساعًا واضحًا في العصر الأموي لتظهر فيه أهم خصائص شعر النقائض، فأصبح فنًّا مُستقلًّا بذاته له أساليبه وأبعاده السياسية والاجتماعية، واحتلّ مكانة رفيعة وتبوأ منزلة عظيمة في ذلك العصر.[١]

خصائص شعر النقائض

تطغى على شعر النقائض مجموعة من الخصائص الشعرية واللغوية والأدبية، بالإضافة طريقة صياغتها وأسلوبها، وتُضفي هذه الخصائص طابعًا خاصًّا لهذا الفن من الشعر، وفي السطور القادمة سيتمّ الحديث عن أبرز خصائص شعر النقائض:[٢]

  • طول النقيضة: اتّسمت النقائض الشعريّة بالطول؛ وكان ذلك من أبرز خصائص شعر النقائض؛ فلجرير قصيدة رائيّة أكثر من خمسين بيتًا شعريًّا، بدأها برثاء زوجته بالإضافة إلى وصف النهر، وكانت تخوض في مدح الخُلفاء والولاة، ويُقدم الشاعر فيها على بكاء الأطلال ووصف الرحلة والنسيب.
  • التأثر بالإسلام: لقد عاش شعراء النقائض في بيئةٍ إسلاميةٍ؛ فأثر ذلك في صلب النقائض فخرًا وهجاءً.
  • المُبالغة والإفحاش في الهجاء: تعرّض شعراء النقائض للأعراض من خلال إباحتهم للحُرمات بعبارات تُؤثر التصريح لا التلميح، إلى مرحلة وصول هذا الهجاء لدرجة تشمئز منه النفوس وتنكرها الأخلاق الإسلامية وتعاليم الدين.
  • اعتماد السخرية: عمد شعراء النقائض في شعرهم إلى الأسلوب الساخر الفكاهي بالإضافة إلى تحقير وتشنيع الخصم، ويظهر ذلك جليًا في العديد من نقائضهم.
  • توليد العديد من المعاني والصور: استخدم الشعراء في شعرهم العديد من الصور الفنية التي استوحوها من خيالهم وجسدوها في أبياتهم الشعرية للعبير عن المعنى ووصف الأحداث، بالإضافة إلى توليدهم للمعاني العميقة، مما أضفى جمالية مميزة على خصائص شعر النقائض.
  • استخدام أسلوب المقارنة والموازنة: يعد ذلك من أبرز خصائص شعر النقائض في الدولة الأموية، إذ لجأ الشعراء لهذا الأسوب للاحتجاج والدقة في التحدي ومن أجل توضيح الفكرة وإظهارها.
  • الترصّد للخصم: وذلك من خلال محاولة شعراء النقائض رصد الأخطاء والغفلات للخصم حتى ينهلون عليه بالهجاء الشديد والشعر المقذع، ويعد ذلك من أبرز خصائص شعر النقائض.

أشهر شعراء النقائض

ارتبطت النّقائض الشعرية بثلاثة شعراء، هم: الأخطل، والفرزدق، وجرير، واعتُبروا أشهر روّاد شعر النقائض؛ وقد أبدع هؤلاء الشعراء في هجاء بعضهم البعض من خلال النقد اللاذع والسخرية على سبيل التهكّم، وفيما يلي سيتمّ الحديث ضمن موضوع خصائص شعر النقائض عن كل شاعر من هؤلاء الشعراء:[١]

الفرزدق

يعدّ الفرزدق من أبرز شعراء العصر الأموي، اسمه همام بن غالب بن صعصعة الدارمي التميمي، ولد في اليمامة، ويقال في الكاظمة، وهو من دارم من قبيلة تميم المعروفة بكرمها ونسبها العريق، وسمّي بالفرزدق لضخامة وجهه نسبة إلى رغيف الخبز الضخم، له العديد من القصائد في الرثاء بالإضافة إلى المدح، إلّا أنّ أغلب قصائده كانت في الهجاء، فقد كان كثير الهجاء واشتهر بهجائه المُر لجرير، ولكنّه عندما توفي قام الشاعر جرير برثائه، توفي بين عامي 728 م أو 730 م، في البصرى حيث دفن هناك.

جرير

هو جرير بن عطية، ولد في البادية في نجد عام 650 م، في خلافة عثمان بن عفّان -رضي الله عنه-، نشأ في أسرة أدبية، كانت ذات تاريخ شعري عريق، أفنى عمره في مصارعة الشعراء للذود عن شرف وكرامة قبيلته، وقيل أنّه هجا وهزم ما يقارب الأربعين شاعرًا في عصره، فدارت الحرب بينه وبين الفرزدق، التي استمرت ما يقارب الأربعين عامًا، وعُرِف عنه حدّة لسانه وسلاطته في الهجاء حتى فيما بعد اشتهر شهرة واسعة، توفِّي الشاعر جرير بن عطية في نجد عام 728 م عن عمر قارب الثمانين عامًا.[٣]

الأخطل

من أبرز الشعراء الذين اهتموا بخصائص شعر النقائض، اسمه غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة ابن عمرو، وأصله من مدينة تغلب، كان يكنى بأبي مالك، ولد الشاعر الأخطل التغلبي عام 640 م، في حيرة العراق في ظل الدولة العباسية، حيث نشأ على المسيحية من أب تغلبي، وهو أحد الشعراء الأمويين الثلاثة المتفق على جدارتهم بالشعر، وقد راعى في شعره الشكل العربي المعروف بتقاليده البدوية القديمة، وقد اتجه منذ صباه إلى شعر الهجاء، فأطلق لسانه في هجاء الأنصار، توفي الأخطل وهو في السبعين من عمره عام 710 م، في خلافة الوليد بن عبد الملك، ومات بين قومه في على ديانته المسيحية.[٤]

أبيات من شعر النقائض

وبعد الحديث عن خصائص شعر النقائض وأهم رواده، لا بد من تذوق جماليات هذا الشعر، من خلال عرض مجموعة من الأبيات الشعرية التي تجسد ذلك، وفيما يلي بعض النماذج لأهم نقائض الفرزدق وجرير والأخطل:

  • من نقائض الشاعر جرير:[٥]

زَعَمَ الفَرَزْدَقُ أنْ سيَقتُلُ مَرْبَعاً؛

أبْشِرْ بطُولِ سَلامَة ٍ يا مَرْبَعُ

إنَّ الفرزدقَ قدْ تبينَ لؤمهُ

حيثُ التقتْ حشاؤهُ والأخدع

حوقَ الحمارِ أبوكَ فاعلمْ علمهُ

ونفاكَ صعصعة الدعيُّ المسبعُ

وزعمتَ أمكمُ حصانًا حرةً

كَذِبًا، قُفَيرَة ُ أُمُّكُمْ وَالقَوْبَعُ

وَبَنُو قُفَيرَة َ قَدْ أجَابُوا نَهْشَلًا

باسمِ العبودة ِ قبلَ أنْ يتصعصعوا
  • من نقائض الشاعر الفرزدق:[٦]

إنّ الذي سَمَكَ السّماءَ بَنى لَنَا

بَيْتاً، دَعَائِمُهُ أعَزُّ وَأطْوَلُ

بَيْتاً بَنَاهُ لَنَا المَلِيكُ، ومَا بَنى

حَكَمُ السّمَاءِ، فإنّهُ لا يُنْقَلُ

بَيْتاً زُرَارَةُ مُحْتَبٍ بِفِنَائِهِ،

وَمُجاشِعٌ وَأبُو الفَوَارِسِ نَهْشَلُ

يَلِجُونَ بَيتَ مُجاشعٍ، وَإذا احتبوْا

بزُوا كَأنّهُمُ الجِبَالُ المُثّلُ

لا يَحْتَبي بِفِنَاءِ بَيْتِكَ مثْلُهُمْ

أبدًا، إذا عُدّ الفَعَالُ الأفْضَلُ
  • من نقائض الشاعر الأخطل:[٧]

ألا يا اسْلمي يا هِندُ هِندَ بني بَدْرِ

وإنْ كان حيّانا عِدًى، آخِرَ الدَّهْرِ

وإن كنتِ قدْ أقصدتني إذ رَميتني

بسَهْمكِ، والرَّمي يُصيبُ، وما يدري

أسيلَة ُ مجرَى الدَّمعِ، أمّا وشاحُها

فجارٍ، وأمّا الحِجْلُ منها فما يجري

تموتُ وتحيا بالضجيعِ وتلتوي

بمطردِ المتمينِ منتبرِ الخصرِ

وكُنْتُمْ إذا تنأَون مِنّا، تَعَرَّضَتْ

خيالاتكمْ أو بتَّ منكمْ على ذكرِ

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ت "فن النقائض"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 01-12-2019. بتصرّف.
  2. "خصائص فن النقائض"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 02-12-2019. بتصرّف.
  3. "ما لا تعرفه عن جرير"، www.arageek.com، اطّلع عليه بتاريخ 04-12-2019. بتصرّف.
  4. "ما لا تعرفه عن الأخطل التغلبي"، www.arageek.com، اطّلع عليه بتاريخ 04-12-2019. بتصرّف.
  5. "بَانَ الخَليطُ بَرَامَتَينِ فَوَدّعُوا"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 04-12-2019.
  6. "إن الذي سمك السماء"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 04-12-2019.
  7. "ألا يا اسْلمي يا هِندُ هِندَ بني بَدْرِ"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 04-12-2019.