تعبير عن مهنة النجار

تعبير عن مهنة النجار
تعبير عن مهنة النجار

مهنة النجار فكرة اشتعلت من الطبيعة

قال تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} هذا وصفُ القرآن لسفينة نوح، فسيِّدنا نوح علَّمه ربّ العالمين صُنع الفُلْك الذي تألّف من عدَّة طوابق مصنَّفةً للإنسان والحيوان والزاد، وصنعها من ألواح الأشجار والمسامير، حيث نقلت الأتقياء إلى أرض السلام بعد الطوفان الذي قضى على عَبَدة الأصنام، وانتقلت هذه الصنعة من عصرٍ لعصر حتى وصلت إلى يومنا هذا.

ما زالت نظرة الإنسان إلى الأشجار نظرة عشقٍ ومحبَّةٍ؛ لما فيها من منافع كثيرةٍ تجلب الرزق والدفء، وهي مصدر وحيٍ لكلّ فنّانٍ من نحَّاتٍ وحطَّابٍ ومزارعٍ ونجَّارٍ، وقد اهتدى الإنسان قديمًا إلى صنع أدواته من الأشجار فبنى البيوت وصنع الأثاث وصنع الرماح وأشعل النار.

كان النجَّار قديمًا يستعمل بعض الأدوات اليدويَّة، مثل: المنشار، والقَدُّوم، والمسامير، والأشجار المتوفِّرة في بيئته، أمَّا اليوم فقد تطوَّرت هذه المهنة كثيرًا؛ فاختُرعت الآلات بأنواعها للقطْع والحفر والحفّ وأنواع الغراء واللواصق، واستُوردت جميع أنواع الأشجار من مختلف البلاد.

كما أصبحت النجارة تُدرَّس للفتيان في مراكز التدريب المهنيّ، وليس فقط في ورشة النجارة، وتفنَّن النجَّار بتقديم أجمل التصاميم بإنتاج مختلف أنواع البيوت والأرائك والأسرَّة وأدوات مطبخه.

مهنة النجار تنمو بالكد والجهد

كان جدِّي -رحمه الله- نجَّارًا عصاميًّا فقد أبدع في مهنته، وكان مَن يدخل منزله يعرف أنَّ صاحبه فنَّان لما كان فيه من جماليَّاتٍ في الأثاث والزخارف، وقد طلبتُ مرةً من أمّي أن تُحدِّثني عن عمل جدِّي، فحدَّثتني مبتسمةً: كان -رحمه الله- شخصًا ناجحًا تنبعث منه رائحة النشارة خاصَّةً في فصل الشتاء، وكان يعمل بكلّ إتقان، حَتَّى إنّ جميع الزبائن تمدح عمله.

كان جدي يقول دائمًا هذه المهنة يا بُنيّ تتطلب الأمانة والإتقان وبذل الجهد، ولا بُدَّ من الصبر والكدّ، وكلَّما أعطيت من عزمك وقوَّتك وفنّك أقبلت الأفئدة إليك تطلب من أعمالك، وأضافت أمي: كم من المرَّات سمعنا المديح والشكر لعمله الرائع ممّن كان يشتري منه من الأثاث.

أترى هذه الأملاك التي يمتلكها جدُّك؟ هذه كلّها بما درَّت وجادت عليه أموال النجارة، فقد امتلك عدَّة مناجر ومعارض واشترى لنا ولإخوته بيتًا، وترك بيت العائلة الذي ورَّثه لبعض الأقارب أجرًا ومثوبةً، كان جدُّك -رحمه الله- معلِّمًا حقيقيًّا علَّم الأجيال من أبناء عمومته وأبناء إخوته وإخوتي.

أسّس جدي آخر أيّامه شركةً ضمّت العديد من أبناء البلد والعمالة الوافدة والتي فتحت بيوتًا كثيرةً، وسترت عائلاتٍ فقيرةً، واليوم ورث كل هذا الأبناء وعملوا على الزيادة في كل شيء وتوسّع عملهم، فأصبحوا يُصدِّرون أعمالهم وتصاميمهم إلى البلاد المجاورة، ويتبادلون هذه الأشياء فيما بينهم من أصحاب الشركات المحلية.

مهنة النجار يزخرفها كل حين ومضات الأفكار المبدعة

دُعيت مرةً إلى معرض منحوتاتٍ ومشغولات خشبية فبُهِرتُّ بما رأيت من جمال، فقد رأيت التماثيل الني شُكِّلت كحيوانات لتُوضع على المدخل، مثل: الأُسود والخيول، ورأيت تماثيلَ على شكل القرويّات اللواتي يحملنَ جرار المياه.

تزيَّن المعرض بأدوات المطابخ كالأطباق والصواني والملاعق والزهريات ومنفضات السجائر، وحتّى الفناجين فهي مزخرفةٌ ومصبوغةٌ بدهانٍ خفيف ذهبي جميل، كل هذا كان يُباع بأسعارٍ باهظة الثمن ولكنَّها تستحقّ.

اشتغل أخي بالنجارة مع أخوالي، في البداية كان سعيدًا بما يُنتجه؛ لأنّه يشتغل على ماكنةٍ للحفر فهي تُعطي أجمل الزخارف، إلا أنّه كرهها بسبب الحادث الذي أصاب أحد العمَّال، ممّا أدى إلى قطع أصابع يده، لم يقتنع أخي أنَّ لكل مهنة مخاطرَ وعيوبًا، وأنّ كل شخص مُعرّض للحوادث بسبب الآلات الحادة سواءً أكان عاملًا أم حتى أطفالًا أم ربّات بيوت.

من الأشياء التي يتعرض لها النجار الخسارة، فهو مُعرَّضٌ لأن يخسر شغله الذي عمل عليه؛ وذلك إمّا بسبب رفض الزبون أو كساد البضاعة والمشغولات أو تعرُّض المنجرة -لا قدَّر الله- للاحتراق، فكلّ ذلك بقدرٍ يُقدِّره الله.

مهنة النجار تجود على صاحبها كالغيث السحِّ الغدق

النجارة من المهن المفيدة التي أَحبّها حتى بعض النساء التي اشتغلت فيها، فقد سمعتُ الكثير عن النساء اللواتي يتمتَّعن بجرأة ولياقةٍ بدنية عاليةٍ، وعندهنَّ الحسّ الفني لهذه المهنة وسمعت عن بعضهنّ اللواتي لا مُعيل لهنّ ولأسرهنّ فيعملون بالنجارة.

يُمكن كذلك لذوي الاحتياجات الخاصة العمل بالنجارة من خلال قسم التنجيد والخياطة، يا لها من مهنة جميلة تضمّ أشخاصًا من مختلف الأنواع تدرّ عليهم الخير الوفير، ولم يتَوقّف الأمر عند جدي بل كان أبناء العائلة عندنا نجّارين يتمتَّعون بحسٍّ فني ومكانة مرموقة عالية وسمعة طيبة في البلاد.

كما أنّهم يملكون العديد من المحال التجارية من متاجر وعروض يشتغل بها عدد كبير من العمال، وامتدّ عملهم ليشمل البلدان المجاورة فتتم بينهم عقودًا من شركات عالمية، فيتبادلون الخبرات ليكونوا سفراءَ لهذه المهنة العظيمة، وكانوا أيضًا يُموّلون شركاتهم في بلدنا ويبعثوا لهم أحدث التصاميم لزيادة الإبداع والعظمة.

كلّ هذه الخيرات التي عمَّت العائلة والبلاد بسبب أسلوب جدي، فكم كنت أسمع عنه وعن أسلوبه في التعامل فكان يحرص على المعاملة الطيبة والصبر على زملائه في المهنة وذلك حين يتعامل بالمال، فلا يضغط عليهم بتسديدٍ أو استلام بضاعة.

يقول جدّي: أوصانا الرسول الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- بإخواننا وذلك حين قال: "الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"، وقال أيضًا: "المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضًا".

في الختام، هذه المهنة كلها ذوق وأخلاق، فلماذا لا نتعامل مع البشر بأخلاق الإسلام الحميدة ووصايا الرسول الكريم؟ دعانا أخوالي مؤخَّرًا لزيارة بيت الجد فدخلنا غرفة الضيوف ذات الأبواب ورأينا ما فيها من صور الأجداد، وكم كانت عظيمةً إطاراتها المزخرفة المنحوتة بالورود وأوراق الأشجار، فقلت في نفسي: كم تتجلّى عظمة النجار بالإبداع!

7 مشاهدة