تعبير عن الأمل والتفاؤل

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:١١ ، ١٧ ديسمبر ٢٠٢٠
تعبير عن الأمل والتفاؤل

ما العلاقة بين الأمل والتفاؤل؟

إنّ العلاقة بين الأمل والتفاؤل علاقة أزليّة تبدأ منذ زمن بعيد يتطاول، فالتفاؤل شرطٌ للأمل، والأمل مربوط بالتفاؤل، فنحن عندما نتفاءل فلأنّ الأمل موجود، فإذا غاب الأملُ صار التفاؤل لا فائدة منه، فإنّ الفرق بين الأمل والتفاؤل هو خيطٌ دقيق؛ إذ كثيرًا ما يُخلَط بين المفهومين، فالأمل هو الظنّ الحسَنُ بأنّ ما سيأتي هو خيرٌ بإذن الله، ومن هنا يأتي التفاؤل بأنّ الأملَ ما يزال موجودًا، فإذا كان أملنا ضعيفًا كان التفاؤل أضعف، وإن كان الأمل كبيرًا كان التفاؤل كبيرًا جدًّا.


لذا فقد كان التفاؤل في الإسلام سُنّة عن النبي المصطفى -صلّى الله عليه وسلّم-، بينما كان التشاؤم منبوذًا، وقد وصف النبي -صلّى الله عليه وسلّم- التطيّر بأنّه شركٌ بالله تعالى، فالتطيّر هو أن يعتقد الإنسان أنّ شيئًا ما قد يتسبّب بحلول المصائب، فهو بذلك قد أشرَكَ ذلك الشيء بالتحكّم بالقضاء والقدر، وتلك الأمور لا يقدر على التحكّم فيها إلّا الله -سبحانه- وحده.


بل كان ديدنه -عليه الصلاة والسلام- التفاؤل والأمل الكبير باللّه سبحانه وتعالى، وهذا الأمل الكبير لا يكون إلّا بالإيمان العميق بقدرة الله سبحانه على التصرّف في كلّ أمر، وبأنّه تعالى لا يأتي إلّا بالخير وإن رآه بعض الناس شرًّا، فقد كان يقول -صلّى الله عليه وسلّم-: "لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ، ويُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ"[١]، فهو إذًا ينهى عن التطيّر والتشاؤم، ويحثّ على التفاؤل والظن الحسن بالله تعالى، فالكلمة الحسنة التي يقولها الإنسان تكون سببًا في الروح الإيجابيّة التي ستسيطر عليه حينها.


ممّا يحثّ على ضرورة التفاؤل والظن الحسن بالمستقبل هو الحديث القدسيّ الذي يقول فيه الله تعالى: "أنا عندَ ظنِّ عبدي بي إنْ ظنَّ خيرًا فله وإنْ ظنَّ شرًّا فله"[٢]، فالله تعالى قد خيّر الإنسان بين هذين الأمرين، وله الخِيار في ذلك، فالعاقل حين يعلم بهذا الحديث سيختار أن يظنّ الخير بالله تعالى، ويتفاءل ويظن بالله خيرًا في كلّ أمور حياته، فمهما يكن من أمرٍ فهو لن يكون أعلمَ بمصلحته من الذي قد خلَقَه ونفخ فيه الروح.


كثيرًا ما اعتقدنا في بعض الأمور من حياتنا أنّ هذا القدر الذي أصابنا هو شر، ولكنّنا بعد مدّة نرى أنّ ما أصابنا إلّا الخير، فنحمد الله الذي اختار لنا ولم يخيّرنا، وكان أحد الصالحين يُكثر من دعاء: "اللهم اختر لي ولا تخيّرني"، وهذا جوهر الدّعاء وهو معنى التسليم لقضاء الله تعالى، ومعنى أن يعتقد الإنسان أنّ الخيرة فيما اختاره الله تعالى له، فهذا ممّا يزيد المؤمن إيمانًا بقدرة الله تعالى على تصريف الأمور على النحو الذي ينبغي لهذا الكون، فلو سار الكون كما نريد نحن البشر لساده الخراب والدمار ولعلا بعض الناس على بعض.


كيف نحيي الأمل والتفاؤل في قلوبنا؟

إنّ التفاؤل في الحياة -كما سلف- هو أمرٌ ضروريٌّ لاستمرارها على النحو الذي ينبغي، وإن قلنا لاستمرارها لم نجانب الحقيقة، فالأملُ أوّلًا لا ينبغي أن ينحصر في الدنيا فقط، فلو انحصر في الدنيا لجرّ ذلك على الإنسان الويلات كما يحدث في كثير من المجتمعات الماديّة التي ينحصر تفكير الناس فيها في الدنيا فقط، فإذا وصلَ الإنسان إلى ما يريد لم يعد له حاجة في الحياة، فينهي حياته بيديه ظنًّا منه أنّ الحياة تنتهي بانتهاء الدنيا، ولكن ليس الأمر بهذه البساطة ولا بهذه السطحيّة؛ فالدّنيا هي ممرّ للحياة الأبديّة التي ينبغي للمرء التفاؤل فيها.


حكى لي أبي أنّ أكثر المجتمعات الصناعيّة تكثر فيها حوادث الانتحار، والسبب يكون ضغط العمل أو فقدان الأمل من كلّ شيء، أو الوصول إلى مكان يعتقد الإنسان أنّه لن يبلغ أعلى منه، أو أن يعتقد أنّه قد حقّق حلمه ووقف في ذلك المكان الذي تمنّى أن يقف فيه، فالأمل لا يكون كذلك ولا التفاؤل أيضًا، بل التفاؤل والأمل يكونان إذا فهم الإنسان أنّ الحياة لن تنتهي بإخفاق في مجال ما، وبأنّ الخطأ سيُصحّح، وبأنّه ما يزال هناك متّسع من الأمل ليحيا به الإنسان.


أوّل خطوة حتى يحيا الأمل والتفاؤل فينا هو أن نعتقد بأنّ الله تعالى معنا في كلّ شؤون حياتنا، وبأنّه هو الذي سيدبّر لنا الأمر، وبأنّنا إن تخلّينا عن أملنا بأنّه سيكون لنا سندًا وعونًا فإنّنا سنقع ولن نجد من ينتشلنا، فنقرأ آيات الله تعالى التي تخبرنا بأنّ الله معنا، وبأنّ الأوان لم يفُت، وبأنّ الأمل موجود طالما كان إيماننا بالله كبيرًا.


الذي يقرأ في قصص الأوّلين يكبر الأملُ في داخله ويحيا حتّى تكاد شجرته تُلامس الغيوم، كان أبي كثيرًا ما يقول لي إنّ هناك آية قرآنية عن الأمل كلّما سمعها ترتاح نفسه وتسكن وتسعَد بنموّ الأمل فيها، وهي قوله تعالى: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}[٣]، كان عندما يتلوها يلتفت إليّ وهو يقول: إن كان الله معنا فمن علينا؟ سألته مرّة: ولكن يا أبي، هذه آية في القرآن الكريم، فهل نحن المقصودون بها؟


قال لي: هذه الآية على لسان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- حين كان هو والصدّيق أبو بكر -رضي الله عنه- في غار ثور أثناء طريقهما إلى المدينة في الهجرة المباركة، فكان المشركون يُطاردونهم ووصلوا إلى الغار الذي يجلس فيه النبي -صلّى الله عليه وسلّم- وصاحبه، فخاف أبو بكر من أن يُمسك بهم الكفّار، فقال له النبي -صلّى الله عليه وسلّم- مُطَمئِنًا: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}[٣]، فبهذه الكلمات رفع النبي -عليه الصلاة والسلام- من منسوب الأمل عن أبي بكر، وجعله متفائلًا بأنّهم سيصلون إلى المدينة وستقوى شوكة الإسلام وسينتصر الحق.


العاصي مثلًا يعتقد أنّ القطار قد فاته بسبب كثرة ما اقترفه، ولكن الذي يمكن أن يزرع الأمل في نفس هذا العاصي قول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ ۚ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[٤]، فالعاصي بعد أن يسمع هذه الآية سيعود الأمل إلى قلبه من جديد وينمو ويكبر حتى يأكل قلبه من ثمار شجرة الأمل التي نبتت ثمّ علَت فروعها في قلبه بلمحة عين، وكلّ قلبٍ يجب أن يبحث عن الأمل الذي يناسبه ويتشبّث به.


ما أهمية الأمل والتفاؤل في صنع المستقبل؟

قد مرّ آنفًا أنّ الأمل والتفاؤل رديفان لأيّ نجاح قد يصنعه البشر في هذه الحياة، والمستقبل هو الزمان الذي يشغل تفكير الناس في هذه الحياة، فكلّ نجاحاتهم وطموحاتهم مُرتبطة بزمنٍ قادم اسمه المستقبل، فلو ضاع الأمل أو التفاؤل أحدهما أو كلاهما فذلك نذير بضياع الأحلام والطموحات المرتبطة بالمستقبل والتي قد خطط لها الإنسان كثيرًا.


لعلّ خير ما أذكره في هذا المجال قصّة قد قرأتها ذات يوم في كتاب يحوي مجموعة قصص قصيرة، كان بطل هذه القصة شاب عنده أخ أكبر منه، كان هذا الأخ الأكبر يتعثّر في حياته كثيرًا، فأرسله والده لدراسة فرع في الجامعة مُرغمًا، فذهب إلى الجامعة التي كانت في أجمل مدينة في الوطن، ولكنّه قد ذهب مرغمًا فلم يرَ شيئًا من جمال المدينة، ولم يحبَّ ذلك الفرع، فكان يرسب ووالده يعاقبه، فكان الأخ الأكبر يحدّث الأخ الأصغر عن سوء حال تلك المدينة وتلك الجامعة، فصار الفتى بطل القصة يتبنّى رؤية أخيه وصار يكره تلك الأمكنة.


سيطر التشاؤم على حال الأخ الأصغر الذي كان مِن المُقرّر أن يذهب إلى ذات المدينة ويدرس فيها، وتحطّمت آماله وطموحاته وتهشّم جدار مستقبله الضعيف أصلًا والذي لم يكتمل بعد، ولكن حدثَ أمرٌ جعل حياة الأخ الأصغر تنقلب رأسًا على عقب، فذات مرة ذهب عمّ الأخوين في تجارة إلى تلك المدينة، وقرّر أن يأخذ الأخ الأصغر معه في نزهة إلى تلك المدينة، وعندما وصلا رأى الأخ الصغير أنّ المدينة جميلة وليست كما وصفها أخوه، وجامعتها تكاد تكون أعجوبة من أعاجيب تلك البلاد، فعندها علِمَ أنّ كره أخيه للفرع الجامعي الذي يدرسه هو ما جعله يرى المدينة وكأنّ السواد يلفّها من أطرافها كافّة.


عندها عاد الأمل إلى قلب الأخ الصغير، واجتهد ودرس وسافر إلى تلك المدينة ودرس فيها وتخرّج في جامعتها، وعلِمَ أنّ الحياة هي تصوير النفس للواقع من حولها، فلو بقي الأخ مُتشائمًا لما استطاع الدراسة ولكان مصيره الإخفاق، ولكنّه حينما آمنَ بنفسه وأخذ عن الحياة تصوّرًا خاصًّا به صار الأمل في قلبه عاليًا واستطاع بذلك أن يبني لنفسه مستقبلًا مشرقًا ينظر إليه كلّ يوم في المرآة وهو يردّد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا الله}.[٥]

المراجع[+]

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:5756، حديث صحيح.
  2. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:639، أخرج ابن حبان هذا الحديث في صحيحه.
  3. ^ أ ب سورة التوبة، آية:40
  4. سورة الزمر، آية:53
  5. سورة الأعراف، آية:43