الفن التجريدي وأنواعه

الفن التجريدي وأنواعه


مفهوم الفن التجريدي

يعد الفن التجريدي من جملة الفنون البصرية المرئية، والتي تتفرع لعدة فنون منها: الرسم والنحت والحفر بأنواعهم ومجالاتهم، وقد ظهر هذا الفن في أواخر القرن التاسع عشر، ويقال عن التجريدي من الفنون بالفن اللا تمثيلي أو العشوائي المنظم أو غير معروف الهدف، ويشمل جميع الفنون المرئية والتي قد لا تحتوي على الصور والأفكار من عالمنا المحسوس من الناحية المرئية، ويتكوّن هذا النوع من الفن من ثلة عناصر يرتكز عليها وهي: الشكل، واللون، والخط، والموسيقى، واللمسة.[١]


أنواع الفن التجريدي

قبل الخوض في أنواع الفن التجريدي لابدّ من التأمل في مفهوم التجريد ومناقشة أهميته في الدلالة على هذا الفن. والتجريد هنا هو اللاتمثيل بمعنى أن الموضوع الفني لا شيئيّ أو بمعنى آخر غير مشخص؛ فلا ينقل الأشياء الموجودة في الطبيعة إنّما يخلق موضوعا فنيًا، وهو بهذا التجريد كما يرى مارسيل بريون يكون أقدر على التعبير عن الروحانية العالية العميقة من الفن التشبيهي، وأقدر أيضًا على إثارة حالات عاطفية وانفعالية أكثر محضية من تلك التي يثيرها الشكل التمثيلي.[٢]


كان عبد الفتاح الديدي يناقش الفكرة نفسها لكنه يعبر عن مفهوم التجريد بما يعاكس المفهوم الذي يوحي به فيقول: "الفن التجريدي عيني"[٢]، وحتى نستبين هذا الجانب اللا تمثيلي، اللا تشبيهي في التجريد والذي به يخلق الموضوع الفني دون أن يصبح شيئيًا لا بد من معرفة أنواع هذا التجريد ومدارسه.[٢]


لقراءة المزيد، انظر هنا: ما هو الفن التجريدي.


الرؤية التجريدية المطلقة

بدأت المدرسة التجريدية التعبيرية في عام 1910م في شمال روسيا مع الفنان الروسي كاندينسكي، وذلك مع لوحة له تخلو من كل شيء إلا بضعة بقع ضوئية ملونة، إذ يحكي أنه فتح الباب ودخل فطالعته وهي مقلوبة فوق الحمالة دون موضوع بعينه أو تصور لأي شيء، وقد شعر بسحر مدهش جعله يتساءل: "هل الرسم الذي لا يصورالأشياء ولا ينهل من العالم الخارجي لا يزال رسمًا؟"، التجريد هنا أننا نطالع لوحة تفيض بالغنائية والذاتية دون أن يكون فيها موضوع أو حكاية.[٣]


من سمات هذه المدرسة أنّ الفن يمكن أن يتم بخطوط أفقية وعمودية بلا موضوع أو حكاية، إنما فقط بالاعتماد على هذا التكافؤ والتوازن، فالفنان يعبرعن عاطفته وشواغله لا بإعادة تشكيل الأشياء الموجودة في الطبيعة إنّما بالبنى الشكلية واللونية المحضة، ومن أشهر رواد هذه المدرسة بعد كاندنيسكي بيت موندريان الذي اتسمت أعماله بمبدأ التجريد المطلق، حيث يتصاعد في تجريد الهيئة الطبيعية الحقيقية إلى جعلها مجرد أشكال وخطوط ومنحنيات وألوان، فيفكك الخطوط ويرجعها إلى مركباتها في متوالية يدمج بها التعبير الشكلي بالحركي بالموسيقي معتمدًا على تكافؤ المساحات واتزان الفراغات.[٣]


الرؤية التجريدية التكعيبية

تعد المدرسة التكعيبية ثورة في الفن قامت بين عامي 1907م ـ 1914م في بلدية إفينيون من إقليم فوكلوز الفرنسي، حيث تعرض لوحة بيكاسو المشهورة "بيت الدعارة الفلسفي" أو فتيات إفينيون في مرسم في شارع رافينيان، وقد قدم بيكاسو هذه الأعمال تحت تأثير الفن والنحت الزنجي وأعمال سيزان.[٤]


كانت هذه الأعمال نتاج تجارب مختلفة لبيكاسو مارس فيها النحت والحفر وتجريب الخامات والألوان، حتى خرج بها فصدم بجدتها كل من وقع بصره عليها، وكأنه يدعوه إلى إعادة النظر في ستة قرون من تاريخ الرسم، يحرف بيكاسو في لوحته وبشكل جوهري وجهين من وجوه فتيات اللوحة وجسدين فيها مستوحيًا ما زخرت به ذاكرته الفنية من الأقنعة الإفريقية وأشكال المنحوتات الخاصة بالأغراض الدينية عبر ألوان أشد نقاء وخشونة وقوة وجرأة ببساطة وبلا أي ظلال، أنجزها بعد شهر من التسكع في إفنيون في حالة ضياع تام بين المطاعم والبارات.[٥]


من سمات هذه المدرسة: الحرص على إدراك الاستقلالية الذاتية للأشياء والتعمق فيها من أجل الخروج عن الرؤية الخارجية، وذلك للوقوف على العناصر الجوهرية والقبض على الأسس الهندسية والمعمارية الدائمة والراسخة فتكون الأشياء ومنها تكون ديمومتها واستمرارها، ولقبت هذه المدرسة بالرسم التجريدي الهندسي، ومن أشهر روادها الإسباني بيكاسو والفرنسي جورج براك.[٣]


الرؤية التجريدية التعبيرية

تضرب المدرسة التعبيرية بجذورها في الحركة الرومانسية التي كانت تنادي في جميع أصقاع أوروبا بالتعبيرعن العاطفة والمشاعر الفردية، وخاصة لدى الفلاسفة الألمان كجوته وشيلر ولدى فنانين كوالتر رالي ولدى منظرين اشتغلوا عليها فزادوها جلاء وزادوها غموضًا كبنديتو كروتشه وكاريت وهربرت ريد[٦]، ذهب فان غوخ الهولندي بالتجريد إلى منطقة أخرى تقول: "إن المشاكل الإنسانية أكثر أهمية وإلحاحًا من المشاكل التشكيلية المحضة".[٦]


نظرًا لأهمية ذلك في إبراز الانتماء من خلال التعبير رغم ما في يتكون من اضطرابات على المستوى الداخلي، وهذه المشكلات أدت إلى ربط التجريب المصحوب بالتعبير وتكوينه من خلال أدوات الفنان ألا وهي الألوان، حتى يصبحان لوحة مخثّرة تعكس ما هو ذاتي من جهة وباطني عميق من جهة أخرى، ليغدو جوهر المضمون جوهر الفصل بين الفن المجرد من جهة والتشكيل الفني من جهة أخرى.[٦]


من سمات هذه المدرسة أنّها تربط الفن بالمشاعر والانفعالات الإنسانية المعاشة، حيث يصبح اللون والخط تعبيرين موصولين بأزمة الإنسان، ومن هذه الأزمة يستقيان حرارتهما وضوءهما وطاقتهما الفنية، فالصورالنفسية لا الخارجية هي الأمر المهم، ومن روادها: إدوار مونش ودومييه وجيمس إنسور وسواهم الكثير.[٦]


الرسم الحركي

يعتمد هذا النوع من الرسم على ضربة الفرشاة، حيث تكون بؤرة الاهتمام ومحل التركيز كامنة في ملمس اللوحة، ومِن أشهر مَن عُرف بذلك جاكسون بولوك الذي فشل كثيرًا لكنه كان يرسم بالفطرة وصار بعد ذلك ضمن عظماء الفنانين بسبب امرأة سددت خطوته وروت ظمأه.[٦]


رسم المساحات اللونية

يُعبّر الفنان في هذا النوع من الرسم عن وجدانه وانفعالاته وعاطفته عبر استغلال المساحات وإقامة التوازن بينها والاستفادة من الألوان والأشكال والفراغات، ومن أشهر من استفاد من هذا الشكل التجريدي مارك روثكو بلوحاته الكبيرة التي لم يخترها لمجرد الأبهة والفخامة، وإنّما طلبًا للمزيد من الإشراق والحميمية والإنسانية.[٦]


لقراءة المزيد، انظر هنا: ما هو الفرق بين الفن التعبيري والانطباعي.

المراجع[+]

  1. فؤاد دحدوح، محاضرات في الفن التجريدي، صفحة 18_19. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت عبد الفتاح الديدي، الاتجاهات المعاصرة في الفلسفة، صفحة 81. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت خالد فواز، المذهب التجريدي، صفحة 128. بتصرّف.
  4. فوزي القشاش، مشاكل الفن الحديث، صفحة 107. بتصرّف.
  5. عادل أسعد الميرى، فخ البراءة، صفحة 21. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث ج ح محمود قاسم، اللوحة والشاشة، صفحة 42. بتصرّف.