نص وصفي قصير

نص وصفي قصير

دموع السماء تروي قصة الكرم الإلهي

باتت العيون ترقب تلك الفسحة السَّماوية التي ضمَّت إلى أحضانها قطع الغيوم الرَّمادية والتّي تاهت في رحاب السَّماء بعد أن حمَّلها البشر الكثير من آمالهم وأمانيهم، فكانت السَّماء لهذه الغيوم كذاك الرَّاعي الذي اقتاد قطيع أغنامه إلى فسحة الوادي، بل تبدو السَّماء بحنوِّها على قطع الغيوم المتناثرة كأمٍّ رؤومٍ ترقب أبناءها بعيني الحذر والخوف من ضياعهم.


ما هي إلَّا لحظات قليلة مرَّت على السَّماء بخطواتها الثِّقال، حتَّى ضجَّت السَّماء بتلك الموسيقى الصَّاخبة التي صمَّت الآذان ورجفت لها جبال الغيوم المتماسكة، إنَّه الرَّعد جاء ليعلن أنَّ السَّماء ستتمخض عن الرَّحمة الإلهيَّة والكرَّم الرَّباني، وكامرأةٍ في لحظات ولادتها العصيبة عانت تلك السَّماء من ألم البرق الذي شقَّ أوصالها بلونه الذَّهبي ليعانق قمم الجبال والأشجار بلوحةٍ تعلوها الرَّوعة ويشوبها الأمل والخوف.


ما هي إلا لحظات هدوء قليلة كان لها السِّيادة في محكمة السَّماء، لتأتي دموعٌ سالت من عيني السَّماء المتألمَّة محطِّمةً حاجز الصَّمت هذا، ولتعلن بعدها الفرح بصوت قطرات المياه تلك القطرات التي كانت أشبه بصوت بكاء مولود صغير، صوتٌ يسدل السِّتار معلنًا انتهاء الألم وبدءَ الأمل، فعلى الرُّغم من الألم الذي تقاصيه السَّماء إلَّا أنَّها تعدُّ نفسها تلك النِّعمة الرَّبانيَّة والرِّسالة الإلهية، سماءٌ قضت وقتها الشَّتوي بسبات الشَّمس خلف تلك الغيوم التي كانت أشبه بسورٍ احتجز خلفه عالم السَّماء بأسراره، وإن أرادت السَّماء يومًا أن تعلن أن الشَّمس ما زالت في أحضانها، أرسلت بعضًا من أشعة الشَّمس الخجلة أو الخائفة ربما، لتكسر ذاك السُّواد الذي ازدانت به السَّماء لفترةٍ طويلة.

أحاديث السماء والقمر في أمسية صيفية

الحرُّ واللَّظى هذا ما عانته السَّماء برفقة شمسٍ اتَّخذت من النَّار رداءً لها في فصلٍ آل على نفسه أن يذيق النَّاس نفحاتٍ من جهنَّم، عاملت السَّماءُ الشَّمسَ بكلّ ودٍّ واحترامّ مستمعةً لقصص الشَّمس التي تتبجَّح بها، وكيف أنَّها قادرةٌ بقوتها وحرارتها أن تخفي جمال السَّماء عن الأعين، وتمنع النَّاس من النَّظر إلها والاستمتاع بجمالها، وانتظرت السَّماء انقضاء ساعات النَّهارالطَّويلة بفارغ الصَّبر، وهي ترقُب موعد مغادرة الشَّمس التي آلمتها بحرارتها، فتلك هي الشَّمس تغادر مملكة السَّماء ململمةً أشعتها التي نثرتها في أرجائها، لتسارع السَّماء إلى خلع ثوبها الذَّهبي الذي ألبستها إياه الشَّمسُ عنوةً عنها.


وترتدي عوضًا عنه ثوبها الأزرق المزيَّن بتلك الماسات الذَّهبية، لتبدو به وكأنَّها حسناء ازدانت بأجمل ثيابها لاستقبال حبيبها القمر، ذاك الحبيب الذي أطلَّ عليها بحلته البيضاء مع حاشيته من نجوم وشهب، ولا يكاد الرائي يرقب ذاك المنظر الحميميِّ المهيب، حتَّى يشعر ويسمع تلك الهمسات العاشقة التي تبثّها السَّماء للقمر، محدثةً إياه عمَّا قاسته من رفقة الشَّمس الحارقة، وأنَّه سيبقى الملجأ الوحيد الذي يشاركها زفراتها، لتكون تلك الزَّفرات والآهات نسمات رطبة تسري عن النَّاس حرَّ الصَّيف.

سماء الخريف الكئيبة

امتلأت السَّماء بصرخات الألم التي أطلقتها حناجر الطِّيور التي قررت الرَّحيل عن حضن السَّماء الذي عاشت به أجمل الذِّكريات، وها هي السَّماء ترقب أسراب الطِّيور المهاجرة التي طالما آنستها بعزفها المبدع بعينين حزينتين، اكتست السَّماء بثوبها الذي شابته حمرة تضرَّجت بها، وكأن أحد طيورها آثر الانتحار على أعتابها من أن يفارق ذاك الحضن الدَّافئ الذي رسم فيه أجمل أحلامه.


فاستدعت السَّماء أعوانها من غيمٍ ورياحٍ علَّها تثني أبناءها الطُّيور عن مغادرتهم في ذاك الفصل الخريفيِّ الحزين، ولكن باءت كل محاولاتها بالفشل، وما هي إلا بضع دقائق معدودة مرَّت ع السَّماء وهي تخوض أشرس معركة في الحفاظ على فلذات أكبادها تحت جنحها، وإذ بالصمت يسود مع غياب آخر صوت من أصوات طيور السُّنونو، لتعلن السَّماء هزيمتها متوشِّحة بثوبها الرَّمادي حزنًا على فراق أحبتها، إنَّها سماء الخريف الكئيبة، وفي وصف سماء الخريف ومفارقتها لأحبابها قال محمود درويش واصفًا إيَّاها:[١]

يا له من خريف، ويا له من خريف
السماء لا هي زرقاء ولا هي بيضاء ولا رمادية، لأن الألوان وجهات نظر تختلف وتأتلف
الغيوم الصغيرة مناشف تمسح الرذاذ عن أعالي الجبال، وترتفع الجبال كلما دنت منها السماء
الأشجار كائنات أنثوية خرجت للتو من حمام السحاب لارتجاء طيور لا تهاجر اليوم، لأنّ الخريف لا يومئ إلى زمن ذابل وشجن
هو عرض أزياء احتفالي لاشتقاق اللون من اللا لون.


سماء الربيع تعانق الحياة من جديد

انقضت الفصول وبدت السَّماء منهكة القوى بعد ما مرَّ عليها من آلام فرقةٍ ودموعٍٍ وحرِّ لا يمكن لامرئ تحمّلها، فكيف بسماءٍ كانت الأمَّ والحضن والدِّفء لطيور السُّنونو التي ودَّعتها بعد أن شاركتها الكثير من أحلامها وأحاديثها، أعلنت السَّماء أنَّها قوية وستبقى قويَّة كما عهدها الجميع، فجفَّفت دموعها ومسحت آثار تعبها لتشرق من جديد بثوبها الزُّمردي المائل إلى الزُّرقة البرَّاقة، بعد أن تعبت من الاتِّشاح بالسَّواد والألوان الباردة الرَّمادية.


أحسَّت الشَّمس بأنَّ السَّماء قد أعلنت رفضها للفرقة التي أُرغمت عليها، وأنها بادرت إلى إبعاد الغيوم عن محيَّاها، فبدأت الشَّمس تداعب بأشعتها الدَّافئة أوصال السَّماء التي اشتعل فيها البرد يومًا كعظام امرأةٍ عجوزٍ نخرة، شعرت السَّماء بالدِّفء والحيويَّة تسري في أوصالها، وإذ بالطِّيور تعود من جديد إلى حضن السَّماء كأطفالٍ تاهت يومًا عن حضن والدتها، وكلٌّ منها يتمنَّى أن يكون السَّباق لحضن أمِّه، ليشعر بأمانها ودفئها ويعلن عن أسفه بأنَّه تركها يومًا لتعاني ألم الوحدة وتتجرع مرارة الشَّوق.


وها هي بقايا تلك الغيوم الشَّتويَّة المتلبِّدة تعود طفلةً بيضاء وديعة، ولتصبح أشبه بندف القطن الأبيض الذي يداعب السَّماء والشَّمس، وكأنَّه يعتذر عمَّا سبَّبه من ألمٍ لهما في فصل الشِّتاء، وامتلأت السَّماء صخبًا وحياةً كأنَّها مسرحٌ يعرض مراحل الحياة بأكملها.


لقراءة المزيد، انظر هنا: تعبير وصفي عن الطبيعة.

المراجع[+]

  1. "خريف ايطالي"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 06/03/2021م.