موضوع تعبير عن الريف

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٢٢ ، ٦ ديسمبر ٢٠٢٠
موضوع تعبير عن الريف

الريف يصحو على رائحة الياسمين

الحياة في الريف كثيرًا ما تختلف عن الحياة في المدينة، ها أنا الآن أكتب عن ريفي وأنا الذي عشت في المدينة لثلاثين عامًا، ولكن لم تكن سنواتي الأولى العشر تُشبه الثّلاثين الأخرى التي عشتها بين براثن المدينة، اسم الريف الذي وُلدت فيه هو تلّ معروف وكان يبعد عن المدينة حوالي الثلاثة أميال، فكنّا نستقل باصَيْن حتى نصل إلى المدينة حيث الحلم الذي كان يُراود أهل القرية جميعهم، فعندما يقول أحدهم أنّه سيذهب إلى المدينة يخيَّل للسامع وكأنّه سيُعرج به إلى السماء، وكم كان الأطفال يتسابقون ليصطحبوا الكبار في الذّهاب إلى المدينة.


أمَّا عن سبب تسمية قريتي بهذا الاسم فهو يعود إلى مئة عام أو يزيد، فيُذكر أنَّه ما من مارٍّ على القرية فيدخل إليها إلّا ويتسابق النَّاس حتى يأخذوه إلى بيوتهم ويُكرموه بالضيافة حتى الثلاثة أيام، وكم كان يحظى المنزل بالتّفاخُر على جيرانه حينما يحلّ الضيف عليهم ويطعمونه ويشربونه ويدعون المُختار على شرف تلك الوليمة الطَّيبة.


كان يغرق أهل الريف مساءً في نومهم ليصحوا على رائحة الياسمين تعبق في أرجاء الأراضي كلّها وصياح الديك يملأ الدنيا، وكانت تقول الخالة أم رضوان إن سمعتم دعاء الدّيك فادعوا الله بما تشاؤون فيُظَنُّ أنَّ ذلك الوقت محلّ إجابة، لم أدعُ الله يومها بالاغتراب عن ذلك الرّيف الحنون لكنّي دعوته بالمال الكثير حتى أتمكّن من شراء الحذاء الورديّ الذي أحببت، حتى الآن أدرك أنّني لم أكن أحتاج إلى ذلك المال ولا إلى الحذاء الورديِّ بل أحتاج إلى الطمأنينة التي كنت أتمتّع بها في ذلك الوقت بين أحضان الطبيعة التي كنَّا نعدها أمًّا ثانيةً لنا.


كانت العادة في بلدتنا أن يزرع كلٌّ منّا شجرة ويعتبرها أخًا له وكلّ فرد يستطيع أن يختار منالأشجار ما شاء، وأتذكّر يومها كيف ناداني أبي ليسألني عن أيّ الأنواع أشاء من الأشجار كي أزرعه ويومها اخترت الزيتون، ولمَّا سألني عن سبب اختياري ذلك قلتُ له: أبي ألم تقل لي أنّ الزيتون يعيش طويلًا؟، أنا أريد أن يعيش أخي لفترة طويلة فلا يموت، ليتني أكملت حياتي بتلك البراءة الطفولية.

أهل الريف بين بساطة العيش وأصالة النسيج

يملك كلّ رجلٍ من أهل القرية قطيعًا من الأغنام يقلّ أو يكثر تبعًا لأموال كلّ عائلة، وذلك لا يعني إلّا شيئًا واحدًا أنَّ أكبر قطيعٍ للأغنام كان يملكه المُختار فهو أكثر أهل القرية مالًا وجاهًا، وكنَّا نملك نحن عشرةً من الغنم وقطعة أرض يذهب والدي كلّ يوم لمُتابعة شؤونها الزراعيَّة، كنّا نستيقظ في كلّ صباح مع صياح الدّيك عندما تقترب الساعة من الخامسة فجرًا فنتوضأ حتى نتمّ واجبنا الدينيّ مع والدي جماعة، وكانت أمي وهي تُمثّل المرأة في الريف تأوي إلى تنورها فهي تُسرع في إنتاج عملية الخَبز حتى يستطيع والدي تناول الخُبز الطازج التنوريّ، إذ لا يميل إلى تناول الخبز المخبوز في اليوم السَّابق.


في ذلك الوقت لم نكن نعرف بهرجة المدينة ولا نتتبعها، إذ إنَّ ذلك لا يعنينا ولم أتّعرف إلّا في المدينة على جبنة بوك أو على حلاوة البرج، لقد كان يقتصر طعامنا على اللّبن الرّائب الذي تصنعه أمي من الحليب، فقد كانت تضعه كلّ الليل في"الكمرة" كما كانت تُسمّيها، ومن ثم تُبرده في الثلاجة التي جلبناها حديثًا وبعد ذلك يصلح للطعام، ولا بدَّ من وجود الجبنة البيضاء مع الزيتون الذي ننتجه من أرضنا، والمكدوس الذي تعده عمّتي أم سعيد والذي تتحدّث عنه البلدة بأكملها.


ثم يحين وقت الضُّحى فنذهب للّعب مع أصدقائي في الكرة، وننقسم عادة إلى فريقين وأكثر شخصٍ يكون مدعومًا في هذه اللعبة هو صاحب الكرة؛ لأنّنا لا نستطيع أن نلعب دون أن يلعب معنا وإن لم يرد فسنتسكّع في شوارع البلدة نلعب ببعض الأحجار المُتناثرة هنا وهناك، ثم نأوي في الظّهيرة إلى البيت لنحمي رؤوسنا من حرقة الشمس القاسية، وعادة ما نذهب في البيت إلى اللّعب بالماء مع إخوتي الصغار، وكانت تكتفي والدتنا بإرسال التهديدات التي اعتدنا عليها أنَّها ستُخبر والدنا بما نفعله وسنُجازى بأقصى العقاب، ولكنَّ شيئًا من ذلك لن يحدث.

الريف يحصد قمحه وأهله يحصدون الحب

لقد كانت الألفة والمحبة هي عنوان الحياة في الريف، فلو أراد المرء وصْف الطّبيعة في تلك البلدة فإنَّه بذلك يرمي إلى وصْف الريف أو وصف أهل الريف، لقد تقاسمنا معًا خبز الحب في تلاك الآونة، كنَّا نأوي إلى فراشنا عند غروب الشمس وتُطفئ والدتي الأنوار فنكتفي بالإضاءة الخافتة والتي تُعيننا على رؤية طريقنا إلى الحمام ليس أكثر، وفي هذه الأثناء نهرب إلى غرفة جدّتي أمّ علي حتى تقصّ لنا الحكاية، خِفيةً عن أمّي التي تُريدنا أن نأوي لى الفراش في الخامسة مساء حسب التوقيت الشتوي، والسّابعة حسب التوقيت الصيفيّ.


كانت جدتي تجلس على كرسيٍّ يُقال عنه كرسي المجمرة، ولأنّنا لا نشعل المدفأة في الشتاء ليلًا فكانت تحتفظ ببضع جمرات من الخشب الذي تجمَّر في المدفأة وتضعها تحت كرسيها الحديديّ في وعاء وتجلس عليه وعلى رأسها طاقية لا أذكر أني رأيتها خالعة لها سوى مرّة أو مرّتين، وتجلس على كرسيها تقصّ علينا حكايات شتّى عن غول الغابات ومغامرات السندباد.


كنت حينها أظنّ أنّنا نذهب لنستمع إلى الحكاية خفية عن أمي، لكنّي اكتشفت فيما بعد أنَّها تعلم كلّ شيء ولكنّها تتغافل عن ذلك حتى لا تؤذي مشاعر جدّتي، فقد كانت تعلم في ذلك الحين أنَّ جدتي تحتاج إلى أن تحكي تلك الحكاية أكثر من حاجتنا نحن للاستماع إليها، إنَّها تعود إلى الماضي في تلك الكلمات لتأنس بحياة عاشتها في قديم الزمان.

ينام الليل ولا ينام الريف

لمَّا كانت تنهي جدّتنا حكايتها التي تُغرقنا بالأفكار والتخيُّلات كنَّا ننام على وقْع تلك الكلمات في غرفتها الدافئة ولا أدري كيف كنّا نستيقظ ونحنُ في فراشنا، وفي بعض الليالي التي كان يُصيبنا الأرق فيها بعد أن نأخذ قسطًا جيدًا من النّوم في أوّل الليل كنتُ أسرق الخطوات وأقف لأستمتع بمشهد الليل في ريفنا الجميل، وأكثر ما كان يلفتني هو مشهد النجوم المُتعانقة والتي تحكي كثيرًا من الكلام في ذلك الليل الهادئ، كان يتبادر إلى سمعي كثيرٌ من العواء الذي لا أعرف مصدره ولكنَّه لم يكن مُخيفًا بل كان مُؤنسًا كلّ الأُنس.


كانت قطّة جارتنا أمّ ماجد تلعب في هذا الوقت المُتأخّر من الليل في الكرة التي صنعناها من الصوف صباح اليوم، الهواء عليلٌ والقمر يُضيء كلّ شيء، يُضيء حتى الأماكن التي لا يستطيع الوصول إليها طالما أضاء قلوبنا وحياتنا، كانت الريح تلعب في أغصان الأشجار مجيئًا وذهابًا وأسرح في خيالي كبطل إحدى الحكايا التي ترويها لي جدّتي وأظنّ أنَّ الريح في هذه الليلة ستصحبني إلى حيث لا أعلم لأكون بطلًا تتحدّث عني الجدّات قبل الخلود إلى النوم.


لم تكن الأحلام لتأخذني بعيدًا، فقد كان صوت خطوات أمّي يُعيدني إلى الواقع لأذهب إلى فراشي وأغطّي رأسي بالغطاء وأنا أرتجف خوفًا منها أن تراني مستيقظًا حتى هذه الساعة، ولكن مع هذا إلا أنَّ الأصوات في الخارج كانت تجذبني لأن أقف مرّة أخرى لأرى المَشهد الذي ما استطعت حتى الآن أن أصفه لا لأطفالي ولا إلى هذه الورقة البيضاء كما يجب.


الريف هو نقطة ضعفي الذي أغفو وكلّي حنين إليه كلّ يوم، الريف هو الأم الثانية التي أعشقها وأغفو عند قدميها، ترى ما الذي حدث لشجرة الزيتون التي كنتُ أغفو في الظّهيرة بين أحضانها وقد جعلتُها أخي، وهل شجرة التفاح التي كنت أقتات على ثمارها ريثما يحضر الغداء ما زالت على قيد الحياة!.


تراني لو لم أعش طفولتي في الرّيف كيف لي أن أحمل باقة الذكريات تلك التي آنس بها كل يوم؟، إنَّ في داخلي شفقة على صغاري لأنّهم لم يعيشوا تلك الأحداث التي تجعل من البشريّ ذاكرة يحسن التنقّل ما بين الحاضر والماضي، العلاقة بين الريف والمدينة أشبه بعلاقة ضرّتين لا تُحبّان بعضهما ولا يوجد فيهما أي شيء مشترك، الآن وأنا أكتب على هذه الورقة البيضاء التي امتلأت من دموعي قبل حبري آن لهذه الذاكرة أن تغفو قبل طلوع الفجر، وآن لمداد الحبر أن يجف بعد صفعات المدينة التي تُرهقني كلّ يوم ولا أجد منها سواء الجفاء والقسوة، ولكن قضت الحياة بالتطوّر الذي يُنسينا أنفسنا مع تتالي الأيام ومرورها.