موضوع عن وصف القرية

موضوع عن وصف القرية
موضوع عن وصف القرية

هذه هي قريتي

البلدة الصغيرة التي تتربّع على سفحٍ جبلٍ أخضر تُحيطه الغيوم من كلّ مكان، لم يكُن من الصّعب عليّ أن أمتطي دواتي في هذا اليوم الرَّبيعي الجميل حتى أصف قريتي الصغيرة التي ما زالت الأم الرؤوم لكل السَّاكنين فيها، يُطلق على قريتي اسم "السُّكريَّة"، وقد أطلق عليها ذلك الاسم بسبب عادة قديمة كانت تفعلها الجدّة الأولى وظلَّت مُتوارثة حتّى الآن، إذ كانت تجلس الجدّة أمام بيتها وهو بيت المختار وزوجها أيضًا وتُقدِّم السكاكر إلى الدَّاخلين والخارجين وتقول لهم: كُلوه فإنَّه من صنع يدي.


أجزم أنَّه لا ولن يُوجد ألذّ من تلك السكاكر فقد صُنعت بنفس طاهرٍ قرويّ، قريتي بعيدةٌ بعض الشيء عن المدينة ويقطُنها قرابة الخمسمئة رجل وامرأة وطفل، لم تكن مُكتظّةً بالسكّان، بل كان السكّان فيها كالزهور التي تُزيّن طبقًا من الفضّة أو الذّهب، يمتدّ من السكرية طريق واحد يُوصِل إلى المدينة، ويحتاجُ الرَّاكب قُرابة السَّاعتين من الزّمن حتّى يصل إلى أوّل المدينة، فنوعًا ما كانت قريتنا نائيةً عن النّاس بعيدة عن القاصدين، لا يُوجد في السكريّة سجنٌ أو مخفر للشرطة أو أي سكنة عسكرية، فلم نعتَد أبدًا على الاحتياج لمثل تلك المظاهر.


بل يُكتفى عادة برفع المشكلة إلى المُختار، ومن ثم تُحل القضيَّة مهما كانت كبيرة في غداء يُقيمه المختار على شرف العائلتين المُتخاصمتين، في بداية الأمر لم تكُن هناك مدرسة في القرية وكان الأطفال يذهبون لتعلُّم الحروف ومبادئ القراءة والكتابة عند الخالة أم تحسين، وأمَّا من يُخطئ في العدّ من الواحد حتّى العشرة فسيعلم أنَّ مصيره بضع ضربات من عصاها المُدوّرة على يديه.


أتى فيما بعد إلى المختار وفدٌ من المدينة يقترح افتتاح مدرسة في القرية وسيبعثون بأستاذ يقوم على تعليم الطّلبة، كانت فكرة جديدة على القرية عامّة وعلى أم تحسين بوجهٍ خاص إذ لم يكن من السهل أن تتنازل عن تفاخُرها في تعليمها رجال القرية بأجمعهم، ولكن ما باليد حيلة فقد تمَّ أمر المدرسة وانتهى الأمر، وتبرّع المختار بدارٍ صغيرة حتى يتمّ تعليم الطلبة فيها، وجاء إلى القرية ذلك الأستاذ الذي وقّفت السكريّة بأكملها لاستقباله، وكان يرتدي بنطالًا قماشًا من اللون الأزرق مع سترة من اللّون ذاته، ويحمل في يده الكراريس والكتب التي سيستخدمها.


كانت تمرّ أمّ تحسين كلّ يوم من جانب المدرسة لِتُلقي بعض الملاحظات على المعلم في كيفيّة تعليمه للطلاّب، وكان المدرِّس يُقدّر كلامها ويتقبّله بصدر رحب، وكان ذلك الأستاذ حديث القرية برمَّتها فهو المُتعلّم في"المدرسة الكبيرة" على حدّ تعبيرهم أي في"الجامعة"، كانت فتيات القرية يقفن دائمًا للنظر إلى ذلك الذي يرتدي بنطالًا وهنَّ اللاتي اعتدن على رؤية السّراويل يرتديها آباؤهن وإخوتهن، ولكن انتهى الأمر في نهاية المَطاف في زواج ابنة المختار من المعلّم، وفوزها على جميع صديقاتها.

كيف تبدو الطبيعة في القرية؟

تغلُب على القرية مَظاهر الطّبيعة الفاتنة؛ فالبُحيرة التي تبعد بضع دقائق عن وسط القرية تتجمّع حولها العائلات مساءً، صحيح أنَّها بحيرة صغيرة لكنَّها تبقى بُحيرة على أيّ حال، الورود لا تفرق في هذه القرية ما بين الصيف والشتاء، فأنا أراها في الفصلين معًا إذ لا تسقط وردة حتى تنبُت أختها وهكذا طيلة العام، عندما يقف النَّاظر على شرفة القرية يرى الوادي تحت قدميه تمامًا فتضارب الحياة أمامه ويختلط في عينيه سواد العمق ببياض الغيوم، لم يجرؤ أحد حتّى الآن أن ينزل ليرى ما في أسفل الوادي فهو مجهول للجميع.


عادة ما تُرى مَحاصيل الخضراوات في الصيف فتتربّع حقول البندورة على المشهد والفليفلة والبطاطا والدرة وغيرها من الخضروات التي يكتفون بها ذاتيًا، وما أجمل الغيوم حين تتشابك مع بعضها لِتصنع لوحة فنيّة يَراها النّاظر فيُفتَتن فيها، لم يكُن لأهل القرية نصيب من رؤية اللوحات الفنيّة العالميّة مثل لوحة الموناليزا أو الجوكاندا، لكنَّهم كانوا يستطيعون تعويض ذلك عن طريق اللّوحات الحيَّة التي يُعاينونها في كلّ آن.


لا شيء يعلو صباح الديك الذي ينطلق كلّ فجر مُعلِنًا ميلاد يوم جديد، والطبيعة الخلّابة تتشابك مع ذلك الصوت لِرسْم ما لم تسمعه الآذان إلّا في الروايات العالمية التي يختطّها دوستويفسكي باسطًا التفاصيل أمام قرّائه مُغرقهم فيها، الأزهار في هذه القرية لا تُشبه الأزهار الأخرى فهي تعقد في كلّ يومٍ جلسة تتحدث فيها عن الأمور التي رأتها وتُعايشها كلّ يوم مع أهل القرية، ودائمًا ما تكون أزهار النرجس على رأس ذلك الاجتماع فهي مُوزّعة في أرجاء القرية بأكملها وتُشاهد كلّ شيء عيانًا.


تَحكي الرّياح كلّ يوم قصّتها مع الأطفال والفتيات، فهي تُلاعب شعرهم وتَلمس بأناملها وجوههم البريئة واللّطيفة التي غفت قبل يومٍ على حكايات الجدة الكبيرة، تُغرّد العصافير مع كلّ صباح مُشرق وتُلاعب الأغصان في زقزقةٍ تُشبه ألحان بيتهوفن ودائمًا تعلو عليها، فالأولى هي صنع الله والثانية من أفكار البشر، وترتدي الأرض بساطها الأخضر الذي يتلوّن عبر الفصول فالطبيعة ملولةٌ كما الإنسان فتلبس الأبيض في الشتاء، والأخضر في الصّيف والمُزركش في الربيع والبنفسجيّ في الخريف، إذًا تُجاري الطّبيعة ابن آدم في الفصول كلها.


أمَّا الأمطار فلها حكايةٌ أخرى مع أنهار القرية، فتتعانق حبّات المطر مع المياه الجاري والساكن في الأنهار والبحيرات ويزداد خير الله على مواسهم، وقليلًا ما تتعرّض المَواسم للصّقيع فلم يحدث ذلك سوى مرّة أو مرّتين على مدار ثلاثين عامًا، إنَّ العناية الإلهيّة تحرس تفاصيل هذه الطبيعة الجميلة، الأشجار تُجاور بعضها بعضًا وهي لطولها وارتفاعها يصعب المسّ بأوراقها المتفرّقة، وتتنوّع تلك الأشجار ما بين الأرز والصنوبر، إنّها غاية في الجمال والإبداع.

وصف أهل القرية

لا يقلّ جمال أهل القرية عن جمال طبيعتها، وتحتفظ عوائل القرية بطقوس مُشتركة فيما بينها، إذ تحوي كلّ عائلة على بقرة أو عدّة أبقار، ويقُمن النّساء بحلبها وصُنع اللّبن والجبن منها، ويستيقظ أهالي القرية في الخامسة فجرًا فتبدأ سيدة المنزل بالإعداد للخبز فتصنعه على التنّور، ويذهبن بناتها لوضْع الإفطار المُكوّن من اللّبن الرائب واللبن المُصفّى والدّبس والطّحينة والجبن والزيتون، وعادة ما يتناولون إفطارهم أمام منازلهم على المصطبة ويشربون مع الإفطار شايًا مطعمًا بالنعناع.


ثم يحين وقت الضحى فيذهب الرّجال إلى أعمالهم وتبقى النّساء في المنزل يصلحن فيه ما قد أفسده اليوم السَّابق، وتجتمع في وقت الظّهيرة سيّدات المنازل عند إحدى الجارات ويتبادلن الأحاديث التي لا تخلو من بعض النكات الطريفة، أمَّا الفتيات فيستأذن أمهاتهنّ بالذهاب إلى البحيرة فهنَّ يُفضّلن الحديث هناك، وتبدأ الفتيات بالتّهامُس مع إطلاق ضَحكات بين الحين والآخر مفهومة المعنى.


بعد ذلك تعود كلّ فتاة إلى بيتها في الساعة الثانية عشر ظُهرًا؛ ليبدَأن بالإعداد مع الوالدة لطعام الغداء، وتميل بعض العائلات الأرستقراطيّة -التي تملك بعض المال- إلى صُنع طبق من الحلوى إلى جانب الغداء، ويُفضّل أن يحوي ذاك الطبق على القطر والقشدة فيكون لا مفرّ من صنْع القطايف، ويخلد الجميع إلى قيلولة ما بعد الظهيرة فتعمّ السكينة في أرجاء القرية.


بعدها يُعاود كلّ إلى عمله حتّى وقت المساء؛ فمنهنَّ مَن يذهب مع جيرانه إلى البحيرة لِمُشاهدة لون النجوم الذي يُعكس على الماء، ومنهنَّ مَن يُفضّل أن يتسامر مع عائلته على مصطبة بيته، وحين يحين وقت النوم تأخذ الجدّة أطفال العائلة ويتجمّعون حول فراشها لتقصّ عليهم حكايات الماضي فيرون ما لم يسمعوا به من قبل عبر مُخيّلاتهم الصغيرة، وتخلد العائلة إلى نومٍ عميق ليُعاوِدوا تلك الكرّة في اليوم التالي.


أمَّا طقوسهم في المُناسبات فتختلف عن طقوس المدينة بعض الشيء، إذ لا بُدَّ في صباح كلّ عيدٍ من أن تجتمع العائلة بأكملها عند الجدّ الأكبر، ويكون الغداء عنده ولا يُناسب الغداء في ذلك اليوم إلّا اللّحم المشويّ، فيعمد الجدّ إلى أحد الخرفان فيذبحها ومن ثم يُقطّعها الأولاد والأحفاد لإعدادها للشواء، وتبدأ النّساء بتحضير المقبلات حول اللحم المشوي من السلطة والحشائش الأخرى.


عندما يبدأ الرجال بالشويّ تبدأ النساء بالرّقص وإطلاق الأغاني الشعبيّة وتَتعالى الضّحكات، بينما يلعب الأطفال أمام المشوى ويُساعدن الكبار في جلب الماء والأطباق الّازمة للطّعام، قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين سؤال وهو: لماذا العيش في القرية أفضل من المدينة؟ وللإجابة عن هذا السؤال كتبت هذه الكلمات وأنا في غُربتي الآن، قد جبرتني الظّروف للخروج من ذلك العشّ الحَميم والعيش بين أضراس وحش المدينة، وها هي الأيَّام تدور لأحكي ما عشته في ذكرياتي وكأنّه لم يكُن حقيقة في يوم من الأيام.

578 مشاهدة