موضوع تعبير عن التسامح وأثره على الفرد والمجتمع

موضوع تعبير عن التسامح وأثره على الفرد والمجتمع
موضوع-تعبير-عن-التسامح-وأثره-على-الفرد-والمجتمع/


التسامح ضرورة أخلاقية

إنّ الأخلاق هي الضرورة التي يقوم عليها أيّ مجتمع حتى يستقر ويعيش بأمان بين بعضه، فتختلف شريعة الإنسان عن شريعة الغاب بالضوابط الأخلاقيّة التي يتمتع بها، ولمَّا أراد الله -تعالى- من فوق سبع سماوات أن يمتدح نبيه العظيم -صلى الله عليه وسلم- قال له: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}[١]، ومن بين جملة الأخلاق التي دعا لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التّسامح فقال في حديث مروي عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله: "رحِم اللهُ عبدًا سَمحًا إذا باع سَمحًا إذا اشترى سَمحًا إذا اقتَضى".[٢]


التّسامح يعني الإخاء يعني التغاضي عن زلات الآخرين دون الوقوف عنها وتهويلها، وهو ضرورة حياتيّة لا يُمكن للدولة أن تقوم لها قائمة إلا بها، ولا حضارة من دونها، وإذا ما أراد النّاس أن يمتدحوا بعضهم في المجالس قالوا ذاك الرجل متسامحًا يتغاضى عن الزلّات، ولا يبالغ الإنسان حقيقة لو قال إنّ نصف الخلق هو التغافل، والتسامح هو وجهٌ آخر للعفو الذي أمرت به الأديان السماوية جميعها وفي خاتمتها الإسلام حيث قال الله -تعالى- في كتابه العظيم: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.[٣]


التسامح هو الطريق الأوحد من أجل الوصول إلى السلام والإنسانية الحقيقية، ولا بدّ للمتطلع إلى هذا العالم أن يقف على حقيقة غير خافية على أي أحد وهي أنّ سادة العالم هم من يتمتعون بالأخلاق الإنسانية السامية على الأقل بالنسبة لشعوبهم، ولو أراد الإنسان أن يعلي من شأن بلده فما عليه إلا أن يكون سمحًا صاحب خلقٍ طيبٍ يميل الناس إليه وتحنو قلوبهم له.

أثر التسامح على الفرد

إنّ للتسامح قيمة عظيمة على الفرد الذي يتمثل بذلك الخلق العظيم، وأول ذلك هو الشعور بالسّلام الدّاخلي فحين يكون الإنسان متسامحًا مع الآخر فإنه لا يحمل مشاعر الكره أو الحقد أو الضغينة على أيّ أحد، فينعم بهدوءٍ تامٍّ لا يستطيعه أي إنسان ما لم يعزم على التغافل عن أخطاء الآخرين، ولمَّا يشعر الإنسان بذلك السلام الذي يرغب به فإنَّه يتمتع بهدوء النفس ويكون أبعد النَّاس عن الأمراض العصبية مثل الضغط والسكر وأمراض الأعصاب التي لا نهاية لها.


عدا أنّ التسامح يزرع ثقة في النفس لا حدود لها ولا نظير ولا مثيل، فيشعر الإنسان في داخله أنّه أعلى من جميع الأشياء التي حوله، وأنَّ كلّ ما يجول بين النّاس من مشاحنات وتباغض هو أكبر من أن يخوض فيها، فيُحس في أعماقه الدّاخليّة أنّه لم يُخلق ليكون مشاحنًا مباغضًا ناشرًا للرذيلة على الإطلاق، ولو تأمّل الناظر جميع الأخلاق الإنسانيّة لتوصل إلى نظريةٍ هامةٍ جدًّا في عالم الأخلاق، وهي أنّ الطريق لجميع القيم الأخلاقية السامية في هذه الحياة تقف وراء باب واحدٍ مقفلٍ مفتاحه الوحيد هو التّسامح.


لا يستطيع الإنسان أن يكون صادقًا مع ذاته أو مع الآخرين حتّى يتأكد من أنّ خُلُق التسامح صار متمثلًا في مجتمع، فيعلم أنّ خطأه قابل للتصحيح والغفران ولم يُكتب في لوحٍ لا ممحاة له، ولمّا يعلم الصّديق أنه لو أخطأ في حق صديقه أنّ خطأه قابل لأن يكون في دائرة العفو والتسامح فإنَّه لن يتوانى عن الاعتراف له وتقديم الأعذار حتى تبقى صداقتهم قوية متينة، ويتمتع الإنسان المسامح بالرقي والعزة والشموخ فيعلم من نفسه أنّها لن تدور في وحل اللوم والعتاب والسؤال وانتظار الجواب بل هي أعلى من أن تقف وقفة المحاسب مع أيّ كان.

أثر التسامح على المجتمع

إنّ يد التسامح البيضاء لا تطال الإنسان نفسه فردًا فقط بل تطال المجتمع بأكمله يتأثر بتلك الصفة الحسنة، فتسود المحبة بين أفراد المجتمع الواحد حتّى يشعر الواحد منهم أنَّ لو جاره تألم فسيكون هو المتألم لا ذاك، فيزدهر المجتمع ويستثمر أفراده طاقاتهم بالإنجاز والابتكار بدلًا من أن يستثمروها في نشر الكره بين بعضهم البعض وتقديم الثأر الشخصي والأحقاد على السلام والوئام، ولمَّا يكون المجتمع من دواخله سليمًا لا يستطيع أي أحدٍ أن يخرقه ولا أن يؤثر فيه، بل يكون التعاضد والتساعد هما سيّد الموقف، ويبدأ النَّاس يتفقدون بعضهم فيُحققون المعنى السَّامي الذي يتطلب من الإنسان أن يكون أخًا للإنسان لا يُؤذيه ولا يهتك له سترًا.


أكثر المواقف التي تجلى فيها التسامح منذ العصر الغابر وحتى الآن تسامح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع الذين أقدموا على إيذائه عندما كانوا أقوياء وأصحاب عزة ومنعة، قريش القبيلة التي بذلت الغالي والنفيس وبخاصة معظم أسيادها حتى يكفوه عن دعوته فنشروا الزجاج في طريقه حتى دمت قدماه، وأخرجوه من أرضه وأرادوا أن يقتلونه لولا عناية الله به، فيقف في آخر الأمر بعد أن فتح مكة ليخبرهم وينشر الصحابة رضوان الله عليهم- أن من دخل داره فهو آمن ومَن دخل المسجد فهو آمن، وأخيرًا يُطلق لما ظفر بمن آذاه لم يقتلهم ولم يصلبهم ولم يوده غياهب السجن بل أطلقهم ليكونوا هم طلقاء فتح مكة.[٤]


إنّ التسامح هو الخيط الذي يربط بين قلوب أفراد المجتمع ولو انقطع ذلك الخيط لما وجد الإنسان نفسه إلا ضحية للسموم القاتلة التي تتمثل بالحقد والكراهية والأنانية وغيرها من الآفات التي ما لحقت بأمة إلا أهلكتها، فلا بدّ لأي مجتمع يُريد أن يرى آثار الإيجابية للتسامح على جبينه أن ينفض عن نفسه غبار الحقد والكره، وليبتعد عن سفاسف الأمور التي أهلكت الأمة حتى كادت أن تجهز عليها، وليتمثل طيب الخلق والمسامحة فيطمع في مرضاة الله تعالى فيفوز بخير الدنيا والآخرة، ويكون ممن أحبه الله وعبيده بإذنه.



لقراءة المزيد، انظر هنا: موضوع تعبير عن التسامح.

المراجع[+]

  1. سورة القلم، آية:4
  2. رواه البيهقي، في الآداب، عن جابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم:141، حديث صحيح.
  3. سورة النور، آية:22
  4. "حديث : ( اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ )."، إسلام سؤال وجواب، اطّلع عليه بتاريخ 02/03/2021م. بتصرّف.

145469 مشاهدة