من مؤلف كتاب البخلاء

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٤٧ ، ١٩ نوفمبر ٢٠١٩
من مؤلف كتاب البخلاء

النثر في العصر العباسي

عُرِف العصر العباسي بعصر ازدهار الأدب والحضارة الثقافية، حيث ترك اختلاط الشعوب واتساع رقعة الدولة الإسلامية أثرًا واضحًا في مسيرة الأدب العربي بنوعيه الشعري والنثري، وقد ساعد انتشار الكتابة وكثرة الكتاب و "اهتمام الخلفاء بالكتب والمصنفات العلمية والأدبية، وإنشائهم لديوان الكتابة وعنايتهم بالترجمة[١]"، إلى ازدهار النثر حتى بلغ أوجه مقارنة بالعصور السابقة، ولعل من أبرز الفنون النثرية التي ظهرت في العصر العباسي: الخطابة والوصايا والرسائل الديوانية والرسائل الأخوانية، إضافة إلى المصنّفات النقدية واللغوية، ولعل من أبرز تلك المصنفات اللغوية: كتاب البخلاء الذي لاقى شهرة واسعة واهتمامًا بالغًا إلى يومنا هذا، فمن مؤلف كتاب البخلاء؟ وما هي أبرز مصنفاته.

من مؤلف كتاب البخلاء

هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي الشهير بالجاحظ، لقب بالجاحظ لجحوظ عينيه ونتوئهما فكان لذلك دميمًا قبيحًا، ولد عام 159هـ و توفي عام 255 هـ، نشأ في البصرة وقضى فيها أكثر سني حياته، وبدأ الجاحظ حياته فيها فقيرًا يكابد شقاء العيش بما يكسبه من بيع الخبز والسمك، إلّا أن ذلك كله لم يكن ليثنيه عن طلب العلم والسعي في سبيله، فقد حرص على مرافقة الكتاب ومجالسة العلماء وقد كان للعلم شغوفًا إلى الحد الذي دفع به لاتخاذ كل شيء يقع تحت حسه موضعًا للدراسة كالحيوان والنبات وغيره[٢]، ولعل البيئة العلمية التي اتسمت بها البصرة آنذاك كانت سببًا رئيسًا في تسهيل العملية التعليمية لتوفّر مصادرها وكثرة العلماء فيها، كما كان لتلك الحياة الكفاحية بين السعي للعلم والقوت في آن معًا قد ساعد على تشكيل بنيته الشخصيّة التي قامت على أساس من الاستطراد والفكاهة التي برزت كسمة واضحة وبصمة خاصة تخبر القارئ من مؤلف كتاب البخلاء وتعرف به.

أهم كتب الجاحظ

إن القارئ ليعرف من مؤلف كتاب البخلاء من خلال ما تركه من نتاج أدبي ولغوي، فهي تسلط الضوء على كثير من العلوم والمعارف التي اكتسبها في صغره كما تكشف عن شظف الحياة وعناء العيش فيها، وقد كثرت مصنفات الجاحظ ومؤلفاته تبعًا لسعة معرفته، ومنها:

  • الحيوان: وهو كتاب جامع تناول فيه الكثير من المسائل الفقهية، ومختارات متنوعة من الشعر العربي والأمثال، وتناول سياسات الشعوب، ونزاعات الفرق الكلامية، بالإضافة إلى موضوعات تتعلق بالطب والجغرافيا، وقد فصل من خلاله في دراسة علم الحيوان ولم يقتصر في ذلك على حيوان واحد كما فعل سابقوه.[٣]
  • البيان والتبيين: وهذا الكتاب يعرض موضوعات الأدب من خطب ورسائل وأشعار وعالج فيها أمور اللغة بأسلوب فلسفي.
  • البخلاء: وعرض فيه الجاحظ لطباع البخلاء وسلوكهم في حماية أملاكهم ونوادر أحداثهم التي تكشف بخلهم.
  • المحاسن والأضداد: وهو كتاب نقدي جامع تناول فيه محاسن الأمور ومساوئها من طباع وعادات وتقاليد.
  • البرصان والعرجان والعميان والحولان: ويظهر موضوع هذا الكتاب من عنوانه حيث تناول فيه أنواع من العاهات ومن أصيب بها من الشعراء والأدباء والحكام.
  • التبصرة في التجارة: ويعالج فيها الجاحظ طرق التجارة ومسالكها واحتيالات الباعة وطرقهم في الكسب.

كتاب البخلاء

بعد معرفة من مؤلف كتاب البخلاء، يجدر التعرف على كتاب البخلاء نفسه فهو موسوعة اجتماعية أدبية مصوغة في لون من الفكاهة والطرافة، أراد الجاحظ أن يوجه من خلاله نقدًا للواقع الاجتماعي والاقتصادي من خلال مجموعات سردية لقصص قصيرة عن صفة البخلاء وسلوكهم واندفاعهم نحو المال والثروة، وقد اتخذ من مدينة مرو بخراسان مسرحًا لكثير من أحداث قصصه وموطنًا لشخصياتها، ولعل ذلك الاختيار لم يكن محض صدفة وإنما قد يكون أهل مدينة مرو قد اشتهروا بالبخل حقًا في ذلك الوقت، وبدت حكاياته عن البخلاء طريفة مشوبة بحس فكاهي ينم عن شخصية الجاحظ وطبيعته التي تمزج بين الهزل والجد في صورة متناغمة، كما حمل هذا الكتاب صفة الاستطراد فقد كان الجاحظ ينتقل بين شخصية وأخرى وأحداث وغيرها في صورة مقطوعات سردية منفصلة، ولعل حكايات الجاحظ في كتابه البخلاء قد اتخذت طابعًا قصصيًا متكاملًا.[٤]

ففي الحكاية الواحدة تظهر عناصر القصة مكتملة دون أن يشوبها شيء من النقص الذي يجري في فن الحكاية ولا شيء من التعقيد اللغوي الذي يكسب القصة طابعًا علميًا يصرف القارئ عن محتوى القصة الاجتماعي النقدي، ولذلك فإن كتاب البخلاء يعد بحق وثيقة تاريخية وأدبية قيمة حرص الجاحظ من خلالها على تدوين سجل ذاتي وجماعي، حيث تسللت من خلاله خيوط الذات لتطل معلنة عن شخص الجاحظ وروحه المشمولة بالفكاهة والهزل إضافة إلى سعة علمه ولباقته في التوجيه النقدي دون أن يحمل القارئ على الميل العاطفي بالكره أو الحب تجاه تلك الطبقة من المجتمع، كما أن تنوع الحكايات والقصص قد اتسمت بالواقعية نظرًا لاكتناهه أسرار البيوت وكشفه عن كثير من الحيل التي يلجأ إليها البخلاء لتوفير مالهم وحرصه، وكشف كتاب البخلاء عن ذلك الجانب العاطفي للبخلاء أنفسهم وذويهم الذين يتعرضون للضيق والانفعال بسبب ما يلاقونه من ضيم هؤلاء البخلاء، وفيما يأتي نموذج من كتاب البخلاء: كان أبو العميس رجلًا بخيلًا، فكان إذا أخذ الدرهم نقره، وقال كم من يد وقعت فيها، ومن بلد دخلته، اسكن وقر عينًا فقد استقرت بك الدار، واطمأن بك المنزل، ثم يرفعه.[٤]

السمات الفنية لكتاب البخلاء

تميز كتاب البخلاء عن غيره، من خلال ما اكتسبه من سمات مزجت بين الذاتية الفردية التي تمتعت بها شخصية الجاحظ، والروح الجماعية المجتمعية التي تجعل القارئ يدرك من مؤلف كتاب البخلاء المعروف بعلمه وثقافته، ولعل من أبرز هذه السمات ما يأتي:

  • الوحدة الموضوعية: فقد تناول الجاحظ في كتابه البخلاء قصصهم وأحداثهم التي تصور البخل في أقبح حالاته.
  • اللغة الأدبية الفنية: وهي لغة تكشف عن سعة معرفته باللغة وسعة ثقافته وتجعل القارئ يعرف من مؤلف كتاب البخلاء الذي اتخذ لغة خاصة تمزج بين المنطق والفلسفة والفنية والأدبية في آن واحد.
  • المزج بين الفكاهة والجدية الواقعية: التي تجعل القارئ أكثر التصاقًا بالواقع وبقضايا أمته، وتصرف عنه الملل والضجر الذي تحدثه الدراسات الاجتماعية والنقدية.
  • جزالة الألفاظ ووضوح المعاني: ولعل ذلك ما جعل الكتاب رسالة اجتماعية تؤهل القارئ بغض النظر عن خلفيته الثقافية والاجتماعية من فهم المقصود، ومعرفة من مؤلف كتاب البخلاء بعلمه وشخصه.
  • الإيجاز: فقد كان الجاحظ يحرص على ذكر أحداث مختلفة في قصص متفرقة موجزة ليبعد عن القارئ أثر التشتت والملل.
  • المراوحة بين الحوار والسرد: ليشعر القارئ بأثر الشخصيات في تأليب الحدث من جهة وأثر الذات الكاتبة في توجيه الأحداث والإشارات النقدية من جهة أخرى.
  • الارتكاز على التضاد لإبراز مقابله:وهي سمة يعرف بها من مؤلف كتاب البخلاء حقًا، فقد شاء الجاحظ أن يظهر بشكل تهكمي بارع حقارة البخلاء ليعظم سخاء العرب من خلال إظهار الضد والنقيض[٥].
  • المراوحة: أي المراوحة في ألوان الإنشاء الطلبي.

المراجع[+]

  1. محمد عيسى فيض (2008)، أثر الحكام وقافتهم في تطور الأدب في العصر العباسي (الطبعة الأولى)، السودان: جامعة أم درمان الإسلامية، صفحة 170. بتصرّف.
  2. عامر بن شتوح (2009)، ملامح التفكیر السیمیائي في اللغة عند الجاحظ من خلال البیان والتبیین (الطبعة الأولى)، الجزائر: جامعة قاصدي مرباح، صفحة 25.
  3. "الجاحظ"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 18-11-2019.
  4. ^ أ ب الجاحظ (2000)، كتاب البخلاء (الطبعة الأولى)، بيروت: دار ابن حزم، صفحة 216.
  5. جميل جبر (د.ت)، الجاحظ ومجتمع عصره في بغداد (د.ط)، بيروت: دار صادر، صفحة 15. بتصرّف.