مقاصد سورة النحل

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٥٩ ، ٣٠ يونيو ٢٠١٩
مقاصد سورة النحل

سورة النحل

سورة النحل من السور التي نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مكة المكرمة، فهي السورة السادسة عشر في ترتيب المصحف الشريف تسبقها سورة الحجر وتليها سورة الإسراء، ويبلغ عدد آياتها مائةً وثمانيةً وعشرين آيةً كريمة، ويعود سبب تسمية هذه السورة لأنّ الله -جلّ وعلا- قد ذكر النحل في أحدى آياتها التي تشير إلى بديع الله في خلقه، فيقول -تبارك وتعالى-: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}،[١]وفيما يأتي سيتناول المقال بيان مقاصد سورة النحل وأسباب نزولها.[٢]

أسباب نزول سور النحل

وقبل بدء الحديث في مقاصد سورة النحل سيتم ذكر أسباب نزولها، وبما أنّها من السور المتوسطة الطول تقريبًا، فإنّها لم تنزل كاملةً على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل كان لكلّ مجموعة آياتٍ منها سبب نزولٍ مختلف، ومن أسباب النزول التي ذكرها أهل السيرة والتفسير هي ما يأتي:[٣]

  • يرجع سبب نزول الآيات الأولى من سورة النحل إلى أنّ الكفّار كانوا يسألون باستمرار عن أمر قيام الساعة ويستنكرونه فنزل قوله -تعالى-: {أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.[٤]
  • ونزلت الآية الكريمة، قال الله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}،[٥]عندما أقسم أحد المشركين بأنّ ما يزعم به محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون بأنّ بعد الموت سيبعث الله -تعالى- الناس في يوم الحساب هو أمرٌ كاذبٌ لا وجود له.
  • أمّا قوله -تعالى-: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}،[٦]فقد أجمع أهل السيرة أنّها نزلت في صحابة رسول الله بعد هجرتهم وهربهم من قريش وبطشها.
  • وقد نزلت الآية الكريمة: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}،[٧]في الصحابيّ هشام بن عمرو -رضي الله عنه- فقد كان عبدًا مملوكًا ومع ذلك ينفق ما معه في سبيل الله.

مقاصد سورة النحل

تشتمل مقاصد سورة النحل على التذكير بأنعام الله التي أنعم بها على عباده التي تستوجب شكره والثناء عليه والدعاء له بأن يحفظ هذه النعم التي لا يمكن إحصاؤها، فقد قال -تعالى- بعد أن ذكّر عباده ببعض نعمه كالأنعام والطعام والزوج والأولاد والسمع والأبصار والمسكن وغيرها: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}،[٨]فقد كان من مقاصد سورة النحل بيان عظمة الخالق وتوحيده بأنّه وحده الله الخالق لكلّ هذه النعم وهو من يستوجب عبادته فقد قال -جلّ وعلا-: {إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}،[٩]فالمؤمنون يشكرون الله على نعمه ويؤمنون باليوم الآخر والكفار والمشركون وحدهم من ينكر نعمه ويستكبر على عبادته.[١٠]

ومن مقاصد سورة النحل أيضًا أنّ الله -جلّ وعلا- ميّز بين صفات المؤمنين والمشركين، حيث أنّه كان هناك من المشركين والمنافقين إذا أصابته مصيبةٌ التجأ إلى الله وما إن يزيحها الله عنه إلّا وعاد إلى كفره وعصيانه، وقد قال -تعالى-: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُون}،[١١]ولفت الله -جلّ وعلا- النظر إلى ما كان يفعله أهل الجاهلية والمشركون فمن أفعالهم كان وأد البنات -أي دفنهنّ وهن أحياء- للتخلّص منهنّ، وذلك بقوله: {إِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}،[١٢]فكان من مقاصد سورة النحلّ الانتباه إلى أفعال المشركين واجتنابها.[١٠]

وذكر الله -تبارك وتعالى- أمر الاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن وذلك بقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}[١٣]مما يجعل من مقاصد سورة النحل بيان بعض آداب قراءة القرآن الكريم وتحذير الناس من شر الشيطان الرجيم ووساوسه، لكنّ الشيطان مع كلّ ما يقوم به ليس له سلطانٌ وتأثيرٌ على المؤمنين والمتقين الذين هم على ربهم متوكلون، ثمّ ذكر الله -جلّ وعلا- قصة إبراهيم -عليه السلام- وقد أمر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- باتباع ما كان عليه إبراهيم -عليه السلام-، فقد قال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}،[١٤]فكان من مقاصد سورة النحل التأكيد على أنّ كلّ أنبياء الله مسلمون وأنّ عقيدتهم واحدةٌ وأساسها توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له.[١٠]

وقد أرشدت الآيات الكريمة الدعاة إلى الإسلام وعبادة الله بأن يتحلوا بالصبر واللين وأن تكون موعظتهم للناس حسنةً دون إساءة، فقد قال -تعالى-: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}،[١٥]مما يبين أنّ من مقاصد سورة النحل التأكيد على الإحسان للناس حتى ولو كانت الغاية دعوتهم لدين الله وإعلامهم بكفرهم وشركهن، فالغاية هي إظهار أنّ دين الإسلام هو دين التسامح والحب والمعاملة الحسنة، وقد ختم الله -تبارك وتعالى- سورة النحل بقوله: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}،[١٦]وهو ما يؤكد أنّ الله مع الصابرين المتقين المحسنين وأنّه سيجزيهم خيرًا على صبرهم وإحسانهم.[١٠]

الإعجاز العلمي في سورة النحل

ذكر الله -جلّ وعلا- في سورة العديد من الآيات التي تدلّ على الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، فمن الأمور التي أنعم الله -تعالى- بها على عباده وذكرها ثمّ اكتشف العلم صحّة ما جاء به القرآن الكريم قبل أكثر من ألفٍ وأربعمائة سنة ما يأتي:[١٧]

عسل النحل

فقد أثبت العلم أنّ العسل يُعتبر من أحد أكثر الأطعمة التي تعتبر علاجًا طبيعيًا لكثيرٍ من الأمراض ومنها: قرحة المعدة والجروح والحروق وآلام العين وغيرها، وقد ذكر الله -تعالى- في سورة النحل أنّه خلق العسل شفاءً للناس وذلك بقوله: { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.[١٨]

لبن الأنعام

فقد أثبت العلم الحديث أنّ منبع حليب الأنعام يكون في ضروعها صافيًا لبنًا خالصًا وأنّ الدم في العروق والرفث والبول له مسالكه الخاصة، وهذا ما ذكره الله -تعالى- في قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ}.[١٩]

تحريم الدم ولحم الخنزير

فقد أثبتت دراسات العلم الحديث أنّ لحم الخنزير يحوي على الكثير من الأمراض والجراثيم والأوبئة، وقد حرّم الله -تعالى- أكله حفاظًا على صحة الإنسان، قال -جلّ وعلا- {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ}.[٢٠]

شكر الله على نعمه

أتى الله -تعالى- في سورة النحل على ذكر النعم العظيمة التي أنعم بها على عباده والتي تستوجب الشكر والحمد والثناء، والشكر لا يكون بالكلمات اللفظية فحسب بل للشكر أركانٌ يجب توافرها جميعًا وهي الشكر في القلب والشكر في اللسان وشكر الجوارح، فأمّا شكر اللسان فيكون بالحمد والثناء وذكر ألفاظ الحمد والشكر والدعاء بدوام النعمة، وأمّا شكر القلب فيكون بالإيمان الكامل بأنّ كلّ نعمةٍ هي من عند الله وأنّ كلّ نعمةٍ تستوجب الشكر لدوامها، وأمّا شكر الجوارح فيكون بدوام أداء الطاعات من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وأداء كل الحقوق والواجبات بغرض شكر الله على تلك النعم ودوامها، والله -تعالى- اعلم.[٢١]

المراجع[+]

  1. سورة النحل، آية: 68.
  2. "سورة النحل"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 25-06-2019. بتصرّف.
  3. "من أسباب النزول.. سورة النحل"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 25-06-2019. بتصرّف.
  4. سورة النحل، آية: 01.
  5. سورة النحل، آية: 38.
  6. سورة النحل، آية: 41.
  7. سورة النحل، آية: 75.
  8. سورة النحل، آية: 18.
  9. سورة النحل، آية: 22.
  10. ^ أ ب ت ث "مقاصد سورة النحل"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-06-2019. بتصرّف.
  11. سورة النحل، آية: 53-54.
  12. سورة النحل، آية: 58-59.
  13. سورة النحل، آية: 98-99.
  14. سورة النحل، آية: 123.
  15. سورة النحل، آية: 125.
  16. سورة النحل، آية: 127-128.
  17. "الإعجاز العلمي في القرآن"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-06-2019. بتصرّف.
  18. سورة النحل، آية: 69.
  19. سورة النحل، آية: 66.
  20. سورة النحل، آية: 115.
  21. "كيف يقوم العبد المسلم بشكر ربه تعالى على نعمِه الكثيرة ؟"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 26-06-2019. بتصرّف.