مفهوم الحضارة الإسلامية

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٥٠ ، ٣٠ يونيو ٢٠١٩
مفهوم الحضارة الإسلامية

الحضارة في التاريخ

عَرَف التاريخ مجموعةً كبيرة من الحضارات، وكانت بلاد ما بين النهرين مَهْدًا للعديد من الحضارات منها الحضارة البابلية والسومرية والأكّاديّة والأشورية والكلدانية، وكانت السومرية هي أقدم هذه الحضارات على اتفاق عدد من المؤرّخين، إلا أن مناطق أخرى من خارج بلاد النهرين شهدت حضارات أخرى منها الحضارتين اليونانية والرومانية، والحضارة المصرية القديمة، وقد ميّز كل حضارة من هذه الحضارات بعض المظاهر من نوع محدد من الكتابات أو اللغة أو العلوم والثقافة السائدة، وبعضها تميزت بالمظاهر السابقة جميعها، وتعد الحضارة الإسلامية من أبرز الحضارات على مرّ التاريخ، ودونًا عن الحضارات الأخرى، هي الأطول استمرارًا بعد زوال تلك الحضارات وتلاشيها، وتاليًا عرض لمفهوم الحضارة الإسلامية وأسُسُها ومظاهرها في الإسلام.

مفهوم الحضارة الإسلامية

يُعرف مفهوم الحضارة لغة على أنّه عكس البداوة، من خلال الإقامة في الحضر من مدن وأرياف، ويجمع على حضارات [١]، وتصل الإنسانية إلى هذه المرحلة من التحضّر بفعل التطور والنمو والنضج الإنسان، والوعي الشامل الذي يدفع الإنسان للإعمار، مُستعينةً بأسباب القوة والنصر والعدالة الإنسانية، والاهتمام بالعقل والروح، والقدرة على تجاوز أسباب الضعف والانهيار، وقد قال ابن خلدون في تعريفها: "غاية العمران ونهاية لعمره وأنها مؤذنة بفساده"، جاعلًا من المبالغة في التحضّر والترف سببًا في انهيار الحضارات، أمّا مفهوم الحضارة الإسلامية فقد بدأ من قيام الحضارة الإسلامية في مجتمع المدينة المنوّرة الذي شكّل قمة الرقي الإسلامي الأخلاقي والسلوكي والفكري، وقد بدا ذلك في كل مظاهر العدل والمساواة في مجتمع المدينة المنوّرة، وإن كان المجتمع في ذلك لا يتجاوز شكله شكل القرية. [٢]

وقد استمرّ التطوّر الحضاري ووصل ذروته في العصر العباسي الأول، مع اتّساع حدود الدولة الإسلامية الجغرافيّة، وبعدها عن الحروب والمعارك والفتن الداخلية والخارجية، وتوفّرت المقوّمات المادية والموضوعية لازدهارها، كالرقي الفني والأدبي والعلمي والاجتماعي، وقد تحدّث ابن خلدون في مفهوم الحضارة الإسلامية، فتناول أسباب قيام الحضارة، وكانت كما يأتي: [٣]

  • جغرافيا المكان وطبيعيته: وفي حديثه عن الأقاليم الجغرافية قسمها إلى سبعة أقاليم، وجعل الرابع منها هو الأكثر اعتدالًا بين الحر والبرد، لذلك فهو أقرب الأقاليم للاعتدال، وفيه كثرت الصناعات والعلوم والحيوانات وغيرها.
  • الانتقال من البادية إلى الحضر: فقد تحوّل الكثير من أهل البادية إلى الأمصار والبلدان، وبنوا البيوت وعمروا العمران بعد أن كانوا يسكنون بيوت الشعر في البداية ويرعون الأغنام، وانتقلوا من الخشونة والبأس إلى الرفاهية والراحة، ذلك بعد أن قدمت لهم رعاية الأغنام ما هو فوق حاجتهم، ووفرت لهم طاقات من الغنى والترف، فتأنّقوا في الملابس من حرير وديباج، وأكثروا في الأقوات، ومستلزماتها.
  • سياسة تنظيم العمران: وذلك أن السياسة العقلية الخاضعة لحكم الشريعة الإسلاميّة وأخلاقها، وحُسن الخلافة، ساعدت على مراعاة المصالح العامة، والاتجاه نحو تأسيس سياسة مدنية مراعية للقوانين ولقواعد المجتمع المدنية.
  • الثروة والترف: ويتحقق ذلك من خلال العمل الدؤوب لتحقيق الكسب والعمران والإنتاج، سواء كان العمل في مجال الصناعات أم في مجال النبات والحيوان، وغيرها من المجالات المدنية، وقد ركّز ابن خلدون على دور العمل في ازدهار الحضارات وانهيارها، بل إن الإدسلام دين قائم على العمل، والعمل فيه عبادة، لذلك فإن الترف والثروة لا يتحققان إلا بالعمل.
  • انتشار العدل: وقد جعل ابن خلدون العدل هو أساس قيام الحضارة، وإذا غاب العدل انهار العمران، فإذا خاف الناس من العدوان على أموالهم وأقواتهم، توقفوا عن السعي والكسب والإنتاج لمعرفتهم مآل عملهم المأخوذ منهم بالظلم، فبذلك تكدس الأسواق وتكسد، وتنقبض أحوال الناس حتى في الدين والخلق والنسل.

ويُلاحظ أن مفهوم الحضارة الإسلامية قام على توفّر جميع هذه الأسباب لنشأتها وقيامها وازدهارها وكانت من مبادئها الإصلاحية الأساسية، إضافة لما وفّرته لها الفتوحات اللإسلامية من اتصال بالدول المجاورة من فرس وروم، وهذا ساعد على تلاقح الحضارات وانتشار العلوم، الذي ازدهر به مفهوم الحضارة الإسلامية، فوصلت به إلى أوجها، وبالأخص انتشار العلوم والمعارف التي كانت أهم مقوّم من مقومات الحضارة، وفريضة دينية التزم بها العديد من العلماء والفقهاء والمفكّرين، جنبا إلى جنب مع مفهومين الإيمان والتوحيد، فكانوا منارات لبناء الحضارة الإسلامية، والتأثير في الحضارات المجاورة لها أيضا، فدانت لهم ولحضارتهم كثير من مناطق أوروبا والصين وإفريقيا. [٤]

الحضارة الإسلامية في أوروبا

كان بين العالم الإسلاميّ وأوروبا العديد من المعابر التي ساعدت على طرق الأبواب والاحتكاك بين الثقافات، مما أسهَمَ إسهامًا كبيرًا في تطوّر مفهوم الحضارة الإسلامية وازدهارها، ومن أبرز هذه المعابر ما يأتي: [٥]

  • دراسة طلبة العلم للعلوم الطبيعية في جامعات الأندلس، ونقلها إلى بلادهم في المشرق العربي.
  • الحروب الصليبيّة والفتوحات الإسلامية التي ساعدت على الاحتكاك بين المسلمين والأوربيين.
  • التجارة بين المسلمين في المشرق العربي وأوروبا، وقد دلّ على ذلك العملات التي وجدها علماء الآثار أثناء تنقيباتهم.
  • ظهور حركة الرحلة، وبروز عدد من الرحالة المسلمين كابن بطوطة، وظهور أدب الرحلة، فقد حاول العديد من الرحالة نشر الإسلام، ونقل العادات والتقاليد الإسلامية لأوروبا، بالإضافة لنقل عادات الأوروبيين إلى العالم الإسلامي.
  • ظهور حركة الترجمة، التي نقلت الكثير من العلوم والمعارف من وإلى العالم الإسلامي، فأسهمت في نمو وتطور علوم كعلوم الطب والفيزياء والكيمياء والخوارزميات.

مفهوم الحضارة الإسلامية في الأدب العربي

وكان أول ظهور لمفهوم الحضارة الإسلامية في الأدب في قصيدة البردة لكعب بن زهير، الذي التزم فيها بالتوحيد وكلمة الإسلام، والمصداقيّة في الوصف، والشرف في القول، وتلاه حسان بن ثابت الذي استخدم الأدب في الدعوة للإسلام والتأدّب بآدابه، والالتزام بقواعده وأحكامه، والذّوْد عنه، وقد استتبع هؤلاء الكثير من الصحابة الذين حرصوا على أن يحمل الأدب معاني الإيمان والتوحيد، وأن يكون أصدق ما كان في التعبير عما يريده الشاعر. [٦]

كما عبّر الأدب الأموي عن مفهوم الحضارة الإسلامية من خلال مظاهرها المادية، فتناول الأدب مظاهر التحضّر الاجتماعي التعامل بالعملة والنقود، وحليّ المرأة ورغبتها في اقتناء الذهب والفضة، وأدوات الطهي وغيرها، بالإضافة تناول الصناعات ومنها صناعة السفن والحرف، من صناعات الأسلحة والعطور والملابس، والزراعة وأدواتها، ووصفوا القصور وأثر المدنية عليها، كما ظهر التحضّر لديهم في لغتهم التي استخدموها في الأدب، وغيره كثير من مظاهر الحضارة. [٧].

ويمكن تتبع مفهوم الحضارة الإسلامية في الأدب العباسي، الذي شهد كثيرا من التلاقح الفكري والثقافي بين الثقافة العربية الأصيلة، والثقافات المجاورة الوافدة إلى الإسلام، فكان التنوع العرقي والجدل بين العربي والمولّدين سببا في نشوء حرب ضروس في الساحة الأدبية، وظهور حركات التجديد الأدبي، التي حاول فيها الكثير من غير العرب التجديد في الأدب، وإبراز قدراتهم اللغوية من خلال التجديد في اللغة الأدبية والصور الشعرية، والفكرية مع ظهور المذاهب الفقهية الفكرية المختلفة "شافعيّ، حنبليّ، مالكيّ، حنفيّ"، والفلسفية بظهور علم الكلام والمعتزلة وغيرهم، حتى ظهرت المؤلّفات، ونشأت المكتبات العربية الزاخرة بدواوينهم الشعرية كبشار بن برد، وأبي نواس، ومؤلفاتهم في علوم النحو واللسان وغيره كسيبويه إمام النحاة، أو كتاباتهم الأدبية كابن المقفع. [٧]

علماء بارزون في الحضارة الإسلامية

إنّ تناول مفهوم الحضارة الإسلامية، يلزم تباعًا التطرق إلى العديد من العلماء البارزين الذي كانت لهم اسهاماتهم العلمية الجليلة في مجالات علمية مختلفة ومؤلفاتهم المتنوّعة التي لم تتوقف على علم من العلوم، فكان يسمى العالم منهم علّامة لسعة اطلاعة وامتلاكه من العلوم، ولأنه من الصعوبة بمكان حصر جميع العلماء في مقال واحد، فستعرض هذه المقالة أسماءَ علماء بارزين من باب التمثيل لا الحصر.

تقي الدين الشامي

كان عالمًا مُلِمًّا بالعديد من العلوم المختلفة، عرف في مجال صناعات الهندسة وصناعة الساعات، والرياضيات والفيزياء، وكان أبرز ما عرف فيه "علم الفلك"، وكان سببا في بناء المرصد الفلكي في الدولة العثمانية بأمر من مراد الثالث، وكان له العديد من المؤلفات في علم الفلك، منها: ريحانة الروح في رسم الساعات على مستوى السطوح، جريدة الدرر وخريطة الأفكار، سدرة منتهى الأفكار في ملكوت الفُلُك الدَّوَار، رسالة في أوقات العبادة، وغيرها كثير. [٨]

يعقوب بن إسحق الكندي

وهو من عَدَّه الكثيرون مؤسّسَ الفلسفة العربية الإسلامية، إذ اشتهر بفكره الفلسفي في مجال ما وراء الطبيعة، والنظرية المعرفية، والروح والحياة الآخرة، والبحث في العلاقة بين الوحي والفلسفة، بالإضافة إلى كونه فيزيائيًّا، ورياضيًّا، وفلكيًّا، ومن مؤلّفاته: الفلسفة الأولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد، رسالة في علل الأوضاع النجومية، رسالة في كيفية عمل دائرة مساوية لسطح إسطوانة مفروضة ... إلخ. [٩]

علماء آخرون

عُرِفَت في الفلك العديد من الأسماء منها: إبراهيم الفزاري والخوارزمي، وفي الكيمياء جابر بن حيان، وفي الرياضيات جمشيد بن محمود غياث الدين الكاشي، وفي الطب الزهراوي إلى جانب ابن سينا... وهكذا دواليك في كلّ علم من العلوم. [١٠]

المراجع[+]

  1. "تعريف و معنى حضارة في معجم المعاني الجامع "، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 19-6-2019. بتصرّف.
  2. "أزمة الوعي الحضاري"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-6-2019. بتصرّف.
  3. "قيام الحضارات وسقوطها "ابن خلدون نموذجا""، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-6-2019. بتصرّف.
  4. "الحضارة الإسلامية وجهتها الله: والحضارة الغربية مركزها الإنسان!"، www.abjjad.com، اطّلع عليه بتاريخ 19-6-2019. بتصرّف.
  5. "الحضارة الإسلامية"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-6-2019. بتصرّف.
  6. "الإسلامية في الأدب"، saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-6-2019. بتصرّف.
  7. ^ أ ب نديم المبيضين، "مظاهر الحضارة في الشعر الأموي"، صفحة ج. بتصرّف.
  8. "تقي الدين الشامي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 19-6-2019. بتصرّف.
  9. "يعقوب بن اسحق الكندي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 19-6-2019. بتصرّف.
  10. "الحضارة الإسلامية"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 19-6-2019. بتصرّف.