ما هي التوبة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٣٣ ، ١٦ ديسمبر ٢٠١٩
ما هي التوبة

التوبة

إنّ للتوبة أهمية كبيرة في الإسلام، فهي واجبة على جميع الناس، فقد قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}،[١] وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا}،[٢] وإذا كان الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- يتوب إلى الله -تعالى- وهو مغفور الذنب، فكيف بمن يرتكب الذنوب باستمرار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، حيث قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "واللَّهِ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إلَيْهِ في اليَومِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً"،[٣] وفي الحديث الأخر عن الأغر المزني أبو مالك رضي الله عنه، حيث قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلى اللهِ، فإنِّي أَتُوبُ، في اليَومِ إلَيْهِ مِئَةَ، مَرَّةٍ".[٤][٥]

تعريف التوبة

التوبة هي الرجوع من معصية الله -تعالى- إلى طاعته،[٦] فمن يريد أنّ يتوب إلى الله -تعالى- عليه أنّ ينتقل من المعاصي إلى الطاعات، ومهما كان الذنبُ كبيراً إذا اعترف العبد بذنبه وتاب إلى الله تعالى، فإنّ الله برحمته وعفوه يتوب عليه، ودليل ذلك الحديث المروي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حيث قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إلى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عليه"،[٧] وحتى إذا عاد إلى الذنوب بعد توبته فإن ذلك لا يمنعه من التوبة مرة أخرى، ودليل ذلك الحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، حيث قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنَّ عَبْدًا أصابَ ذَنْبًا - ورُبَّما قالَ أذْنَبَ ذَنْبًا - فقالَ: رَبِّ أذْنَبْتُ - ورُبَّما قالَ: أصَبْتُ - فاغْفِرْ لِي، فقالَ رَبُّهُ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ أصابَ ذَنْبًا، أوْ أذْنَبَ ذَنْبًا، فقالَ: رَبِّ أذْنَبْتُ - أوْ أصَبْتُ - آخَرَ، فاغْفِرْهُ؟ فقالَ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أذْنَبَ ذَنْبًا، ورُبَّما قالَ: أصابَ ذَنْبًا، قالَ: قالَ: رَبِّ أصَبْتُ -أوْ قالَ أذْنَبْتُ- آخَرَ، فاغْفِرْهُ لِي، فقالَ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلاثًا، فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ".[٨][٩]

شروط التوبة

إذا أراد العبد أنّ تُقبل توبته، فعليه أنّ يحقق شروط التوبة مجتمعة، وأول شروط التوبة: الإقلاع عن الذنب، فلا يستطيع أحد أنّ يقول أنه تاب إلى الله -تعالى- من الذنوب وهو ما زال مرتكباً لها، كما أنّ من شروط التوبة: الندم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حيث قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "الندمُ توبةٌ"،[١٠] فعلى العبد أنّ يكون نادماً على ما مضى من أيامٍ ارتكب فيها الذنوب، ويستلزم بلا شك من الندم تحقيق شرط الإقلاع عن الذنب؛ لأن العبد لا يكون نادماً على فعل الذنوب ومرتكباً لها في نفس الوقت، كما أنّ من شروط التوبة: العزم على عدم العودة إلى الذنب، فلا يكون تائباً من أقلع عن الذنب في الوقت الحاضر، وكان عازماً على العودة إليه في المستقبل، فمن يرغب في التوبة فعليه تحقيق الشروط الثلاث مجتمعةً، ويضاف على هذه الشروط الثلاث شرطٌ رابع إذا تعلّق ذلك بحقوق الناس، فعليه أنّ يتحلل من هذا الحق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، حيث قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "مَن كَانَتْ له مَظْلَمَةٌ لأخِيهِ مِن عِرْضِهِ أَوْ شيءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَومَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إنْ كانَ له عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ منه بقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ له حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عليه".[١١][١٢]

ثمرات التوبة

إذا عاش الإنسان وهو بعيدٌ عن طاعة الله -تعالى- كان ذلك سبباً في شقائه، فقد قال الله سبحانه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ}،[١٣] وعلى العكس من ذلك، فإذا أقبل العبد على الله -تعالى- بطاعته كان ذلك سبباً في سعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة، فإذا تاب العبد إلى ربه وجد ثمرات توبته في الدنيا والآخرة، ومن هذه الثمرات:[١٤]

  • تكفير السيئات ودخول الجنة: فقد قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.[٢]
  • تبديل السيئات إلى حسنات: فقد قال سبحانه: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}.[١٥]
  • المتاع الحسن والعيش الهنيء: فقد قال سبحانه: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}.[١٦]
  • محبة الله تعالى: فقد قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.[١٧]
  • دعاء الملائكة: فقد قال سبحانه: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}.[١٨]

وقت إغلاق باب التوبة

باب التوبة مفتوح في كل يوم، ودليل ذلك الحديث المروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، حيث قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا"،[١٩] بل إنّ الله -تعالى- يفرح بتوبة عبده، ودليل ذلك الحديث المروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، حيث قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِن أَحَدِكُمْ إِذَا اسْتَيْقَظَ علَى بَعِيرِهِ، قدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضِ فلاةٍ"،[٢٠] لكن هنالك وقتان لا يقبل الله -تعالى- من الناس توبتهم فيها، الوقت الأول: عند حضور الموت، فقد قال سبحانه: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}،[٢١] والوقت الثاني: عند طلوع الشمس من المغرب، ودليل ذلك الحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، حيث قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "مَن تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا، تَابَ اللَّهُ عليه"،[٢٢] فعلى المسلم أن يبادر بالتوبة قبل فوات الأوان.[٩]

المراجع[+]

  1. سورة النور، آية: 31.
  2. ^ أ ب سورة التحريم، آية: 8.
  3. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 6307، حديث صحيح.
  4. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن الأغر المزني أبي مالك، الصفحة أو الرقم: 2702، حديث صحيح.
  5. "باب التوبة"، binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 12-12-2019. بتصرّف.
  6. "ما تعريف التوبة و ما شروطها؟ "، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 12-12-2019. بتصرّف.
  7. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 4750، حديث صحيح.
  8. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 7507، حديث صحيح.
  9. ^ أ ب "التوبة ... حقيقتها وأحكامها"، saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 12-12-2019. بتصرّف.
  10. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن عبدالله بن مسعود، الصفحة أو الرقم: 3448، حديث صحيح.
  11. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2449، حديث صحيح.
  12. "شروط التوبة النصوح، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم الندم توبة ؟"، islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 12-12-2019. بتصرّف.
  13. سورة طه، آية: 124.
  14. "الحث على المبادرة إلى التوبة وذكر آثارها الحميدة "، alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 12-12-2019. بتصرّف.
  15. سورة الفرقان، آية: 70.
  16. سورة هود، آية: 3.
  17. سورة البقرة، آية: 222.
  18. سورة غافر، آية: 7.
  19. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي موسى الأشعري، الصفحة أو الرقم: 2759، حديث صحيح.
  20. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 2747، حديث صحيح.
  21. سورة النساء، آية: 18.
  22. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2703، حديث صحيح.