قصة حرب البسوس

قصة حرب البسوس
قصة-حرب-البسوس/

أطراف حرب البسوس

مَن شارك في حرب البسوس؟

اشتعلت حرب البسوس ما بين التغلبيين والبكريين، وتفرقت القبائل ما بين القبيلتين فانضمَّت قبيلة نمر إلى قبيلة التغلبيين ولحقتها قبيلة قاسط ثمّ عقيل بنت قاسط، أمَّا البكريين فقد تخاذل عنهم بنو شيبان؛ لأنَّهم كرهوا مقتل كليب ولن يُشاركوا في حربٍ تُراق بها الدماء بغير حقّ، وكان الحارث بن عباد من البكريين ولكنّه كره هذه الحرب فانفضّ عنها واعتزل قتال التغلبيين حتَّى آخر الحرب.[١]


سبب حرب البسوس

لماذا نشبت نار البسوس بين أبناء العمومة؟

لمَّا استلم كليب بن ربيعة الحكم والملك على البكريين والتغلبيين ومن دخل في حماهم داخل نفسه العجب والغرور الكبير، وقد تزوّج من جلية وهي امرأة من البكريين وهي من أحسن نساء عصرها عزيزة في قومها، فحدث مرة أن كانت تغسل رأس كليب فقال لها: من أمنع من حماي، فسكتت ولم ترد عليه، فأعادها ثانية وثالثة حتَّى قالت إنّ حمى أخي جسّاس هو أمنع من حماك، فأخذ رأسه منها وحمل قوسه ومضى من البيت.[٢]


في هذه الأثناء كان كليب قد حمى أرضًا من الأراضي -ومعنى حماها أي منع أي إنسان من الدخول إليها سوى جساس وإبله- فنزل فيها فرأى جساس ومعه إبله، وكانت خالة جسَّاس عنده في البيت ولها ناقة اسمها سراب، فلمّا خرج جسّاس بإبله خرجت سراب بين الإبل، فلمَّا رأى كليب تلك النّاقة أنكرها من بين الإبل، فأخذ سهمًا من سهامه ورمى بذلك السهم ضرعها فاختلط الدم الأحمر باللبن الأبيض، فلمّا رأى جسّاس الذي حصل صرخ من المهانة التي لحقت به، وكان ذلك سبب حرب البسوس.[٣]


لمَّا رأت البسوس ما حلّ بناقتها سراب ضربت على رأسها وحزنت حزنًا عظيمًا وأنشدت تقول أبياتًا سطرت في الأدب العربي حتى الآن:[٤]

لَعمرك لَو أصبحتُ في دارِ منقذٍ

لَما ضيمَ سعدٌ وهو جارٌ لأبياتي

وَلَكنّني أَصبحتُ في دارِ غربةٍ

مَتى يعدُ فيها الذئبُ يعدُ عَلى شاتي

فَيا سعدُ لا تغرر بِنَفسك واِرتَحل

فَإنّك في قومٍ عنِ الجارِ أمواتِ

وَدونك أَذوادي فإنّي عنهمُ

لَراحلةٌ لا يَفقدوني بنيّاتي

وَسر نَحوَ جُرم إن جرمًا أعزةٌ

وَلا تكُ فيهم لاهيًا بين نسواتِ

إِذا لَم يَقوموا لي بِثأري وَيَصدقوا

طِعانهم وَالضربَ في كلّ غاراتِ

فَلا آبَ ساعيهم ولا سدَّ فَقرهم

وَلا زالَ في الدنيا لَهم شرّ نكباتِ


فلمَّا سمع جسّاس قولها قال لها لأقتلنّ في ناقتك جملًا عظيمًا، ولم يزل جسَّاس يحتال الفرص حتَّى استطاع أخيرًا أن يظفر بكليب ويقتله، وكانت هذه بداية أطول حرب في تاريخ الجاهليَّة.[٣]


أيام حرب البسوس

كم مرة التقى البكريون مع التغلبيين في وطيس الحرب؟

دار بين البكريّين والتغلبيّين العديد من الحروب، وكان لكلّ منها الأثر الواضح الذي انعكس على الشعر، منها ما يأتي:

يوم النهي

رثى الزير أخاه رثاءً عظيمًا، وكان لا بدَّ من أخذ الثأر والحرب فكان يوم النّهي هو أول الأيام التي يلتقي فيها البكريون مع التغلببيين، وقد وردوا على ماءٍ يُقال له النهي وكانت الغلبة في هذا اليوم للتغلبيين على البكريين، وكان قائد التغلبيين هو المهلهل وقائد البكريين الحارث بن مرة، وقد قُتِل في ذلك اليوم عددٌ كبيرٌ من البكريين إلا أنّ أحدًا من بني مرة لم يُصب في ذلك اليوم[٥]، ونسج الزير في تلك الأيام شعرًا حيث قال:[٦]

يا حارِ لا تَجهَل عَلى أَشياخِنا

إِنّا ذَوو السوراتِ وَالأَحلامِ

مِنّا إِذا بَلَغَ الصَبِيُّ فِطامَهُ

سائِسُ الأُمورِ وَحارِبُ الأَقوامِ

قَتَلوا كُلَيبًا ثُمَّ قالوا أَربِعوا

كَذَبوا وَرَبِّ الحَلِّ وَالإِحرامِ

حَتّى نَبيدَ قَبيلَةً وَقَبيلَةً

قَهرًا وَنَفلِقَ بِالسُيوفِ الهامِ

وَيَقُمنَ رَبّاتُ الخُدورِ حَواسِرًا

يَمسَحنَ عَرضَ ذَوائِبِ الأَيتامِ


يوم الذنائب

كان يوم الذنائب أعظم يومٍ من أيّام الحرب ما بين البكريين والتّغلبيين، وقد كانت الغلبة فيه للتغلبيين على البكريين وقد دارت رحى الحرب دورة عظيمةً فأسفرت عن كثيرٍ من الموتى في ذلك اليوم، ومن بينهم شراحيل بن مرة وهو ابن همام بن مرة أخو جسَّاس، وقُتل كذلك الحارث بن مرة وكان قد قتله كعب بن زهير بن جشم، وقُتل كذلك في ذلك اليوم من بني تيم الله الأخوين جميل بن مالك وعبد الله بن مالك، وقد أصاب التغلبيون في ذلك اليوم رئيسًا من رؤساء البكريين وهو تميم بن قيس بن ثعلبة والذي أصابه هو عمرو بن مالك.[٥]


وقد قال المهلهل وهو يذكر تلك الأيَّام واصفًا عظمتهم بها:[٧]

أَلَيلَتَنا بِذي حُسُمٍ أَنيري

إِذا أَنتِ اِنقَضَيتِ فَلا تَحوري

فَإِن يَكُ بِالذَنائِبِ طالَ لَيلي

فَقَد أَبكي مِنَ اللَيلِ القَصيرِ

وَأَنقَذَني بَياضُ الصُبحِ مِنها

لَقَد أُنقِذتُ مِن شَرٍّ كَبيرِ

كَأَنَّ كَواكِبَ الجَوزاءِ عُودٌ

مُعَطَّفَةٌ عَلى رَبعٍ كَسيرِ

كَأَنَّ الفَرقَدَينِ يَدا بَغيضٍ

أَلَحَّ عَلى إِفاضَتِهِ قَميري

أَرَقتُ وَصاحِبي بِجَنوبِ شِعبٍ

لِبَرقٍ في تِهامَةَ مُستَطيرِ

فَلَو نُبِشَ المَقابِرُ عَن كُلَيبٍ

فَيَعلَمَ بِالذَنائِبِ أَيُّ زيرِ

بِيَومِ الشَعثَمَينِ أَقَرَّ عَينًا

وَكَيفَ لِقاءُ مَن تَحتَ القُبورِ


يوم واردات

ثمَّ بعد ذلك التقت القبيلتان في يوم واردات وأيضًا كانت الغلبة في ذلك اليوم للتّغلبيين، وفي ذلك اليوم قتل من البكريين رجالٌ كثير ومن بينهم همام أخو جساس، فلما رآه الزير سالم حزن حزنًا عظيمًا -وكان قد اعتزل الغزل والنساء اللذان أدامهما معه- وقال ما أصابتني مصيبة عظيمة بعد قتل كليب إلا قتلك الآن، فهو كان نديمه قبل أن يقتل جساس كليبًا وكان كذلك هو الذي ربّاه وكفله وأقام عليه[٥]، فوصف الزير ببضعٍ من الشعر تلك الأيَّام:[٧]

وَأَنّي قَد تَرَكتُ بِوارِدَاتٍ

بُجَيرًا في دَمٍ مِثلِ العَبيرِ

هَتَكتُ بِهِ بُيوتَ بَني عَبادٍ

وَبَعضُ الغَشمِ أَشفى لِلصُّدورِ

عَلى أَن لَيسَ يوفى مِن كُلَيبٍ

إِذا بَرَزَت مُخَبَّأَةُ الخُدورِ

وَهَمّامَ بنَ مُرَّةَ قَد تَرَكنا

عَلَيهِ القُشعُمانِ مِنَ النُسورِ

يَنوءُ بِصَدرِهِ وَالرُمحُ فيهِ

وَيَخلُجُهُ خَدبٌ كَالبَعيرِ

قَتيلٌ ما قَتيلُ المَرءِ عَمرٌو

وَجَسّاسُ بنُ مُرَّةَ ذو ضَريرِ


يوم عنيزة

التقى بعد ذلك التغلبيون مع البكريين في عدة أيَّام مثل يوم عنيزة ويوم عويرضات ويوم أنيق ويوم القصيبات ويوم الحنو وكانت كل تلك الأيَّام الغلبة فيها للتغلبيين على البكريين، حتّى ظنّ البكريّون أن لن تقوم لهم قائمة بعد تلك الوقعات، وذكر ابن عبد ربه الأندلسي في كتابه العقد الفريد أنَّ المهلهل قد أسرف في قتل البكريين والعادة عندهم أنَّ القتيل يُؤخذ له دية ممن قتلوه لكنّ الزير بتر تلك العادة فلا يُؤخذ من التغلبيين دية للبكرين.[٥]


يوم تحلاق اللمم

لمَّا أكثر المهلهل من قتل البكريين اجتمع البكريون إلى الحارث بن عباد -وكان قد اعتزل الحرب- فقالوا له إنَّ المهلهل قد أكثر من القتل في البكريين حتى نخشى فناءهم، فأرسل الحارث إلى المهلهل بابنه وهو بجير فقال له إن كان يرضيك قتل ابني بجير وتنهي هذه الحرب فافعل، فغضب الزير ومسك حربته ليقتله فنهاه عن ذلك امرؤ القيس، وقال إنّ والده قد اعتزل الحرب وبقتلك إيّاه تكون باغيًا فلا تستهن الظلم ولا تظن أنّ عاقبته حميدة، فلم يستمع الزير إليه وتناول حربته وقتله وقال: "بؤ بشسع نعل كليب".[٨]


فلمَّا سمع الحارث بن عباد بقتل بجير حمد الله أنّ قتل ابنه سيصلح بين قبيلتين، فقالوا له بل قتله بشسع نعل كليب، فغضب الحارث بن عباد غضبًا عظيمًا، فاجتمع الحارث بن عباد مع جماعة من البكريين وأشاروا إليه أن يُقاتلهم بالنساء، فاستفهم ابن عباد عن الخبر فقالوا إنّه يجب عليهم أن يُخرجوا النساء معهم ويحمّلونهم قربةً من الماء وعصا غليظة، فيحثونهم على الحرب من ناحية، وأمَّا الناحية الأخرى فإنهم يمرون على الجرحى، فلو وجدوا واحدًا من التغلبيين أجهزوا عليه فقتلوه ولو وجدوا أحدًا من البكريين فإنَّهم يسقونه الماء فيُنعشونه مما يلحق به، وحلق البكريون ؤوسهم جميعًا؛ حتى تستطيع النساء معرفتهم جميعًا.[٨]


لمَّا كان ذلك ووقعت المعركة صارت الغلبة للبكريين على التّغلبيين وتمكّن الحارث بن عباد من رجلٍ منهم، فقال له: دلّني على المهلهل، فقال له المهلهل: ولي دمي إن دللت عليه؟ فقال له: نعم لك دمك، فقال له أنا المهلهل فقال له: أعطني رجلًا كفأً لك أقتله دونك، فدلّه على امرئ القيس، فجزّ ناصيته وقتل امرأ القيس.[٩]


نهاية حرب البسوس

كيف انتهت دماء أربعين عامًا؟

لمَّا انتصر البكريون في المعركة ضاق الزير سالم بذلك ذرعًا، وانتقل بعدها للعيش في اليمن وكره التغلبيون الحرب مع البكريين وملّوها فتصالحوا مع بعضهم، ولكنّ المهلهل لم يُصالحهم وانتقل للعيش في اليمن، وعاد بعدها إلى أرضه مشتاقًا فلمَّا رأى قبر أخيه ضاق ذرعًا فحلف ألا يقترب من الطّيب ولا يستحم، فلمَّا رآه أحد ندمائه القدامى دعاه للطيب والحمام فتذكر الزير كليبًا وقال لا حتى تفنى بكر، ثم رجع إلى حربه مع بكر فوقع أسيرًا في يد أحد البكريين وهو عمرو بن مالك وقد أحسن إليه غاية الإحسان، فقال الزير ذات مرة من الشعر:[١٠]

طِفلَةٌ ما اِبنَةُ المُجَلِّلِ بَيضا

ءُ لَعوبٌ لَذيذَةٌ في العِناقِ

فَأِذهَبي ما إِلَيكِ غَيرُ بَعيدٍ

لا يُؤاتي العِناقَ مَن في الوِثاقِ

ضَرَبَت نَحرَها إِلَيَّ وَقالَت

يا عَدِيّاً لَقَد وَقَتكَ الأَواقي

فلمّا سمعه مالكه أقسم ألا يأتي الماء سبعة أيامٍ، فمات المهلهل بعد ذلك عطشًا، وانتهت الحرب لتُتكتب بعدها كأسطورة بين ثنايا الكتب يتنقله النّاس فيُصدقونها ويُكذّبون.[١٠]

المراجع[+]

  1. محمد أحمد جاد المولى ، علي محمد البجاوي، محمد إبو الفضل إبراهيم، أيام العرب في الجاهلية، صفحة 154. بتصرّف.
  2. ابن الدَّوَاداري، كتاب كنز الدرر وجامع الغرر، صفحة 368. بتصرّف.
  3. ^ أ ب أحمد زكي صفوت، كتاب جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة، صفحة 40. بتصرّف.
  4. "لعمرك لو أصبحتُ في دار منقذٍ"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 19/02/2021م.
  5. ^ أ ب ت ث ابن عبد ربه الأندلسي، كتاب العقد الفريد، صفحة 74. بتصرّف.
  6. "يا حار لا تجهل على أشياخنا"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 19/02/2021م.
  7. ^ أ ب "أليلتنا بذي حسم أنيري"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 19/02/2021م.
  8. ^ أ ب محمد أحمد جاد المولى، علي محمد البجاوي، محمد إبو الفضل إبراهيم، أيّام العرب في الجاهلية، صفحة 163. بتصرّف.
  9. أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، صفحة 33. بتصرّف.
  10. ^ أ ب محمد أحمد جاد المولى، علي محمد البجاوي، محمد إبو الفضل إبراهيم، أيام العرب في الجاهلية، صفحة 167. بتصرّف.

179789 مشاهدة