قصة الفتنة الكبرى

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:١١ ، ٢٦ يناير ٢٠٢٠
قصة الفتنة الكبرى

استشهاد عمر بن الخطاب

لقد كان استشهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الباب الذي فُتح لفتنة عظيمة تموجُ موجُ البحر، قد عرفها الناس باسم الفتنة الكُبرى، وقد روى حذيفة بن اليمّان فيما أخرجه البخاريّ في صحيحه أنّه قال لعمر بن الخطّاب -رضي الله عنهم أجمعين- حين سأله عن الفتنة التي تموج موج البحر قال له: "يا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لا بَأْسَ عَلَيْكَ منها، إنَّ بيْنَكَ وبيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قالَ: يُفْتَحُ البَابُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قالَ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، قالَ: ذَاكَ أَحْرَى أَنْ لا يُغْلَقَ،"[١] وقد كان هذا الباب هو عمر رضي الله عنه، وقد استُشهد على يد أبي لؤلؤة المجوسيّ وهو إمام في صلاة الفجر، وسيروي هذا المقال قصة الفتنة الكبرى.[٢]

قصة الفتنة الكبرى

إنّ قصة الفتنة الكبرى تبدأ بعد مقتل أمير المؤمنين الفاروق عمر رضي الله عنه، فقد تغيّر وجه الأرض وديار المسلمين بسبب ما سيكون بعد ذلك من فِتَنٍ تعصف بالمسلمين وتموج فيهم موج البحر الهائج، فبعد خلافة ذي النورين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بست سنوات ظهر رجل من يهود اليمن اسمه عبد الله بن سبأ، يُظهر الإسلام ويُبطن اليهوديّة، أراد أن ينتقم من الإسلام بعد ما حققه المسلمون من انتصارات وفتوحات أرغمت دول الشرك وقهرت اليهود وأذنابهم، وقد شكّك بعض الباحثين بوجود ابن سبأ، ولكن إن كان هو أم غيره فالأمور كانت تُدار وتُحاك من أشخاص حاقدين على الإسلام، وبالعودة إلى ابن سبأ الذي أثبته عدد من المحققين فإنّه قد أتى البصرة وكانت تحت إمرة عبد الله بن عامر، وكان ابن سبأ يدعو سرًّا ضدّ حكم عثمان، فبلغ أمير البصرة ذلك فطرده من البصرة، وكذلك فعل معه أهل الكوفة، إلى أن استقرّ في مصر وصار يبعث كتبه إلى أناس في البصرة والكوفة يطلب منهم العصيان وشقّ عصا طاعة أمير المؤمنين، وصار يُشنّع على ولاة عثمان رضي الله عنه، بل وصار يطعن بخلافة ذي النورين، ووصل الخبر إلى أمير المؤمنين عثمان من عيونه، فجمع الناس وقال لهم ما يجري، فأشاروا عليه أن اقتلهم كما أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفض وقال بل يعلّمهم ويُبصّرهم ما لم يكفروا أو يرتكبوا حدًّا، وهنا بدايات قصة الفتنة الكبرى.[٣]


بعدها تمادى أهل الفتنة وحاصروا بيت أمير المؤمنين فخرج عليهم وردّ عليهم كلّ تهمهم الباطلة التي كان وراءها رؤوس الكفر آنذاك يريدون شقّ صفوف المسلمين، فعندما أُفحِموا استأذن المسلمون أمير المؤمنين ليقتلوهم، ولكنّه رفض، فعاد أهل الفتنة وأضمروا العودة إلى المدينة المنورة العام المقبل، فعادوا وحاصروا دار الخليفة وهو يرفض أن يقاتلهم الناسُ خوف أن يُراق دم امرئ مسلم في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار البُغاة يُحاججون أمير المؤمنين وهو يردّ عليهم، ومع ذلك لم يقتنعوا فخيّروه بين أن يخلع نفسه أو يقتلوه، ولكنّه رفض فقد بشّره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بفتنة تصيبه ويموت عليها، فعن أبي موسى الأشعري أنّ عثمان بن عفان -رضي الله عنهما- استأذن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مخاطبًا أبا موسى الأشعري: "ائْذَنْ له وبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ علَى بَلْوَى تُصِيبُهُ"،[٤] وأيضًا فقد قالت أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: إن رسولَ اللهِ دعا عثمانَ فناجاه فأطال، وإني لم أفهمْ من قولِهِ يَوْمَئِذٍ إلا أني سَمِعْتُه يقولُ له: "ولا تَنْزِعَنَّ قميصَ اللهِ الذي قَمَّصَكَ"،[٥] فهذا إشارة إلى أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- قد أشار على عثمان -رضي الله عنه- ألّا يترك الخلافة للبغاة، فلم يرضَ أن يترك الأمر، فشدّدوا عليه الحصار ورفضوا وساطة عليّ عليه السلام، بل وتطاولوا على أمّ المؤمنين أمّ حبيبة -رضي الله عنها- ووصفوها بالكذب، وكادوا يُسقطونها عن ظهر بغلتها.[٣]


وتذكر الكتب أنّه في قصة الفتنة الكبرى كان المسلمون عُزّلًا بأمر أمير المؤمنين، فلم يكن بينهم من يحمل السلاح ويُقاتل أولئك المحاصرين لدار الخليفة، وذات يوم دخلوا بيت أمير المؤمنين فقتلوه وهو يقرأ كتاب الله، وبقيت المدينة خمسة أيّام بلا خليفة ولا أحد من الصحابة يرضى أن يكون الخليفة بسبب المشقّة التي يعانيها حامل هذه الأمانة، إلى أن صار الأمر إلى عليّ بن أبي طالب -عليه السلام- فأرسل إلى الأمصار الإسلاميّة ليأخذ البيعة، فبايعوه جميعًا إلّا الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- الذي كان يرى نفسه وليّ أمر عثمان كونهما من بني أميّة، ولذلك كان يرى ألّا يبايع عليًّا حتى يقتصّ من قتلة عثمان، ولكنّ أمير المؤمنين عليًّا بن أبي طالب كان يرى أنّ أولئك البغاة يسيطرون على المدينة، وينبغي أخذ البيعة أوّلًا والانتظار إلى أن تسكن الأمور وبعدها يحقّق في قتل عثمان ويقتصّ من القتلة، وهنا تأزّمت قصة الفتنة الكبرى ليحدث بعدها ما لم يرده أحد من المسلمين.[٣]


فلم يرضَ معاوية بذلك وامتنع عن البيعة فأرسل عليّ بن أبي طالب واليًا جديدًا إلى الشام فمنعه أهل الشام من الوصول، فعاد إلى المدينة فخرج عليّ بجيشه إلى الشام ليعيدها إلى طاعة وليّ الأمر، ولكنّ قسمًا من الصحابة برئاسة عائشة أمّ المؤمنين والزبير وطلحة وغيرهم رأوا أن يقتصّوا من قتلة عثمان فخرجوا إلى البصرة، فلمّا بلغ الخبرُ أميرَ المؤمنين عدل عن سيره إلى الشام وسار إلى البصرة ليُعيد الصحابة إلى المدينة لا ليقاتلهم، ولم يستجب لطلب ابنه الحسن الذي رأى ألّا يخرج إليهم، فالتقى الجيشان وبعد مفاوضات توصّلوا إلى اتّفاق قرّروا تطبيقه صباحًا، وباتوا ليلتهم وليس في قلوبهم شيء على بعض، فلم يرُق البُغاةَ ما حدث، فأضمروا الشرّ ورسموا خطّة شيطانيّة بأن يندسّوا في عساكر الجيشين، فيضرب كلّ فريق منهم على الجيش المقابل، فظنّ كلّ واحد من الأطراف أنّ الأخر قد غدر به، فاشتبكوا بمعركة سمّوها معركة الجمل نسبة إلى الجمل الذي كانت تركبه أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- ودامت المعركة أربع ساعات فقط، انتهت بمقتل طلحة والزبير على يدّ البغاة بعد أن قرّرا أن يرجعا عن رأيهما، وكذلك عادت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- إلى المدينة برفقة أخيها محمّد بن أبي بكر وأربعين امرأة من نساء البصرة أرسلهنّ معها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فذهبت إلى الحجّ أوّلًا، ثمّ عادت إلى المدينة ثانيًا.[٣]


وأخيرًا تابع جيش عليّ بن أبي طالب الزّحف إلى الشام، فالتقى بجيش معاوية في صفّين، وانتهت الحرب بين الطرفين بالقبول بالتحكيم، ولكنّ ذلك -أي التحكيم- قد جعل الأوباش البغاة يخرجون على أمر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب -عليه السلام- ودبّر ثلاثة منهم أمرًا بأن يقتلوا أمراء المسلمين وقتها، وهم عمرو بن العاص في مصر، ومعاوية بن أبي سفيان في الشام، وعليّ بن أبي طالب في العراق، فأصاب عدوّ الله عبد الرحمن بن ملجم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إصابة قاتلة بسيف مسموم مات على إثر تلك الإصابة، ليؤول أمر المسلمين في النهاية إلى الحسن بن علي بن أبي طالب ابن الزهراء، الشاب الحكيم الذي اجتمع أمر الأمّة على يده من جديد بعد افتراق طويل، وما قصة الفتنة الكبرى بأوّل القصص التي كان البغاة سببها، بل كانت قصة الفتنة الكبرى فاتحةً للبغاة وطالبي الفتنة ليبثّوا سمومهم في ثنايا هذه الأمّة، والله أعلم.[٣]

عام الجماعة

بعد الوقوف على أسباب قصة الفتنة الكبرى وكيف أنّ الأمر أخيرًا صار إلى الحسن بن عليّ بن أبي طالب -عليهما السلام- فقد رأى الحسن -وهو الذي يُشهد له برجاحة العقل والحكمة- أن يتنازل عن أمر الخلافة لمعاوية؛ فقد رأى أنّه أخبر منه في سياسة دولة عظيمة كدولة الإسلام في ذلك الوقت، وذلك -ربّما- لما رأى الحسن -عليه السلام- من طول عهد معاوية -رضي الله عنه- في ذلك، فقد مارس أمر الولاية على المسلمين منذ عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، وينبغي أن يُعلم أنّ تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية -رضي الله عنهما- هو أمر قد تنبّأ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول فيما أخرجه البخاري: "إنَّ ابْنِي هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ به بيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ"،[٦] وقد صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق، فبعد تلك الحروب التي خاضها المسلمون بين بعضهم بعضًا منذ مقتل عثمان إلى استلام الحسن رضي الله عنهما، ما كان لها أن تنتهي لولا أن كتب الله تعالى الإصلاح على يد الحسن بن علي -عليهما السلام-، فقد تنازل عن الحكم لمعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- عام 41هـ، وسمّي ذلك العام بعام الجماعة؛ لأنّ المسلمين قد اجتمعت كلمتهم على إمام واحد.[٧]

المراجع[+]

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن حذيفة بن اليمان، الصفحة أو الرقم: 3586، حديث صحيح.
  2. ""الفتنة التي تموج كموج البحر""، www.kalemtayeb.com، اطّلع عليه بتاريخ 21-01-2020. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث ج "مختصر قصة الفتنة"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 21-01-2020. بتصرّف.
  4. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي موسى الأشعري، الصفحة أو الرقم: 3674، حديث صحيح.
  5. رواه الألباني، في تخريج كتاب السنة، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 1174، حديث صحيح لغيره.
  6. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي بكرة نفيع بن الحارث، الصفحة أو الرقم: 2704، حديث صحيح.
  7. "عام الجماعة"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 21-01-2020. بتصرّف.