قصائد محمود درويش عن الوطن

قصائد محمود درويش عن الوطن
قصائد محمود درويش عن الوطن

قصيدة: أغنيات إلى الوطن

فيما يأتي قصيدة الشاعر محمود درويش عن الوطن:[١]

جبين وغضب
وطني، يا أيها النسرُ الذي يغمد منقار اللهبْ
في عيوني
أين تاريخ العرب؟
كل ما أملكه في حضرة الموت:
جبين وغضب.
وأنا أوصيت أن يزرع قلبي شجرةْ
وجبيني منزلًا للقُبَّرهْ.
وطني، إنا ولدنا وكبرنا بجراحك
وأكلنا شجر البلّوط
كي نشهد ميلاد صباحك
أيها النسر الذي يرسف في الأغلال من دون سببْ
أيها الموت الخرافيُّ الذي كان يحب
لم يزل منقارك الأحمر في عينيَّ
سيفاً من لهب
وأنا لست جديرًا بجناحك
كل ما أملكه في حضرة الموت:
جبين، وغضب.
وطن
علِّقوني على جدائل نخلة
واشنقوني، فلن أخون النخلةْ
هذه الأرض لي وكنت قديمًا
أحلبُ النوق راضيًا ومولَّهْ
وطني ليس حزمة من حكايا
ليس ذكرى، وليس قصةً أو نشيدًا
ليس ضوءًا على سوالف فُلّةْ
وطني غضبة الغريب على الحزن
وطفلٌ يريد عيدًا وقبلةْ
ورياح ضاقت بحجرة سجن
وعجوز يبكي بنيه، وحلقهْ
هذه الأرض جلد عظمي
وقلبي،
فوق أعشابها يطير كنحلةْ
علِّقوني على جدائل نخلةْ
واشنقوني فلن أخون النخلةْ.
لا مفر
مطر على أشجاره ويدي على
أحجاره، والملح فوق شفاهي
من لي بشبّاك يقي جمر الهوى
من نسمة فوق الرصيف اللاهي؟
هل تأخذنَّ يدي؟ فسبحان الذي
يحمي غريبا من مذلِّة آهِ
ظلُّ الغريب على الغريب عباءةٌ
تحميه من لسع الأسى التيّاهِ
هل تُلْقِيَنَّ على عراء تسولي
أستار قبر صار بعض ملاهي
لأشمَّ رائحة الذين تنفَّسوا
مهدي، وعطر البرتقال الساهي
وطني، أُفتِّش عنك فيك فلا أرى
إلاّ شقوق يديك فوق جباهِ
وطني أتفتحُ في الخرائب كوة؟
فالملح ذاب على يدي وشفاهي
مطر على الإسفلتِ، يجرفني إلى
ميناءِ موتانا، وجرحُك ناهِ.
رد الفعل
وطني، يعلمني حديدُ سلاسلي
عنف النسور، ورقة المتفائلِ
ما كنت أعرف أن تحت جلودنا
ميلادَ عاصفةٍ، وعرس جداولِ
سَدُّوا عليَّ النور في زنزانةٍ
فتوهَّجتْ في القلب شمسُ مشاعلِ
كتبوا على الجدار: مرج سنابلِ
رسموا على الجدار صورَ قاتلي
فمحتْ ملامحَها ظلالُ جدائلِ
وحفرتُ بالأسنان رسمك دامًيا
وكتبتُ أُغنية العذاب الراحلِ
أغمدت في لحم الظلام هزيمتي
وغرزت في شعر الشموس أناملي
والفاتحون على سطوح منازلي
لم يفتحوا إلاّ وعود زلازلي
لن يبصروا إلاّ توهُّج جبهتي
لن يسمعوا إلاّ صرير سلاسلي.
الموعد
لم تزل شرفةٌ، هناك
في بلادي، ملوحة
ويدٌ تمنحُ الملاك
أغنيات، وأجنحةْ
العصافير أم صداك
أم مواعيدُ مفرحةْ
قتلتني؛ لكي أراك؟
وطني حبنا هلاك
والأغاني مجرحةْ
كلما جاءني نداك
هجر القلب مطرحهْ
وتلاقي على رباك
بالجروح المفتحةْ
لا تلمني ففي ثراك
أصبح الحب مذبحةْ
أحبك أكثر
تَكَبَّر، تَكَبَّر
فمهما يكن من جفاك
ستبقى، بعيني ولحمي، ملاك
وتبقى، كما شاء لي حبنا أن أراك
نسيمك عنبر
وأرضك سكَّر
وإني أحبك أكثر
يداك خمائلْ
ولكنني لا أغني
ككل البلابلْ
فإن السلاسلْ
تعلمني أن أقاتلْ
أقاتل، أقاتل
لأني أحبك أكثر
غنائي خناجر وردْ
وصمتي طفولة رعد
وزنبقة من دماء
فؤادي،
وأنت الثرى والسماء
وقلبك أخضر.
وَجَزْرُ الهوى، فيك، مَدّ
فكيف إذن، لا أحبك أكثر
وأنت، كما شاء لي حبنا أن أراك:
نسيمك عنبر
وأرضك سكَّر
وقلبك أخضر
وإنِّي طفل هواك
على حضنك الحلو
أنمو وأكبر.

قصيدة: على هذه الأرض

فيما يأتي قصيدة من قصائد الشاعر محمود درويش عن الوطن:[٢]

علَى هَذِهِ الأَرْض مَا يَسْتَحِقُّ الحَياةْ: تَرَدُّدُ إبريلَ، رَائِحَةُ الخُبْزِ فِي
الفجْرِ، آراءُ امْرأَةٍ فِي الرِّجالِ، كِتَابَاتُ

أَسْخِيْلِيوس، أوَّلُ الحُبِّ، عشبٌ

عَلَى حجرٍ، أُمَّهاتٌ تَقِفْنَ عَلَى خَيْطِ نايٍ, وخوفُ الغُزَاةِ مِنَ الذِّكْرياتْ.
عَلَى هَذِهِ الأرْض ما يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ: نِهَايَةُ أَيلُولَ، سَيِّدَةٌ تترُكُ
الأَرْبَعِينَ بِكَامِلِ مشْمِشِهَا، ساعَةُ الشَّمْسِ فِي السَّجْنِ، غَيْمٌ يُقَلِّدُ سِرْبًا مِنَ
الكَائِنَاتِ، هُتَافَاتُ شَعْبٍ لِمَنْ يَصْعَدُونَ إلى حَتْفِهِمْ بَاسِمينَ، وَخَوْفُ
الطُّغَاةِ مِنَ الأُغْنِيَاتْ.
عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ: عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ
الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ أُمَّ النِّهَايَاتِ كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين، صَارَتْ تُسَمَّى
فلسْطِين. سَيِّدَتي: أَستحِقُّ، لأنَّكِ سيِّدَتِي، أَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ.

قصيدة: لوصف زهر اللوز

فيما يأتي قصيدة من أجمل ما قال الشاعر محمود درويش:[٣]

ولوصف زهر اللوز، لا موسوعةُ الأزهار
تسعفني، ولا القاموسُ يسعفني.
سيخطفني الكلام إلى أَحابيل البلاغةِ
والبلاغَةُ تجرح المعنى وتمدح جُرْحَهُ،
كمذكَّرٍ يُمْلي على الأُنثى مشاعرها
فكيف يشعُّ زهر اللوز في لغتي أَنا
وأنا الصدى؟
وَهُوَ الشفيفُ كضحكة مائية نبتت
على الأغصان من خَفَر الندى
وَهُو الخفيفُ كجملةٍ بيضاءَ موسيقيّةٍ
وَهُوَ الضعيف كلمح خاطرةٍ
تُطِلُّ على أَصابعنا
ونكتبها سُدَى
وهو الكثيف كبيت شِعْرٍ لا يُدَوَّنُ
بالحروف
لوصف زهر اللوز تَلْزُمني زيارات إلى
اللاوعي تُرْشِدُني إلى أَسماء عاطفةٍ
مُعَلَّقةٍ على الأشجار. ما اسمهْ؟
ما اسم هذا الشيء في شعريَّة اللا شيء؟
يلزمني اختراقُ الجاذبيِة والكلام،
لكي أحِسَّ بخفة الكلمات حين تصير
طيفًا هامسا، فأكونها وتكونني
شفّافَةً بيضاءَ
لا وَطَنٌ ولا منفى هِيَ الكلماتُ،
بل وَلَعُ البياض بوصف زهر اللوز
لا ثَلْجٌ ولا قُطْنٌ، فما هُوَ في
تعاليهِ على الأشياء والأسماء
لو نجح المؤلِّفُ في كتابة مقطعٍ
في وصف زهر اللوز، لانحسر الضبابُ
عن التلال، وقال شَعْبٌ كاملٌ:
هذا هُوَ
هذا كلامُ نشيدنا الوطنّي.

قصيدة: نشيد ما

فيما يأتي قصيدة نشيد ما:[٤]

عَسَلٌ شفاهكِ، واليدانْ
كأسا خمور
للآخرين.
الدوح مروحةٌ، وحرشُ السنديانْ
مشط صغير
لآخرين.
وحرير صدرِك، والندى، والأقحوانْ
فرش وثير
للآخرين.
وأنا على أسوارك السوداء ساهدْ
عَطَشُ الرمالِ أنا، وأعصابُ المواقدْ
من يوصد الأبوابَ دوني؟
أي طاغية وماردْ!
سأحب شهدكِ
رغم أن الشهدَ يُسكب في كؤوس الآخرين
يا نحلةً
ما قَبَّلتْ إلاّ شفتاه الياسمينْ.

قصيدة: رسالة من المنفى

فيما يأتي قصيدة رسالة من المنفى:؟[٥]

تحيةً، وقبلةً وليس عندي ما أقول بعدْ
من أين أبتدي؟ وأين أنتهي؟
ودورة الزمان دون حدْ
وكل ما في غربتي
زوادةُ فيها رغيفٌ يابسٌ، وَوَجْدْ
ودفترٌ يحمل عني بعض ما حملت
بصقت في صفحاته ما ضاق بي من حقدْ
من أين أبتدي؟
وكل ما قيل وما يقال بعد غدْ
لا ينتهي بضمةٍ، أو لمسةٍ من يدْ
لا يُرجعُ الغريبَ للديار
لا يُنزلُ الأمطار
لا ينُبتُ الريش على
جناح طير ضائع منهدّْ
من أين أبتدي
تحيةً، وقبلةً، وبعدْ.
أقول للمذياع، قل لها أنا بخيرْ
أقول للعصفورِ
إن صادفتها يا طيرْ
لا تنسني، وقلْ: بخيرْ
أنا بخير
أنا بخير
ما زال في عيني بصر
ما زال في السما قمر
وثوبي العتيق، حتى الآن، ما اندثر
تمزقت أطرافهُ
لكنني رتقتهُ، ولم يزل بخير
وصرت شابًا جاوز العشرين
تصوَّريني، صرت في العشرين
وصرت كالشبابِ يا أُماه
أُواجه الحياه
وأحمل العبءَ كما الرجال يحملون
وأشتغل
في مطعم، وأغسلُ الصحون
وأصنع القهوة للزبون
وأُلصق البسمات فوق وجهي الحزين
ليفرح الزبون.
أنا بخير
قد صرت في العشرين
وصرت كالشباب يا أُماه
أُدخن التبغ، وأتكي على الجدار
أقول للحلوة : آه
كما يقول الآخرون:
يا إخوتي ما أطيب البنات!
تصورا كم مُرَّة هي الحياة
بدونهن، مُرَّة هي الحياة.
وقال صاحبي: هل عندكم رغيف؟
يا إخوتي، ما قيمة الإنسان
إن نام كل ليلةٍ جوعان؟
أنا بخير
أنا بخير
عندي رغيف أسمر
وسلة صغيرة من الخضار
سمعت في المذياع

تحية المشردين للمشردين

قال الجميع: كلنا بخير
لا أحدٌ حزين
فكيف حال والدي؟
ألم يزل كعهده ، يحب ذكر الله
والأبناء، والتراب، والزيتون؟
وكيف حال إخوتي
هل أصبحوا موظفين؟
سمعت يوماً والدي يقول:
سيصبحون كلهم معلمين
سمعته يقول:
أجوع حتى أشترى لهم كتاب
لا أحد في قريتي يفك حرفًا في خطاب
وكيف حال أختنا

هل كبرت، وجاءها خُطَّاب؟

وكيف حال جدتي
ألم تزل كعهدها تقعد عند الباب؟
تدعو لنا

بالخير، والشباب، والثواب

وكيف حال بيتنا
والعتْبَةِ الملساء، والوجاق، والأبواب؟
سمعت في المذياع
رسائل المشردين للمشردين
جميعهم بخير
لكنني حزين
تكاد أن تأكلني الظنون
لم يحمل المذياع عنكم خبرًا
ولو حزين
ولو حزين
الليل يا أمّاه ذئبٌ جائعٌ سفاحْ
يطارد الغريب أينما مضى
ويفتح الآفاق للأشباحْ
وغابةُ الصفصاف لم تزل تعانق الرياحْ
ماذا جنينا نحن يا أماه؟
حتى نموت مرتين
فمرة في الحياة
ومرة نموت في الحياة
هل تعلمين ما الذي يملأني بكاء؟
هبي مرضتُ ليلةً وهدَّ جسمي الداء
هل يذكر المساء
مهاجرًا أتى هنا، ولم يعد إلى الوطن؟
هل يذكر المساء
مهاجرًا مات بلا كفن؟
يا غابة الصفصاف هل ستذكرين
أن الذي رَمَوْه تحت ظلك الحزين
كأي شئ مَيِّتٍ إنسان؟
هل تذكرين أنني إنسان
وتحفظين جثتي من سطوة الغربان؟
أماه يا أماه
لمن كتبت هذه الأوراق
أي بريد ذاهب يحملها؟
سُدَّت طريق البر والبحار والآفاق
وأنت يا أماه
ووالدي، وإخوتي، والأهل، والرفاق
لعلكم أحياء
لعلكم أموات
لعلكم مثلى بلا عنوان
ما قيمة الإنسان
بلا وطن
بلا عَلَمْ
ودونما عنوان
ما قيمة الإنسان

المراجع[+]

  1. "أغنيات إلى الوطن"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 2/12/2021.
  2. "على هذه الأرض"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 2/12/2021.
  3. "لوصف زهر اللوز"، الديوان ، اطّلع عليه بتاريخ 2/12/2021.
  4. "نشيد ما"، الديوان ، اطّلع عليه بتاريخ 2/12/2021.
  5. "رسالة من المنفى"، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 2/12/2021.

16 مشاهدة