شرح صيغ المبالغة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:١٢ ، ٢٩ يوليو ٢٠١٩
شرح صيغ المبالغة

المشتقات وتعريفها

لفظة "مشتقات" من الألفاظ الكثيرة التداول في كتب الصرف، ولعلّ هذا المصطلح؛ أي المشتقات، هو أساس علم الصرف، وممّا يقال في تعريف المشتقات أو الاشتقاق: أنه نزع لفظٍ مِن آخرَ، بشرط أن يكونا متناسبين معنًى وتركيبًا، ومختلفَين في الصيغة؛ إذ إن القارئ يجد بين اللفظين تناسبًا في المعنى والتركيب، فيردّ أحدهما إلى الآخر ويكون أحدهما أصلًا والآخر فرعًا. أما الاشتقاق لغةً فهو بمعنى الاقتطاع، وهو من انشقت العصا إذا تفرَّقت أجزاؤها؛ وهذا يعني أنّ المادةَ الواحدة تتوزع على ألفاظٍ كثيرة مُقتطعَة منها. والمشتقات في علم الصرف عديدة كاسم الفاعل، واسم المفعول، واسم الآلة، وهذا المقال سيسلط الضوء على واحد من المشتقات وسيختص بشرح صيغ المبالغة.[١]


تعريف صيغة المبالغة

المشتقات في اللغة العربية وإن كان أصلها واحدًا، وهو المصدر على رأي البصريين، والفعل على رأي الكوفيين، إلا أنها تختلف في دلالتها والغاية المرجوة منها، فاسم الفاعل له دلالة تختلف عن اسم المفعول، وكذلك الصفة المشبهة، واسم الزمان، واسم المكان، وصيغ المبالغة هي واحدة من هذه المشتقات وقبل البدء بشرح صيغ المبالغة والخوض في تفاصيلها وأمثلتها، لا بد من معرفة حدّها وتعريفها وذلك لكي يتضح الفرق بينها وبين غيرها من المشتقات، ومما ذُكر في تعريف صيغة المبالغة أنها: أسماء تُشتقُّ من الأفعال، ووظيفتها الدلالة على معنى اسم الفاعل ولكن بقصد المبالغة، وهذا التعريف يوضح السبب وراء تسميتها بمبالغة اسم الفاعل، إذ إنّها بمعنى اسم الفاعل ولكن فيها مبالغة أي زيادة وتوكيد للمعنى المقصود.[٢]


شرح صيغ المبالغة

أمّا بعد تعريف صيغ المبالغة، ومعرفة سبب تسميتها، يمكن الآن البدء بشرح صيغ المبالغة وعرض تفاصيلها، وأول ما يمكن البدء به هو صوغ هذا المُشتق، ومما ذكرته مصادر اللغة العربية أن هذه الصيغ تُشتَق من الفعل الثّلاثيّ على مجموعة من الأوزان القياسية، وهذه الأوزان هي: "فَعولٌ، فعيلٌ، فعَّالٌ، مِفعال، فَعِل"، ومما هو جدير بالذكر أن صيغ المبالغة -كما يرى بعض العلماء- لها أوزان سماعية مشتقة من أفعال فوق ثلاثية، وبما أنها مخالفة للقاعدة فقد اتفق علماء الصرف على اعتبارها غير قياسية، ولهذه الأوزان شواهد في القرآن الكريم وسيُشار إليها في قسم خاص من المقال، وذلك بعد إنهاء شرح صيغ المبالغة، ولما كانت صيغ المبالغة مشابهة لاسم الفاعل جاز أن يُحوَّل اسم الفاعل إلى صيغة مبالغة مثل صائم صوَّام، تائِب توّاب، وما إلى ذلك من الأمثلة.[٢]


أمثلة على صيغ المبالغة

إن تعريف صيغ المبالغة، وما ورد من شرح صيغ المبالغة وضّح قسمًا كبيرًا منها ومن تفاصيلها، ولا بدّ لاكتمال التوضيح من عرض شواهد وأمثلة من القرآن والشعر فيها صيغ مبالغة، وتحديد أوزانها والتمييز بين الأوزان القياسية المشتقة من الأفعال الثلاثية، والأوزان غير القياسية المشتقة من أفعال فوق الثلاثية، ومن هذه الشواهد ما يأتي:

  • قوله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}[٣] كلمة "توّابًا" الواردة في الآية هي على وزن "فعّال" وهو من الأوزان القياسية لصيغ المبالغة، وهي مشتقة من الفعل الثلاثي "تاب"


  • قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}[٤] ورد في هذه الآية مثالان لصيغ المبالغة، والمثالان من الأوزان القياسية، وهما"ظلومًا، وجهولًا" على وزن فَعول، وقد اشتُقَّا من الفعل الثلاثي "ظلمَ، جهلَ".


  • قوله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا}[٥] كلمة "كُبَّارًا" في الآية من صيغ المبالغة السماعية، وهي على وزن فُعّال، وقد اشتقت من فعل فوق ثلاثي وهو "كبّرَ" ولذلك عُدَّت من الصيغ السماعية غير القياسية.


حَمّالُ ألوِيَةٍ هَبّاطُ أودِيَةٍ

شَهّادُ أنْدِيَة ٍ للجَيشِ جَرّارُ

نَحّارُ راغِيَةٍ مِلجاءُ طاغِيَةٍ

فَكّاكُ عانِيَةٍ لِلعَظمِ جَبّارُ

في البيتين السابقين أكثر من صيغة مبالغة، وهي على وزن فعّال؛ أي من الصيغ القياسية لمبالغة اسم الفاعل، وهي على التوالي: "حمَّال، هبّاط، نحّار، فكّاك، جبّار" إضافة إلى واحدة على وزن "مِفعال" وهي "مِلجاء" وكل الصيغ الواردة مُشتقة من أفعال ثلاثية، ولا يخفى على الدارس السبب الذي دفع الخنساء إلى الإكثار من هذه الصيغ في أبياتها؛ إذ إنها تُعبّر عن عِظم الأثر الذي تركه فّقْدُ أخيها واستشهاده في قلبها وذلك بذكرها لعظيم صفاته ومناقبه وخصاله الحميدة، والتي تفوق الوصف العادي، ولذلك استخدمت صيغ المبالغة.


عمل صيغ المبالغة

لا يخفى على الدارس والباحث في علم الصرف أن المشتقات تعمل عمل الفعل المشتقة منه، ولكن بشروط، ووالمطّلع على شرح صيغ المبالغة والباحث عن تفاصيلها يتوصل إلى أن صيغ المبالغة تعمل عمل فعلها المشتقة منه، ولما كانت صيغ المبالغة مشابهة لاسم الفاعل وقريبة منه، فقد اتفق العلماء على أن تعمل صيغ المبالغة بالشروط نفسها التي يعمل فيها اسم الفاعل فترفع وتنصب، وهذه الشروط هي إما أن تكون معرفة ب "ال" وعندها تعمل من دون شرط آخر.[٢]


أما إذا كانت صيغ المبالغة مجردة من "ال" التعريف فهنا يلزم أن تكون دالة على الحال أو الاستقبال، وأن تسبُقَ بنفي أو استفهام أو أن تكون خبرًا أو صفةً أو حالًا في الإعراب، وهذه الشروط هي نفسها شروط عمل اسم الفاعل المذكورة في الكتب والمصادر، ومثال عمل صيغ المبالغة: هذا رجلٌ صوّامٌ ليلَهُ، فصوّام صيغة مبالغة وهي هنا مجردة من "ال" التعريف"، ووقعت صفةً لما قبلها، فعملت عمل الفعل ورفعت فاعلًا مستترًا، ونصبت مفعولًا به.[٢]

المراجع[+]

  1. "الاشتقاق في اللغة العربية"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-07-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث "صيغ المبالغة"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 26-07-2019. بتصرّف.
  3. سورة النساء، آية: 16.
  4. سورة الأحزاب، آية: 72.
  5. سورة نوح، آية: 22.
  6. "قذى بعينكِ امْ بالعينِ عوَّارُ"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 26-07-2019.