حكم القنوت في صلاة الفجر

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٤٠ ، ١٧ مايو ٢٠٢٠
حكم القنوت في صلاة الفجر

مفهوم القنوت

إنّ مفهوم القنوت لغةً له معانٍ كثيرة يصدر عنها قد ذكرها أهل المعاجم في كتبهم، منها أنّ القنوت يعني الإمساك عن الكلام، وقيل هو الخشوع والإقرار بالعبوديّة لله تعالى، وقيل هو القيام بالطاعة التي ليس فيها معصية لله، وقال الإمام ثعلب -وهو من أئمة اللغة- إنّ الأصل في معنى القنوت هو القيام، وقيل بل هو إطالة القيام، وفي الصحيحين قال زيد بن أرقم: "كُنَّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ أحَدُنَا أخَاهُ في حَاجَتِهِ حتَّى نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فَأُمِرْنَا بالسُّكُوتِ"،[١] وقال بعض أئمة اللغة إنّ الأصل في القنوت في أشياء، فمنها القيام؛ وبهذا المعنى جاءت أحاديث القنوت في الصلاة؛ لأنّ الدّاعي إنّما يدعو قائمًا، ويساند هذا المعنى الحديث في صحيح مسلم أنّ جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "سُئِلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قالَ: طُولُ القُنُوتِ"،[٢] وسيقف المقال هذا مع حكم القنوت في صلاة الفجر.[٣]

حكم القنوت في صلاة الفجر

بعد الوقوف على معنى القنوت ومفهومه في اللغة بقي أن يقف المقال مع حكم القنوت في صلاة الفجر، والقنوت في الفجر هو الدعاء في الركعة الثانية من صلاة الفجر، وهو من الأمور التي اختلف فيها فقهاء الإسلام، وقد ذكرت كتب الفقه الإسلاميّ ثلاثة أقوال للفقهاء في ذلك، وهي كالآتي:[٤]

  • القول الأوّل: وهو قول الحنابلة والحنفيّة وقول سفيان الثوري رضي الله عنه، وهو منقول عن ابن عباس وأبي الدرداء وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم، وخلاصة هذا القول أنّ القنوت في صلاة الفجر أمرٌ غير مشروع، وقال الحنابلة يُكره ذلك، وقال الإمام أبو حنيفة إنّ ذلك بدعة، ودليلهم في ذلك الحديث الذي يرويه أنس بن مالك في صحيح البخاري أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قَنَتَ شهرًا في صلاة الفجر يدعو على بعض أحياء العرب وهم رِعْلٌ وذَكْوان ثمّ تركه، وهذا الترك دليلُ نسخِ القنوت في الفجر، وكذلك ما روي عن سعد بن طارق الأشجعيّ أنّه قال: "قلتُ لأبِي: يا أبَتِ إنَّك قد صَلَّيتَ خلْفَ رسولِ  اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وأبِي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ وعلِيِّ بنِ أبِي طالِبٍ هاهُنا بالكُوفةِ نَحْوًا من خَمْسِ سِنينَ، أكانُوا يَقْنُتُون؟ قال: أيْ بُنيَّ، مُحدثٌ"،[٥] ويقول الإمام الترمذي إنّ هذا القول عليه عمل أكثر أهل العلم.[٦]
  • القول الثاني: وهو قول المالكيّة، ورأي المالكيّة أنّه -أي القنوت في صلاة الفجر- مُستحبٌّ وفضيلة، ودليلهم حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- الذي يقول فيه: "ما زال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقنُتُ في الفجرِ حتى فارَق الدُّنيا"،[٧] (رقم الحديث الصحيح: 1/303) وذهب بعض علماء المالكيّة إلى أنّ القنوت واجب في صلاة الصبح، فمن تركه فقد فسُدَت صلاته، وهو عندهم جائز قبل الركوع أو بعده في الركعة الثانية، غير أنّه قبل الركوع أفضل؛ لأنّ في ذلك رفق بالذي قد تأخّر عن الصلاة، وهذا الأمر قد استقرّ عليه عمل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، وكذلك عثمان -رضي الله عنه- عندما سأله المهاجرون والأنصار أن يجعله قبل الركوع؛ "لأَِنَّ فِي ذَلِكَ فَائِدَةً لاَ تُوجَدُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَهِيَ أَنَّ الْقِيَامَ يَمْتَدُّ فَيَلْحَقُ الْمُفَاوِتُ، وَلأَِنَّ فِي الْقُنُوتِ ضَرْبًا مِنْ تَطْوِيل الْقِيَامِ، وَمَا قَبْل الرُّكُوعِ أَوْلَى بِذَلِكَ، لاَ سِيَّمَا فِي الْفَجْرِ" كما قال القاضي عبد الوهاب أحد أقطاب علماء المالكيّة، ومن ترك القنوت عندهم لسهو أو عمد فليس عليه سجود سهو، فمن سجد للسهو فقد بطلت صلاته، وليس لدعاء القنوت حد محدود، والإسرارُ به أفضل عندهم، ولا يرفع الداعي يديه فيه.[٨]
  • القول الثالث: وهو قول الشافعيّة، وقال الإمام النووي إنّ القنوت في صلاة الفجر سنّة مؤكّدة لحديث أنس بن مالك السابق، ولو تركه لم تبطل صلاته، ولكن يسجد سجود السهو، وهو عندهم بعد الرفع من الركوع الثاني في صلاة الفجر، ويُستحب لمن يصلّي بجماعة أن يجعل الدعاء بصيغة الجمع ولا يدعو لنفسه فقط؛ لحديث رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الذي يقول فيه: "ولا يَؤُمُّ قومًا فيخصُّ نفسَه بدعوةٍ دونهم ، فإن فعل فقد خانهم"،[٩] وفي مسألة رفع اليدين أثناء الدعاء فالأصح فيه رفعهما، وأمّا فيما يخصّ مسح الوجه باليدين في حالة رفعهما فإنّ الأصحّ تركه، وأمّا فيما يخصّ الجهر بالقنوت أو الإسرار به ففي ذلك ثلاث حالات: الأولى أن يكون الذي يدعو إمامًا ففي هذه الحال الجهر أصحّ له، وأمّا إذا كان منفردًا فالأصحّ له الإسرار بلا خلاف، وأمّا إن كان مأمومًا فإنّ له أحوالًا؛ فإن أسرّ الإمام فإنّه يقنت سرًّا، وأمّا إن جهر الإمام وكان المأموم يسمعه فإنّه يُؤمّن على دعائه، وأمّا إن لم يكن يسمعه فإنّه يقنت سرًّا، والله أعلى وأعلم، وبذلك يتوضّح حكم القنوت في صلاة الفجر بالتفصيل.[١٠]

دعاء القنوت

بعد الوقوف على حكم القنوت في صلاة الفجر فإنّ المقال يقف مع دعاء القنوت الذي يدعو به المصلي في قنوته، وقبل الوقوف مع الدعاء فإنّه لا بأس بنقل كلام الإمام النووي عن صفة دعاء القنوت، فيقول الإمام رضي الله عنه: "وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُنُوتَ لاَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ دُعَاءٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ، فَأَيُّ دُعَاءٍ دَعَا بِهِ حَصَل الْقُنُوتُ، وَلَوْ قَنَتَ بِآيَةٍ أَوْ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الدُّعَاءِ حَصَل الْقُنُوتُ، وَلَكِنَّ الأَْفْضَل مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ"، فإذًا على المسلم أن يعلم أنّ دعاء القنوت لا يُشترط فيه دعاء مُعين، ولكن الأفضل أن يأتي بدعاء من السنة المطهّرة، والدعاء الأفضل للقنوت هو ما رواه الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- الذي يقول فيه: "علَّمَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَلِماتٍ أقولُهنَّ في الوترِ: اللهمَّ اهدِني فيمن هدَيْتَ، وعافِنِي فيمن عافيْتَ، وتولَّنِي فيمن توليْتَ، وبارِكْ لي فيما أعطيْتَ، وقني شرَّ ما قضيْتَ، فإِنَّكَ تقضي ولا يُقْضَى عليْكَ، وإِنَّه لا يَذِلُّ من واليْتَ، تباركْتَ ربَّنا! وتعاليْتَ"،[١١] وكذلك لو دعا القانت بدعاء عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- في القنوت فذلك حسن؛ فقد روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنّه قنت بعد الفجر فدعا فقال: "اللَّهُمَّ اغفِر لَنا وَلِلْمُؤمنينَ والمُؤْمِناتِ، والمسلِمينَ والمُسْلِماتِ، وألِّف بينَ قلوبِهِم وأصلِح ذاتَ بينِهِم، وانصُرهم علَى عدوِّكَ وعدوِّهم، اللَّهمَّ العَن كفَرةَ أَهْلِ الكِتابِ الَّذينَ يصدُّونَ عَن سبيلِكَ، ويُكَذِّبونَ رُسُلَكَ، ويقاتِلونَ أولياءَكِ، اللَّهمَّ خالِف بينَ كلِمتِهِم، وزَلزِلْ أقدامَهُم، وأنزِلْ بِهِم بأسَكَ الَّذي لا تردُّهُ عنِ القومِ المُجرمينَ، بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ، اللَّهمَّ إنَّا نَستعينُكَ ونَستغفِرُكَ، ونُثني علَيكَ ولا نَكْفرُكَ ونَخلعُ ونَترُكُ من يفجُرُكَ، بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعبدُ ولَكَ نُصلِّي ونسجُدُ، ولَكَ نَسعَى ونَحفِدُ، ونخشَى عَذابَكَ الجِدَّ ونَرجو رحمتِكَ، إنَّ عذابَكَ بالكافِرينَ مُلحِقٌ".[١٢]

فإن جمَعَ الداعي بين الدّعاءين في القنوت فلا بأس بذلك، ولكن الأفضل تقديم الدعاء الوارد في حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما، وإن اقتصر على واحد منهما فيقتصر على الدعاء الأوّل الوارد في حديث الحسن، وإنّما يجوز للمصلّي أن يجمع بين الدعاءين في حال كان يصلّي منفردًا، أو أن يكون إمامًا لجماعة يرضون بأن يطيل الإمام في صلاته، وبذلك يكون قد تم مقال حكم القنوت في صلاة الفجر، والله أعلى وأعلم بالصواب.[١٣]

المراجع[+]

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن زيد بن أرقم، الصفحة أو الرقم: 4534، حديث صحيح.
  2. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله، الصفحة أو الرقم: 756، حديث صحيح.
  3. "القنوت "، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 17-5-2020. بتصرّف.
  4. مجموعة من المؤلفين، الموسوعة الفقهية الكويتية (الطبعة 1)، مصر: مطابع دار الصفوة، صفحة 58، جزء 34. بتصرّف.
  5. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق، الصفحة أو الرقم: 402، حديث حسن صحيح.
  6. "الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ"، al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 17-5-2020. بتصرّف.
  7. رواه ابن الملقن، في تحفة المحتاج، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 1/303، صحيح أو حسن كما اشترط على نفسه في المقدمة.
  8. "القنوت في الصبح"، al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 17-5-2020. بتصرّف.
  9. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصفحة أو الرقم: 357، حديث حسن.
  10. "القنوت في الصبح"، al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 17-5-2020. بتصرّف.
  11. رواه النووي، في الأذكار، عن الحسن بن علي بن أبي طالب، الصفحة أو الرقم: 86، حديث إسناده صحيح.
  12. رواه البيهقي، في السنن الكبرى، عن عبيد بن عمير، الصفحة أو الرقم: 2/211، حديث صحيح موصول.
  13. "القنوت في الصبح"، al-maktaba.org، اطّلع عليه بتاريخ 17-5-2020. بتصرّف.