تاريخ مملكة الرها

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:٤١ ، ٧ أغسطس ٢٠١٩
تاريخ مملكة الرها

الحملة الصليبية الأولى

دعا البابا أوربان الثاني سنة 1095م لحملةٍ عسكريّة ضد المسلمين لتخليص الأراضي المقدسة والقدس منهم وإرجاعها تحت الحماية المسيحية، والتي تُعرف بالحملة الصليبية الأولى من عام 1096م لغاية 1099م، شارك فيها عددٌ كبير من قادة الولايات الصليبية في أوروبّا، حيث اجتمع أمراء الحملة الأولى في عاصمة الإمبراطورية البيزنطية القسطنطينية عام 1097م، ثم توجهوا نحو بيت المقدس، وفي طريقهم احتلوا مملكة الرها وإمارة انطاكيةعام 1098م، فأكملوا زحفهم نحو بلاد المقدس حتى وصلوها واستولوا عليها عام 1099م، بعد حصار للقدس ما يقرب الأربعين يومًا، فاعلنوا تأسيس مملكة بيت المقدس وعدد من الممالك الصليبية في المناطق المجاورة لها، دام احتلال الصليبيين لبيت المقدس وما حولها ما يقارب القرنين، وهذا المقال للتعريف بتاريخ مملكة الرها.[١]

تاريخ مملكة الرها

وللتعريفِ بتاريخ مملكة الرها، فهي مملكة قديمة شمال بلاد الشام، وتُعد أول إمارة حكمها الأباجرة في المشرق حتى الاحتلال الروماني لها، أطلق عليها اسم الرها نسبة لقبيلة "أورهي" التي تأتي منها سلالة الأباجرة، وذكر جان ريستو أنّ القبائل العربية كانت متواجدة في مملكة الرها، وقال المؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر في القرن الأول للميلاد: إنّ سكان الرها هم من العرب وتسمى المنطقة "بالعربية"، وذكر في السريانية عربايا أي "العربية"، فجميع سكان الرها من العرب، حيث ودت نقوش عربية ترجع للقرنين الثاني والثالث الميلادي وتحيدًا في "سوماتار هارابيسي"، ويقول المؤرخون حول تاريخ مملكة الرها أنّ الرها اعتنقت المسيحية سنة 200م لتعد أول مملكة مسيحية في العالم، ولغتها الرسمية هي السريانيّة وتسمى أيضًا لغة الرها، موطن نشؤ السريانية وانتشارها.[٢]

يرجع تاريخ مملكة الرها للفترة الآشورية والبابلية، حيث عرفت في الحوليات الآشورية "بأدما"، كما مر بها الطريق الملكيّ بين سارديس وسوسا خلال فترة الإمبراطورية الأخمينية من 550-330ق.م، وبعد احتلال الإسكندر المقدوني لمدينة الرها اصبحت مركز غزو الثقافة الهيلينية للمنطقة، حيث ورد في مخطوطة زقنين أنّ الفرس احتلوا الرها واعلنوا تأسس مملكة الرها سنة 135ق.م، وجعلوا من أسرة الأباجرة ملوكًا عليها.[٢]

عندما دخل الرومان الشام سنة 64ق.م، كانت مملكة الرها منطلق اهتمامهم، برغم من أنّها تحت النفوذ الفارسي، فأسسوا علاقة قوية مع الأباجرة، واتحدوا بحملة ضد الفرس انتهت بهزيمة الروم، وفي الحديث حول تاريخ مملكة الرها يجدر بالذكر أن سبب احتلال الروم لمملكة الرها هو غدر ملك الرها بالروم أثناء حصول خلافات داخلية بين قادة الروم، فقام سبتيميوس باحتلال مملكة الرها وجعلها ولاية تابعة لروما، وألغيت مملكة الرها بشكل نهائي سنة 213م.[٢]

الفتح الإسلامي لمملكة الرها

وفي الحديث عن تاريخ مملكة الرها، لا بدّ من ذكر الأمم التي تعاقبت عليها، حيث لم تَبقَ الرها رهينة الفرس والروم بل دخل المسلمون ساحة المنافسة، فإقليم الجزيرة الفُراتيَّة يُعدّ قاعدةً عسكريَّةً روميَّة مُهمَّة وضخمة ومجهزة لمواجهة أي هجوم يأتي من بلاد فارس، وبعد فتح المسلمين لمعظم بلاد الشام والعراق، شكل الإقليم تغرة خطرة على المناطق حديثة الدخول في الدولة الإسلامية، وخوفًا من استخدام الروم لهذه المناطق في حملات عسكرية ضد المسلمين واسترداد الأراضي التي فتحوها، وايضًا حصول تحالف بين الفرس والروم ضد المسلمين، ففتحُ الجزيرة الفُراتيَّة يأتي لتثبيت الفتوح الإسلامية في بلاد الشام والعراق، وحماية المكتسبات الإسلامية وقطع علاقة القبائل العربية المسيحية مع بيزنطة لوقف تجنيدهم في الجيش البيزنطي، ومنع وصول المدِّ الأرمنيّ لهرقل.[٣]

ففي عام 18هـ قام الخليفة عُمر بن الخطاب على تولية الصحابي عياض بن غنم على مناطق حمص والجزيرة وقنسرين، فخرج في عام 18هـ/639م على رأس الجيش باتجاه الرِّقَّة فحصارها وفتحها صُلحًا، وتقدم نحو إمارة الرها واقام معسكرًا على أحد أبوابها وقاوم أهلها المسلمين، وفي اليوم السادس طلب قائد الحامية الرومية الصُلح، فوافق الصحابي عيَّاض بن غنم واعطى الأمان له ولأهل المدينة على أنفُسهم وأموالهم، وقبلوا بدفع الجزية والخِراج، ثُمَّ توجه نحو حرَّان فصالح أهلها على شروط صُلح الرها، وبعث بفرقةٍ عسكريَّةٍ فتحت سميساط، فطلب أهل المدن الأخرى الصُلح بِشُروط صُلح الرها مثل: وقرقيسيا تل موزان وماردين وآمد، فوافق عيَّاض بن غنم، وفي العام التالي سقطت كامل الجزيرة الفُراتيَّة بيد المُسلمين، وهكذا دخل المسلمون في سجل تاريخ مملكة الرها بعد الفرس والروم.[٣]

الاحتلال الصليبي للرها

وبعد الحديث حول تاريخ مملكة الرها والفتح الإسلامي لها، قام الصليبيون باحتلال الرها إبّان الحملة الصليبية الأولى في ربيع الأول سنة 491هـ فبراير 1098م، وتُعدّ أول إمارة صليبية في العالم الإسلامي، حيث قام بلدوين الأول أثناء حصار انطاكية بالتوجه بجيشه شرقا نحو الرها بجيشه، لكن سرعان ما سقطت الرها في يده، فأسس على إثرها بلدوين الأول كونتية الرها أو إمارة الرها، وذكر الؤرخون في تاريخ مملكة الرها أنه وأثناء سقوط الرها استغل الصليبيون ضعف المسلمين في تلك الفترة وقاموا بالاستيلاء على انطاكية على يد القائد الصليبي بوهمند حيث أسس الإمارة الثانية، وتلاها تأسيس الإمارة الثالثة على يد ريموند صنجيل بعد الاستيلاء على طرابلس.[٤]

كانت الإمارات الثلاثة تابعةً لمملكة بيت المقدس، ولم يمضِ عامان على حكم بلدوين حتى غادرها إلى مملكة بيت المقدس؛ وذلك لتنصيبه ملكًا عليها، ونصب بلدوين دي بورغ حاكمًا على الرها حتّى سنة 512هـ/1118م، ثم جوسلين الأول وتبعه جوسلين الثاني آخر حكامها حتى سنة 539هـ/1144م.[٤]

تحرير الرها من الصليبيين

أثناء الاحتلال الصليبي للرها، كثُرت التحرّشات والاستفزازات والانتهاكات من قبل جوسلين كونت الرها ضدّ المسلمين وممتلكاتهم، حيث لم يغفل عماد الدين زنكي عن أفعاله العدوانية ضد المسلمين، وبالحديث حول تاريخ مملكة الرها يجدر الذكر أن عماد الدين زنكي محرر الرها من الصليبيين-، لكنّه انتظرَ الفرصة المناسبة للقضاء على الإمارة الصليبية، لتشكيلها تهديدًا مباشرًا له، وشوكة في تحرير جنوب الشام مركزهم الصليبيين، فعمل على إعداد خطة محكمة وبسرية التامة، ولم يُظهر لجوسلين سوء نية لضمان نجاح الخطة؛ فهو يتصف بالغدر والقسوة والشجاعة والدهاء وذو كفاءةً قياديةً وإداريةً عالية، فَعِلمُهُ بالخطة يُعني استنفار الصليبيين، ومضمون الخطة كان بمباغتة المدينة بشكل مفاجئ، وفي وقت لا يتوقعه جوسلين، والضغط على المدينة لاستسلامها بأسرع وقت قبل أيّ تدخّل من القوى الصليبية المجاورة.[٥]

ففي نوفمبر عام 1144م خرج عماد الدين زنكي من الموصل شمالًا بحجة بغزو ديار بكر في أعالي دجلة، وكان ينتظر خروج جوسلين لإمارة إنطاكية للاحتفال بأعياد الميلاد، وكان جوسلين مطمئنًا لاعتقاده أنّ عماد الدين خرج لديار بكر، وعند مغادرة جوسلين اتجه المسلمون غربا، وارسل عماد الدين لأمير حماه بتوجيه قواته نحو الرها، فأطبق الجيشان على مدينة الرها في 28 نوفمبر 1144م، وأحكم حصارها، وفتحت الثغرات في سور المدينة وشنت القوات الإسلامية هجماتها، واستمر الحصار أربعة أسابيع، وعند عودة جوسلين لجأ إلى قرية مجاورة ينتظر المدد من إنطاكية ومملكة بيت المقدس، إلا أن الجيوش الصليبية وصلت بعد أن فتح المسلمون المدينة.[٥]

كان لمباغتة القلعة دورٌ حاسم في سرعة سقوطها بيد المسلمين، في وقت لم تكن القلعة مستعده لحصار طويل، دخل عماد الدين مدينة الرها، وطلب بإعادة ما أخذ من أهلها دون وجه حق، وعدم التعرض لكنائسهم، وقابلهم بالمعاملة الحسنة والعدل، وكان نموذجًا للقائد المسلم في تواضعه وسماحته وعفته، وعاد الأذان للمدينة بعد توقف دام نحو خمسين عاماً من الاحتلال الصليبي، وغادر عماد الدين المدينة بعد عودة الطمأنينة إلى أهلها، وترميم أسوارها، ووضع حامية للدفاع عنها، وتزودها بعتاد ووسائل دفاع ومؤن، وفيما تقدّم حديث موجز ومفصّل حول تاريخ مملكة الرها التي تعاقبت عليها عدة أمم وحضارات لمكانتها وموقعها الاستراتيجي الذي جهل هذه الأمم تتنافس للظفر بها.[٥]

المراجع[+]

  1. مصطفى وهبه (1997)، موجز تاريخ الحروب الصليبية (الطبعة الأولى)، المنصورة: مكتبة الإيمان للنشر والتوزيع، صفحة 21-26. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت "مملكة الرها"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 18-07-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "الفتح الإسلامي للشام"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 18-07-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "كونتية الرها"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 18-07-2019. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت "قصة تحرير الرها من الصليبيين"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 18-07-2019. بتصرّف.