تاريخ ظهور الشرق الأوسط في العصر الحديث

بواسطة: - آخر تحديث: ٢٠:١٨ ، ١٠ يوليو ٢٠٢٠
تاريخ ظهور الشرق الأوسط في العصر الحديث

الشرق الأوسط

استُخدمَ مصطلح الشرق الأوسط في العصر الحديث للإشارة إلى المنطقة الجغرافية التي تشملُ جميع البلدان الواقعة في غرب آسيا ومصر، وبالتالي فإنَّ جميع دول الشرق الأوسط تقع في قارة آسيا باستثناء مصر فهي تقع في أقصى الشمال الشرقي لقارة أفريقيا، وتطلُّ تلك الدول جميعها على عدَّة بحار ذات أهمية كبيرة عالميًّا هي: البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب والخليج العربي، وقد استُخدَم هذا المصطلح لأول مرة في مكتب الهند البريطاني في خمسينيات القرن التاسع عشر، لكنَّه أصبح شائعًا جدًّا بعد استخدامه من قبل ألفريد ثاير ماهان الخبير الاستراتيجي في قوات البحرية الأمريكية في عام 1902م وذلك من أجل تمييز المنطقة التي تقع بين الهند شرقًا وشبه الجزيرة العربية غربًا، وكان قد أُطلِق اسم العالم القديم على هذه المنطقة الجغرافية من قبل المستكشفين الجغرافيين في عهد الاستكشافات الجغرافية قديمًا، وقد عُرفت على أنَّها مهد الحضارات الإنسانية بالإضافة إلى كونها مهد الديانات السماوية الإبراهيمية.[١]

تاريخ ظهور الشرق الأوسط في العصر الحديث

في القرن السادس تقريبًا بدأت التفاوتات في مظاهر الحضارة المختلفة بين الشرق وبين الغرب تزداد اتساعًا، وتدريجيًّا دخلت مجتمعات المنطقة التي يُطلق عليها الشرق الأوسط حاليًا مرحلة انحطاطٍ طويلة قد يكون خلفها أسباب عديدة لا تقلُّ غموضًا عن الأسباب التي ساهمت في النهضة الأوربية الحديثة وقيام الثورة الصناعية حسب بعض المؤرخين، واتَّفق المؤرخون على أنَّ المعارف التكنولوجية والعلميَّة ومستويات المعيشة وما إلى هنالك من مظاهر حضارية قبل ثلاثة قرون كانت متشابهة تقريبًا بين المنطقتين حتى أواسط القرن الثامن عشر، وذلك قبل انفجار الثورة الصناعية في أوروبا وقبل اشتعال الثورة الفرنسية التي أدَّت في النهاية إلى تشكيل أنظمة الدول والأمم التي حققت اكتساب قدرات هائلة، ولكنَّ الإمبراطوريات العظيمة التي كانت موجودة في الشرق في تلك الفترة لم تكن تتوقع صعود الدول الأوروبية الصغيرة وقد كانت منهكة من الحروب الدينية، بينما أوروبا كانت في طريقها إلى الاستقرار والشرق يعيش في حالة حروب دائمة، غزوات ومثلها مضادة بين العثمانيين والصفويين في بلاد القوقاز وما بين النهرين وفي هضبة الأناضول وآسيا الوسطى، فأُصيبت الأمبراطوريتان بالإنهاك كثيرًا، وبدأت أطماع الدول المجاورة مثل: إنجلترا وفرنسا والنمسا وروسيا، تزداد باقتطاع المناطق من الإمبراطوريتين، وفي هذه الأثناء كانت منطقة الشرق الأوسط الحديث في طريقها إلى التشكُّل والتمايز دولًا ومناطقَ وأقاليم، وبسبب الهوة التي كانت تزداد يومًا بعد يوم بين أوروبا من جهة والإمبراطورية العثمانية والإيرانية من جهة أخرى من نواحي عديدة مثل: التقدُّم والتطوُّر والثراء والاتساع، استطاعت أوروبا أن تبسط سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط بالكامل وتمكنت في النهاية من التوسُّع أكثر لتمتدَّ إلى الهندِ ومناطق الشرق الأقصى، ومنذ ذلك التاريخ كانت منطقة الشرق الأوسط مُجبرةً على أن تعيش الهيمنة الأوروبية في عهدها الجديد،[٢] ولا بدَّ في هذا المقال من الإشارة إلى المراحل التي عاشتها المنطقة في العصر الحديث بالتفصيل، وفيما يأتي مراحل قيام منطقة الشرق الأوسط في العصر الحديث:

نهايات الدولة العثمانية

تعدُّ الدولة العثمانية من أعظم الإمبراطوريات التي مرَّت عبر التاريخ، وهي أعظم إمبراطورية إسلامية على الإطلاق، تأسست الدولة العثمانية على يد عثمان بن أرطغرل الأول في عام 1299م وقد سمِّيَت الدولة على اسمه لأنَّه مؤسس الدولة العثمانية الفعلي، وبدأت الدولة العثمانية في الصعود والتوسُّع شيئًا فشيئًا،[٣] وقد بلغت الدولة أوجَ ازدهارها وذروة المجد والقوة في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، ففي تلك الفترة امتدَّت أراضيها بشكل كبير لتشمل مناطق واسعة من قارات العالم القديم الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، وكانت تتألف من 29 ولاية، بالإضافة إلى فرض سيادة اسمية على بعض الإمارات والدول في القارة الأوروبية، وفي عهد السلطان سليمان الأول والملقَّب بسليمان القانوني أو سليمان العظيم وهي الفترة الممتدة من عام 1520م وحتى عام 1566م كانت الدولة العثمانية أعظم قوة على وجه الأرض ولا تضاهيها أي إمبراطورية في العالم،[٤] وكانت منطقة شرق المتوسط قد خضعت لحكم الدولة العثمانية في عهد والده السلطان سليم الأول الذي عمل على توحيد العالم الإسلامي لمواجهة التحالفات الأوربية وخصوصًا بعد سقوط الأندلس، ففي عام 1514م سيطر العثمانيون على تبريز وبعض مناطق أخرى من إيران، وفي عام 1516م خاضَ العثمانيون معركة عظيمة ضدَّ المماليك في شمال بلاد الشام انتهت بانتصار العثمانيين على المماليك وبسط سيطرتهم على كامل بلاد الشام وبعدها مصر والحجاز، وبذلك تكون منطقة الشرق الأوسط بالكامل قد خضعت لسيطرة الدولة العثمانية في بداية القرن السادس عشر الميلادي.[٥]

ومنذ أواسط القرن الثامن عشر وتقريبًا من عام 1740م بدأ الضعف يدبُّ في أطراف الدولة العثمانية، وبدأت الدولة تدخل في نفق مظلم تتأخر فيه عن ركب الحضارة وبدأت بالتراجع بشكل كبير، وبدايةً من تلك الفترة غرقت في مرحلة طويلة جدًّا من الخمول والركود والانحطاط الحضاري والثقافي، فيما كان العالم كلُّه يسير بخطى ثابتة في طريق التقدُّم وينهض في مختلف المجالات ويتفوق بشكل كبير وخصوصًا الدول الأوروبية، فبدأت الهزائم تتوالى على الدولة العثمانية، فتعرَّضت لهزائم كثيرة كبَّدتها خسائر فادرحة في الأموال والأرواح ومناطق السيطرة وأجزاء من أراضيها، وصار للعديد من الدول الأوروبية تدخل غير مباشر في أمور الدولة وشؤونها، وقد حاول العديد من السلاطين القيام بإصلاحات واسعة وفي جوانب عديدة لإعادة تماسك الدولة وتقويتها، وقد تحوَّل نظام الحكم في عهد السلطان عبد الحميد الثاني من نظام ملكي مطلق إلى نظام ملكي دستوري، لكنَّه لم يلبث أن عطَّل العمل بالدستور ورجع إلى الحكم الملكي المطلق وهذا ما أدى إلى زيادة زعزعة الحكم وتأليب الناس ومختلف القوى الوطنية على السلطة، ويعدُّ السلطان عبد الحميد الثاني آخر الحكام الفعليين للدولة العثمانية،[٦] ومن أهمِّ الأسباب التي أدَّت إلى انهيار الدولة العثمانية ما يأتي:[٧]

  • انتشار التخلُّف والجهل في أنحاء الدولة الشاسعة وابتعاد المنظومة التعليمية عن الطرائق الصحيحة في التعلُّم والتدريس.
  • التأخر الكبير عن معظم مظاهر العلم والثقافة والحضارة وعن النهوض والتطور بالعلوم والتكنولوجيا والصناعة والرقي، على عكس الدول الأوروبية التي كانت تقتحمُ سبلَ الحضارة بكلِّ جسارة.
  • انحراف معظم السلاطين العثمانيين عن أسلوب الحكم الصحيح.
  • ممارسة الظلم وإهمال حقوق الناس ومطالبهم.
  • تفشِّي انتشار الخرافات بين الناس بسبب الجهل بالإضافة إلى مظاهر الشرك والبدع والانحراف عن التوحيد.[٨]

وإنَّ كلَّ تلك الأسباب بالإضافة إلى نشوب الحرب العالمية الأولى ودخول الدولة العثمانية فيها بقوة قرَّبت من انهيارها وأدَّت في النهاية إلى سقوطها سقوطًا كارثيًّا فتَّتها إلى دويلات عديدة، فبعد توقيع معاهدة مودس عام 1918م بعدَّة أشهر وخلال فترة حكم محمد وحيد الدين السادس دخلت القوات البحرية الملكية البريطانية والإيطالية والفرنسية ثم القوات الأمريكية إلى منطقة القرن الذهبي، ووصلت قواتها إلى الآستانة وحولتها إلى قاعدة رئيسة لنشاط الحلفاء في الشرق، وسيطر الحلفاء على الموانئ في البحر الأسود، واقتسموا الأراضي التركية، فاحتلت فرنسا مرسين وأضنة وإيطاليا وقونية وداسي واليونان منطقة غرب الأناضول وتراقيا، ورفض الشعب التركي عمومًا هذا الاحتلال والتقسيم ورفضوا القبول بتلك المعاهدات، بعكس الخليفة محمد السادس الذي أُجبِرَ على توقيع معاهدة سيفر والتي بموجبها تمَّ تقسيم أوصال الدولة العثمانية بما فيها تركيا، لكنَّ القوى الوطنية رفضت ذلك، ورفضت الخضوع لرغبات الأعداء وتعاون السلطان مع الحلفاء، فتمَّ تأسيس حكومة وطنية يرأسها مصطفى كمال أتاتورك قامت بعقد مؤتمرات كثيرة في جميع أنحاء البلاد لاستنهاض وعي الشعب وإنقاذ تركيا من التقسيم بعدما سقطت كل المناطق التي كانت تحت سيطرتها، فألغت هذه الحكومة جميع قرارات الحكومة السابقة وهزمت بجيش وطني يتزعمه أتاتورك جيوش اليونان واستعادت أراضيها المُحتلة وأجبرَت قوات الحلفاء على الاعتراف بانتصار تركيا في اليونان، فسقطَت الدولة العثمانية في تلك الفترة أمام القوى العالمية الخارجية وأمام قوى المعارضة الداخلية وعجزت عن الصمود عند ذلك، وسقطَت سياسيًّا في عام 1922م، وفي عام 1923م وتحديدًا في 24 من يوليو تمَّت إزالتها وإلغاؤها نهائيًا باعتبارها دولة قائمةً قانونيًّا وذلك بعد توقيع معاهدة لوزان، وتمَّ الإعلان عن قيام الجمهورية التركية الحديثة على اعتبارها الوريث الشرعي للدولة العثمانية.[٦]

الحرب العالمية الأولى

تعدُّ الحرب العالمية الأولى من أعنف الصراعات التي مرَّت في التاريخ وكان يظنُّ البشر وقتها أنَّها الحرب التي ستنهي جميع الحروب، وقد سببت هذه الحرب في تغيّرات سياسية كبيرة في عدد من الدول المشاركة والتي أدَّت إلى قيام الثورات، كما أنَّ الخلافات والصراعات التي لم تُحَلّ في نهاية الحرب سبَّبت في قيام الحرب العالمية الثانية بعد عشرين سنة تقريبًا، وكان اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914م بين القوى العالمية الكبرى المتصارعة على مناطق النفوذ والحكم من الإشارات التي كانت تؤكدُ قربَ سقوط الدولة العثمانية، وخصوصًا بعد مشاركة الدولة العثمانية فيها لعدَّة أسباب، فقد جرَّ القائد العسكري أنور باشا الدولة العثمانية إلى مقتلها ومهلكها وبداية النهاية لها بوقوفها إلى جانب دول المحور: وهي ألمانيا والمجر والنمسا ضدَّ دول الحلفاء وهي: فرنسا وبريطانيا وحلفائهم في الحرب العالمية الأولى، فرأت بريطانيا أنَّ الدولة العثمانية هي الحلقة الأضعف في التحالف الذي يشكله العدو، وعملت جاهدةً على طردها من الحرب ولكنَّ البريطانيين بعد أن فشلوا في حملة غاليبولي عام 1915م، حاولوا اتباع طرق مختلفة للقضاء على العثمانيين وهي التحريض وإثارة الثورات في مناطق وولايات الدولة العثمانية وخصوصًا أنَّ مختلف القوميات في الدولة العثمانية كانت في حالة صحوة ونقمة على العثمانيين كالعرب والأرمن والآشوريين وغيرهم، فوجدَ الإنجليز في شخصية الشريف حسين في الحجاز حليفًا مهمًّا لهم وقد كان يشغل منصب شريف مكة لكسب التحالف مع العرب،[٩] وسيتمُّ توضيح المراحل التي مرَّت بها الحرب العالمية الأولى باختصار فيما يأتي.

بداية الحرب العالمية الأولى

في عام 1914م وفي 28 يوليو بدأت الحرب العالمية الأولى في أوروبا بين الإمبراطورية النسماوية وصربيا بعد اغتيال وريثِ العرش النمساوي الأرشيدوق فرانز فرديناند في عاصمة البوسنة والهرسك مدينة سراييفو، ولكنها ما لبثت أن تمدَّدت لتشمل مناطق واسعة وجمعت بين مختلف القوى الاقتصادية العظمى في العالم، فخلال أيام فقط دخلت الحرب كل من ألمانيا وروسيا وفرنسا وبريطانيا وبجيلكا وإيطاليا وبلغاريا ومعظم الدول في أوروبا، بالإضافة إلى اليابان والولايات المتحدة الأمريكية والدولة العثمانية وغيرها من دول العالم.[١٠]

دخول الدولة العثمانية الحرب

في العاشر من أغسطس عام 1914م دخلت الدولة العثمانية الحرب بشكل فعليٍّ، وذلك عندما سمحت للبوارج الألمانية بعبور مضيق الدردنيل إلى البحر الأسود هربًا من البوارج البريطانية التي كانت تطاردها في البحر المتوسط، وقام الباب العالي بإلغاء الامتيازات الأجنبية في خطوة بعيدة باتجاه الحرب، وأغلق المضائق البحرية أمام ملاحة السفن التجارية وألغى جميع السلطات القضائية غير العثمانية ومكاتب البريد الأجنبية، وبعد الانتصارات التي حققتها ألمانيا على روسيا استعادت الدولة العثمانية الأمل باستعادة الأراضي التي احتلتها روسيا، فهاجم العثمانيون موانئ روسيةً في البحر الأسود وكان ذلك دخولًا مباشرًا في الحرب، فأعلنت روسيا الحرب عليها ثمَّ تبعتها فرنسا وبريطانيا، وخاضت بعد ذلك حروبًا عديدة في القوقاز وبلاد الرافدين وشبه جزيرة سيناء وغيرها.[١١]

تطورات الحرب

شاركَ في الحرب العالمية الأولى أكثر من 70 مليون جندي، وقُتل فيها أكثر من تسعة ملايين مقاتل وسبعة ملايين مدني وقد كان هذا الرقم ضخمًا جدًّا في تلك الحقبة، كما ساهمت الحرب بشكل أو بآخر بوقوع عدد من جرائم الإبادة الجماعية وحدوث الإنفلونزا الإسبانية في عام 1918م التي أودَت بحياة أكثر من خمسين مليون شخص، وبسبب التطوُّر الصناعي والتقني المُحرَز لدى الأطراف المتقاتلة كانت الخسائر العسكرية في تزايد مستمر، كما أدى دخول الحرب مرحلة حرب الخنادق إلى تكبُّد خسائر كبيرة أيضًا، تصاعدت وتيرة الحرب ووقعت الدول في إنهاك شديد من طول الحرب وكثرة الخسائر، فوقَّعت بلغاريا وروسيا على الانسحاب من الحرب عام 1918م، ووقّعت الدولة العثمانية على الاستسلام فيهدنة مودروس، وانهزمت الإمبراطورية النمساوية أمام إيطاليا ووقّعت هدنة أيضًا، ثمَّ تمَّ التوقيع على هدنة ووقف إطلاق النار في 11 نوفمبر عام 1918م في الساعة الخامسة مساءً، على أن يتمَّ وقف إطلاق النار في الساعة الحادية عشرة ليلًا، لتنتهي الحرب مخلفةً دمارًا كبيرًا وعددًا كبيرًا من القتلى وخسائر هائلة جدًّا لدى جميع الأطراف.[١٠]

انهزام الدولة العثمانية

خلال الحرب العالمية الأولى قامت قوات الحلفاء بإثارة الثورات في الأراضي العثمانية من مختلف القوميات من أجل إنهاكها، وقامت قوات الحلفاء بالهجوم على الدردنيل وغاليبولي، فثار الأرمن على العثمانيين، كما قامت الثورة العربية الكبرى بعد أن تواصلت بريطانيا مع الشريف حسين للقيام ضدَّ العثمانيين ووعدته بمنح الاستقلال للعرب بعد الحرب، فثار العرب وأخرجوا العثمانيين من الحجاز ثم من بلاد الشام، وبعد عدَّة هزائم تعرّضت لها الدولة العثمانية أدرك الباب العالي الخطر المحدّق بتركيا، وخوفًا من دخول العدو إلى تراقيا الشرقية والزحف إلى الآستانة، قام العثمانيون بتوقيع معاهدة مودروس مع الحلفاء والتي خرجوا بموجبها من الحرب، ولكن بعد أن فقدت جميع أراضي العالم الإسلامي التي كانت تسيطر عليها بما فيها بلاد الشام والرافدين.[١١]

نتائج الحرب العالمية الأولى

كانت هذه الحرب من أكثر الحروب التي غيَّرت صورة العالم السياسية والجغرافية، فقد اختفت نتيجتها الإمبراطوريات الثلاث في أوروبا: النمساوية المجرية والألمانية والروسية إلى جانب الدولة العثمانية، ونالت كثير من الدول استقلالها كما تشكلت دول جديدة، وسقطت السلالات الحاكمة مع الطبقات الرديفة لها بما فيهم العثمانيين، وعادت تركيا إلى حجمها الطبيعي محافظةً من خلال معاهدة لوزان على أراضيها مقابل التنازل عن بقية الأراضي التي كانت تحت سيطرتها، وبرزت القوى الاستعمارية الكبرى لتفرض سيطرتها على مناطق واسعة من الشرق والشرق الأوسط خصوصًا، ولتبدأ مرحلة تقسيم هذه المناطق إلى دول عديدة يخضع كل منها إلى انتداب إحدى دول الحلفاء العظمى.[١٢]

تقسيم الوطن العربي

خلال الحرب العالمية الأولى وبعد أن بلغت النقمة العربية ذروتها ضدَّ العثمانيين أعلن الشريف حسين قيام الثورة العربية الكبرى لطرد العثمانيين وتحرير العالم الإسلامي من السيطرة العثمانية ونال وعودًا من قبل دول الحلفاء بحصول الدول العربية على الاستقلال إذا ساعدهم في دحر القوات العثمانية وانضمَّ إلى صفوف الحلفاء، استطاع العرب إخراج العثمانيين من الحجاز، وتعاونت القوات العربية إلى جانب القوات البريطانية على إخراجهم من بلاد الشام والعراق، وكانت الدولة العثمانية قد تلقَّت هزائم عديدة أجبرتها على الانكماش والتخلّي عن جميع الأراضي التي تقع تحت سيطرتها، وفي تلك الفترة كان العرب يطمحون لتشكيل كيانات مستقلة والحصول على الوعود التي منحتها إياها بريطانيا وفرنسا،[١١] لكنَّ تلك الأحلام لم تتحقَّق، فقد وُضِعت الخطوط الأولى لتقسيم العالم العربي قبل انتهاء الحرب وقبل أن تنسحب الدولة العثمانية من الحرب مهزومة، ولكن بعد تعرّض الدولة العثمانية للهزيمة وتفككها وقَّعت الحكومة الوطنية التركية معاهدة لوزان بعد أن انتصرت على القوات اليونانية فاضطرَّ الحلفاء للتراجع عن المعاهدات السابقة التي قسّمت تركيا من خلالها مثل معاهدة سيفر، فتمَّ توقيع معاهدة لوزان التي حفظت وحدة الأراضي التركية ولكنَّها بالمقابل تنازلت عن المطالبة بالأراضي التي كانت تحت سيطرتها سواء في العالم العربي أو في غيره مثل جزيرة دوديكانيسيا.[١٣]

في التاسع عشر من مايو من عام 1916م توصَّل ممثلو فرنسا وبريطانيا إلى توقيع اتِّفاق سرِّي فيما بينهم عرف لاحقًا باسم اتفاقية سايكس بيكو، وكانت تلك الاتفاقية تنصُّ على تقسيم العالم العربي الذي تسيطر عليه الدولة العثمانية إلى مناطق تابعة لفرنسا وبريطانيا بمجرد انتهاء الحرب، وقد خاضَ الحلفاء كثير من النقاشات حول مستقبل الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، بما في ذلك مصير المناطق التابعة لها في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية وجنوب ووسط أوروبا، وبموجب الاتفاقية فقد كانت روسيا ستضمُّ العاصمة العثمانية إلى أراضيها والمحافظة على مضيق الدردنيل، مقابل موافقة روسيا على مطالب بريطانيا وفرنسا بالسيطرة على المناطق الأخرى بما فيها بلاد ما بين النهرين الغنية بالثروات الباطنية، فكانت معاهدة سيفر التي وقعت في العاشر من أغسطس من عام 1920م بين تركيا ودول الحلفاء بمثابة إلغاء للدولة العثمانية، وأجبرت تركيا على التنازل عن جميع الحقوق التي كانت تملتكها في شمال إفريقيا وآسيا، ونصَّت المعاهدة على استقلال أرمينيا وكردستان وسيطرة اليونان على سواحل الأناضول الغربية وتراقيا وغيرها، ولكنَّ الحكومة الوطنية رفضت هذه المعاهدة ليحلَّ محلها معاهدة لوزان آنفة الذكر في عام 1923م.[١٤]

في أعقاب الحرب العالمية الأولى لم تكن دول الحلفاء قد حدَّدت بعد مناطق نفوذها في العالم العربي، فاجتمع المؤتمر السوري الأول في دمشق في الثامن من مارس عام 1920م، واتخذ قرارات عديدة نصَّت على استقلال سوريا الطبيعية بما فيها فلسطين استقلالًا كاملًا ورفضت الصهيونية ودعوتها في إقامة وطن لليهود في فلسطين، وأعلنَ عن تشكيل حكومة مسؤولة أمام المؤتمر الذي يمثل المجلس النيابي، وضمَّ ممثلين من سوريا وفلسطين ولبنان، ونصِّب الأمير فيصل ملكًا على البلاد لكن لم تعد السلطة محصورة في يده، بل صارت رهن الحكومة الجديدة، وتمَّ وضع دستور للبلاد مثل دساتير الدولة العربية، ولكنَّ دول الحلفاء لم تقبل تلك القرارت، واعتبرت أنَّ مصير البلاد مرتبط بقرارات مؤتمر السلام، ودعت الأمير فيصل للسفر إلى أوروبا لعرض قضية البلاد هناك وفي الخامس والعشرين من شهر إبريل عام 1920م وقَّع ممثلون عن بريطانيا وفرنسا وإيطاليا معاهدة سان ريمو التي تمَّ وفقها تحديد مناطق نفوذ كل من بريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط، فقد عُقد المؤتمر ونظِّم من أجل الحفاظ على مصالح الحلفاء، حيثُ سلَّم المؤتمر صكَّ انتداب سوريا ولبنان إلى فرنسا، وصك انتداب فلسطين والأردن والعراق إلى بريطانيا، وأكد المؤتمر على قرارات وعد بلفور بتشكيل دولة لليهود في فلسطين، ومن أهم نتائج مؤتمر سان ريمو:[١٥]

  • مناقشة معاهدة سيفر التي أسست مستقبل منطقة الشرق الأوسط العربية، وتقسيمها إلى دول وكيانات بما يتناسب مع مصالح الاستعمار.[١٥]
  • تقسيم سوريا الطبيعية إلى أربع دول هي: سوريا ولبنان وفلسطين والأردن.[١٥]
  • إخضاع سوريا ولبنان للانتداب الفرنسي، والعراق والأردن وفلسطين للانتداب البريطاني.[١٥]
  • التزام بريطانيا بتحقيق وعد بلفور لليهود، والذي تمَّ في عام 1917م وينصُّ على إقامة وطن قوميّ لليهود في فلسطين.[١٦]

الدول بعد الحرب العالمية الثانية

كانت الحرب العالمية الثانية مع الحرب العالمية الأولى أعنف وأكبر الصراعات في العصر الحديث، بدأت الحرب في عام 1939م بغزو ألمانيا لدولة بولندا، وكان النزاع أساسًا بين دول المحور المتمثلة بألمانيا واليابان وإيطاليا ودول الحلفاء الممثلة ببريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، والصين تدخلت بشكل بسيط، وقد وقعت الحرب فعليًّا في كل جزء من العالم على مدار سنوات الحرب، وانتهت الحرب في عام 1945م مخلفةً وراءها ملايين القتلى والضحايا لذلك تعدُّ من أكثر الحروب دمويةً وعنفًا في التاريخ، وقد غيَّرت الحرب من الخارطة السياسية لقوى النفوذ في العالم، حيثُ نتجَ عنها توسيع نفوذ وسلطة الاتحاد السوفيتي ليشمل الدول الأوروبية الشرقية، وساهمت في وصول الحركة الشيوعية إلى الحكم في الصين، وكانت السبب الرئيس في تحوُّل السلطة في العالم إلى الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية بعيدًا عن الدول الأوروبية التي كانت تستحوذ على السلطة سابقًا،[١٧] وقد تكبَّدت الدول المشاركة في الحرب خسائر هائلة في الأرواح والأموال والبنى التحتية لذلك خرجَت الدول الاستعمارية منهكةً وأقلَّ نفوذًا ولا سيما فرنسا وبريطانيا، حيثُ قتل أكثر من 55 مليون شخص في جميع أنحاء العالم،[١٨] وتمَّ تأسيس منظمة الأمم المتحدة بعد انعقاد مؤتمر سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر يونيو من عام 1945م، وحضره آنذاك مندوبون عن خمسين دولة من دول العالم الداعمة للسلام، ومن بداية تأسيسها رفعت منظمة الأمم المتحدة أهدافها في المحافظة على الأمن والسلام الدوليين في جميع أنحاء العالم، والعمل على تطوير التعاون بين دول العالم، وضمان حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، بالإضافة إلى حماية حقوق الإنسان في كل مكان، وكانت هذه البارقة الأولى لحصول الدول التي تقع تحت الاستعمار عمومًا ودول الشرق الأوسط خصوصًا على استقلالها.[١٩]

وفي هذه الفترة بدأت دول الشرق الأوسط بنيل استقلالها وبناء كياناتها المستقلة، أمَّا جمهورية تركيا كانت قد أُعلنت عن قيامها بعد الحرب العالمية الأولى وتحديدًا في عام 1923م ، فيما بقيت دول شرق المتوسط تحت الانتداب الغربي، وقد اضطرت خلال الحرب أن تقاتل إلى جانب دول الحلفاء، ورغم أنَّ مصر كانت قد حصلت على استقلالها في عام 1936م إلا أنَّها تعرضت لضغوط من قبل بريطانيا وصلت إلى ليبيا بعد طرد إيطاليا وألمانيا، وأمَّا العراق فكانت قد وقعت مع بريطاينا في عام 1930م معاهدة منحتها حق إقامة قواعد عسكرية فيها وحصول العراق على استقلاله عام 1932م، لكنَّ ثورة رشيد عالي الكيلاني في إبريل عام 1941م ضد الاحتلال البريطاني بمساعدة ألمانيا والتي انتهت بقضاء بريطانيا عليها أدَّت إلى بقاء الجيش البريطاني في البلاد، بينما خضعت كل من سوريا ولبنان لسيطرة حكومة فيشي المؤقتة في فرنسا والتي كانت موالية لألمانيا في عام 1941م إلى أن استطاع الحلفاء السيطرة على الدولتين مرة ثانية، وانتقل الحكم فيهما إلى فرنسا الحرة التي كان يرأسها الجنرال ديغول، وقامت حكومة فرنسا الحرة بمنح الاستقلال لسوريا في سبتمبر من عام 1941م، ومنحت لبنان الاستقلال في نوفمبر من عام 1941م، ولكنَّ ذلك الاستقلال ظلَّ اسميًا فقط، وزادت مطالب الشعبين بالحصول على الاستقلال الكامل، فتحقق ذلك عام 1943م واستكملت سوريا ولبنان الاستقلال واستلام المؤسسات التي تديرها فرنسا إلى أن انسحبت الجيوش الفرنسية في عام 1946م، أما الأردن فقد حصلت على استقلالها في 25 مايو عام 1946م،[١٩] بينما بقيت القضية الفلسطينية عالقة حتى الوقت الحالي، وقد أدى اعتراف الأمم المتحدة بتقسيمها إلى دولتين عربية وإسرائيلية عام 1947م والإعلان عن قيام إسرائيل عام 1948م إلى نشوب حروب طويلة وزيادة تعقيد المشهد أكثر، وبذلك تشكلت صورة الشرق الأوسط الجديد في العصر الحديث.[٢٠]

المراجع[+]

  1. "الشرق الأوسط"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  2. "قراءة كتاب تاريخ الشرق الأوسط من الأزمنة القديمة الى اليوم تأليف جورج قرم"، foulabook.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  3. "أصول الدولة العثمانية ونشأتها"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  4. "الدولة العثمانية"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  5. "عهد سليم الأول"، islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  6. ^ أ ب "الدولة العثمانية"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  7. "الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  8. علي محمد محمد الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط، صفحة 948.
  9. "تاريخ الشرق الأوسط"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  10. ^ أ ب "الحرب العالمية الأولى"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  11. ^ أ ب ت "الدولة العثمانية"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  12. "الحرب العالمية الأولى"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  13. "معاهدة لوزان"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  14. "كيف تم تقسيم الوطن العربي"، eliapedia.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  15. ^ أ ب ت ث "مؤتمر سان ريمو"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  16. "وعد بلفور"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  17. "الحرب العالمية الثانية"، www.arageek.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  18. "الحرب العالمية الثانية في أوروبا"، encyclopedia.ushmm.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  19. ^ أ ب "الحرب العالمية الثانية"، ar.wikipedia.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.
  20. "صعود محدود: رحلة عرب 1948 إلى الكنيست الإسرائيلي"، www.ida2at.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-07. بتصرّف.