المترادفات في اللغة العربية

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:١٢ ، ٢٧ أغسطس ٢٠١٩
المترادفات في اللغة العربية

التطور الدلالي

وردَ في تعريف اللغة العربية أنّها تشبه الكائن الحيّ، فكما أن الكائن الحيّ عرضة للتطور المستمر، فإنه تطور اللغة سنن من سننها، "لأنها تحيا على ألسنة المتكلمين بها وهم من الأحياء، وهي لهذا تتطور وتتغير بفعل الزمن كما يتطور الكائن الحي ويتغير"،[١] وكان لمجيء الإسلام أثر كبير على الألفاظ العربية، فبه جَدَّت ألفاظ وماتت ألفاظ، وتبدلت معاني بعض الألفاظ بعد أن استعيرت لمعنى جديد وعُرف التطور الدلالي وهو التغير الذي يصيب دلالات الألفاظ مركبة ومفردة عبر العصور المختلفة، شرط توفر الأسباب والدواعي لذلك، وهذا أدّى إلى وجود المترادفات في اللغة العربية.[٢]

المترادفات في اللغة العربية

الترادف موضوع من موضوعات فقه اللغة، ويُعرف اصطلاحًا بأنّه: دلالة عدّة كلمات مختلفة على مسمى واحد أو معنى واحد، فالقنطر والدهاويس والدهيم والتجارم والبايجة... وغيره كثير، من أسماء الداهية، وتبدأ هذه الأسماء بلفظة من معناها الحقيقي، ثم انتقلت من معناه الحقيقي إلى معان مجازية متعددة، فالمترادف هو أن تكون أسماء لشيء واحد مولدة ومشتقة من شيء واحد.[٣]

وظاهرة الترادف هي من الظواهر اللغوية القديمة تاريخيًّا، إلا أن مصطلح الترادف استخدم متأخرًا، وذلك بعد أن اتضحت معالم هذه الظاهرة، وأصبحت موضوعًا لُغويًّا يشغل كتب اللغويين، وقد كان أوّل ظهور لهذا المصطلح "الترادف أو المترادفات في اللغة العربية" في القرن الثالث الهجري، في أقدم نص لُغويّ للشيخ أبي العباس ثعلب المُتَوفّى سنة 291 عندما أنكر المترادفات في اللغة العربية.[٤]

الخلاف في وقوع الترادف

يذهب بعض اللغويين إلى عدم الأخذ بالترادف المطلق في اللغة، إذًا ليس ثَمَّةَ ترادُف مَحض، بل إن لكل اسم معنى يختص به لأجله، فمن أسماء السيف: الهندي نسبة إلى الهند، والصارم نسبة إلى الصرم والقطع. واختلاف هذه الكلمات يكون من حيث اتفقت، ويقود التشابه فيما بينها إلى البحث في اشتقاقات هذه الكلمات للوقوف على دقة في التفريق لا تعرفها بهذا المثال إلا العربية دون كثير من اللغات الأخرى، ولا يقصد بالاشتقاقات هنا ما يعرف عن الاشتقاق في اللغة العربية في علم الصرف، وإنما الاشتقاقات في معانيها ودلالاتها. ومع ذلك فقد دعا بعض آخر من اللغويين إلى الأخذ في الترادف انطلاقًا من الأسباب والدوافع التي أدت إلى ذلك عبر التاريخ، وبالتالي أقرّوا بوجود المترادفات في اللغة العربية، وفيما يأتي عرض لآراء القدماء والمحدثين من قضية المترادفات في اللغة العربية:[٥]

آراء القدامى

ذهب بعض اللغويين من القدماء إلى إثبات وقوع المترادفات في اللغة العربية، ومنهم: سيبويه، والأصمعي، وأبو الحسن الرماني، وابن خالويه، وحمزة بن حمزة الأصفهاني، والفيروزآبادي، والتهانوي. وأثبته من اللغويين المُحْدثين: علي الجار، وإبراهيم أنيس، وكان لهم حججهم في إثباته وهي:.[٦]

  • لو كان لكل لفظةٍ معنًى غير معنى الأخرى، لما استطاعوا التعبير عن الشيء بغير عبارته، ومن ذلك استخدام ‏"‏لا ريب فيه" بدل‏ "لا شكَّ فيه"، و"اللُّب" بدل "العقل"، فلما عُبِّرَ بهذا عن هذا عُلم أن المعنى واحد‏.‏
  • إنّ المتكلم يستخدم اسمين مختلفين للمعنى الواحد في مكان واحد تأكيدًا ومبالغةً، فيقول‏:‏ "وهند أتى من دونها النَّأْي والبعد"، قالوا‏:‏ فالنَّأْيُ هو البعد‏.‏
  • الترادف لا يعني التشابه التام إنما أن يُقام لفظ مقام لفظٍ لمعانٍ متقاربة يجمعُها معنًى واحد كما يقال‏:‏ أصلحَ الفاسد ولمّ الشّعث ورتَقَ الفَتْق وشَعَبَ الصَّدع‏.‏
  • إذا أصبحت عدد من المفردات تدل على شيء واحد، فهي من الترادف، ولا يهم ما إذا كانت في الماضي تدل عليه أو على صفة فيه، مثل الحسام والهندي التي أصبحت اللتان تدلان الآن على السيف ولا يلحظ معنى القطع أو الأصل الهندي فيها.

أمّا المنكرون لظاهرة المترادفات في اللغة العربية فهم: ثعلب، وابن درستويه، وابن فارس، وأبو علي الفارسي، وأبو هلال العسكري، والبيضاوي. وحججهم في الإنكار:

  • لا يجوز أن يختلفَ اللفظ والمعنى واحد؛ لأنّ في كل لفظة زيادة معنى ليس في الأخرى، ففي "ذَهَبَ" معنى ليس في "مَضى".
  • الدليل على أن اختلاف الأسماء يوجب اختلاف المعاني أن الاسم يدل كالإشارة، فإذا أُشير إلى الشيء مرة واحدة فعُرف فالإشارة إليه ثانية وثالثة غير مفيدة، وواضع اللغة حكيم لا يأتي فيها بما لا يفيد.[٦]

آراء المحدثين

كان للمحدثين مع علماء اللغة تعاملا مختلفا مع ظاهرة المترادفات في اللغة العربية، فوضعوا شروطًا وقواعد للاستفادة من الترادف، ومنهم إبراهيم أنيس الذي ناقش قضية الترادف، وذكر آراء علماء العربية في وقوعها، ودلَّل بأمثلة من العربية على وقوع هذه الظاهرة، وبيَّن الشروط التي وضعها المحدثون من علماء اللغات لتحقق هذه الظاهرة، وهذه الشروط هي:[٦]

  • الاتفاق في المعنى بين الكلمتين اتفاقًا تامًّا.
  • الاتحاد في البيئة اللغوية، فتكون الكلمتان تنتميان إلى لهجة أو مجموعة منسجمة من اللهجات.
  • اتحاد في العصر بالنظر إلى المترادفات في فترة خاصة أو زمن معين.
  • ألّا يكون أحد اللفظين نتيجة تطور صوتيّ للفظ الآخر.

وقد ذكر إبراهيم أنيس الأسباب التي تنشأ عنها ظاهرة المترادفات في اللغة العربية، وهي: تفضيل بعض القبائل لكلمات خاصة تشيع بينها وتكاد تكون مجهولة في القبائل الأخرى، واستعارة كلمات من لهجة من اللهجات أو لغة من اللغات، والمجازات المنسية التي تُولِّد نوعًا من الترادف في اللغات، فقد تستعمل بعض الكلمات استعمالًا مجازيًّا، يطول العهد عليه فيصبح حقيقة، وافتقاد بعض الصفات لعنصر الوصفية مع مرور الزمن فتتحوّل إلى أسماء لا يدرك مستخدمها ما كانت عليه فيؤدي هذا إلى الترادف، وأخيرًا فإن كثيرًا من الكلمات ما تشترك معانيها في بعض الأجزاء، وتختلف في البعض الآخر، وتخف درجة الخلاف نتيجة التغيير الدلالي، فتتشابه المعاني تشابهًا تامًّا.[٦]

ولم يكن علماء اللغة الأوروبيّين بأبعد عن مناقشة قضية المترادفات في اللغة العربية، كما أشار كمال بشر في قضية الترادف، فاللغوي "بلومفيلد" يرى أنّ الترادف غير موجود، وإذا اختلفت الصيغ صوتيًّا وَجَبَ اختلافها في المعنى، وبهذا فلا يوجد ترادف، ويتَّفق معه "فيرث" في هذه النَّظريَّة، فالمميّزات الصوتية لديهما إحدى خصائص المعنى اللغوي، وإذا اختلفت المكونات الصوتية تغيَّر المعنى.[٦]

المراجع[+]

  1. علي عبد الواحد وافي (2000)، علم اللغة، مصر: نهضة مصر للطباعة والنشر، صفحة 325.
  2. "خصائص التطور الدلالي"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-08-2019. بتصرّف.
  3. حاكم لعيبي (1980)، الترادف في اللغة، الجمهورية العراقية: منشورات وزارة الثقافة والإعلام، صفحة 32-33. بتصرّف.
  4. حاكم لعيبي، الترادف في اللغة، صفحة 34. بتصرّف.
  5. "ترادف"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 19-08-2019. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث ج "ظاهرة الترادف عند القدماء والمحدثين"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-08-2019. بتصرّف.