الحكمة من اختلاف ميراث الذكر عن الأنثى في الشريعة

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٥٩ ، ٢٥ يوليو ٢٠٢٠
الحكمة من اختلاف ميراث الذكر عن الأنثى في الشريعة

الميراث

لقد فرض الله قواعد شرعيّة، تطبّق كما أمر به الشّارع عند تقسيم ميراث المتوفّى على مستحقيه من أصول المتوفّى وفروعه، ومن يليهم من الأقرباء والأرحام، فالميراث هو ما يتركه شخص أو أشخاص لمن بعدهم من مال وغيره، وقيل الإرث في الحسب، والورث في المال، الميراث مفرد جمعه: مواريث، ومعناه اللّغويّ: ما يورّث، وتركة الميّت،[١] ومعناه اصطلاحًا: هو ما يتركه الشّخص المتوفّى من حقوق ماليّة أو عينيّة لورثته من الأرحام والأقرباء، وقد امتاز نظام الإرث في الشّرع عن غيره من أنظمة التّوريث الوضعية، بأنّه لم يخوّل الشّخص المالك للميراث بتوزيع ورثته كيفما شاء، بأن يعطي من يشاء، ويحرم من يشاء، إنّما جعل له حريّة التّصرف بثلث ميراثه بعد موته ولغير الورثة، لمن أحبّ أن يعطيهم من الأصدقاء أو الأقرباء أو الفقراء أو في أيّ طريق من طرق الخير،[٢] فيكون توزيع الميراث ضمن قواعد شرعيّة وللورثة الشّرعيّين، وبحسب النّصّ القرآنيّ، وفيما يأتي الحكمة من اختلاف ميراث الذكر عن الأنثى في الشريعة.[٣]

الحكمة من اختلاف ميراث الذكر عن الأنثى في الشريعة

إنّ الله تعالى خلق كلّ شيء بحكمة، ويوزّع كلّ شيء بين خلقه بحكمة منه سبحانه، والحكمة من اختلاف ميراث الذكر عن الأنثى في الشريعة، أن الله تعالى كرّم المرأة؛ بأن جعل تكاليف الحياة على عاتق الرّجل من مهر الزّواج وباقي نفقاته ونفقة السّكن والنّفقة على نفسه وعلى الزّوجة وعلى الأبناء، والدّيات في العاقلة وغير ذلك من نفقات الحياة، فالمرأة لا تتحمّل أي نفقة من النّفقات السّالفة الذّكر، إنّما يتحمّلها الرّجل، فلذلك كرّم الله تعالى المرأة بأن جعلها تحتفظ بمالها لنفسها، بينما هيّأ من يتحمل أعباء الحياة الماديّة عنها، بالإنفاق عليها وعلى أبنائها، فمالها ينمو ويزداد، بينما مال الرّجل ينقص بالنّفقة على نفسه وعلى زوجته وعلى أبنائه، فهذه هي الحكمة الإلهيّة من اختلاف ميراث الذكر عن الأنثى في الشريعة، وهذا هو العدل والإنصاف الرّبانيّ بين الجنسين، حيث قال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}.[٤] والله عليمٌ بما كان وبما سيكون، حكيمٌ في توزيع الأرزاق على عباده، وهو يعلم بخفايا الأمور والعباد يعجزون عن ذلك لأنّ علم قاصرٌ عن علمه سبحانه، حيث قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}.[٥] وقال أيضًا: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.[٦][٧]

حالات توريث المرأة في الإسلام

لقد نصّ القرآن الكريم بصريح العبارة على توريث المرأة مقابل الذّكور، سواء كانت التركة صغيرة أو كبيرة، حيث قال تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا}.[٨] فكان كلام الله تعالى في الآية السّابقة إجمال دون تحديد النّسبة، ثمّ أعقبه تفصيل وتحديد لنصيب كلّ من الأنثى والذّكر كالآتي:[٩]

المساواة في الميراث بين الذّكر والأنثى

لقد ساوى الشّارع في الميراث بين الذّكر والأنثى، فيما بين الأخ والأخت وهما لأمّ، ويكون إرثهما من أخيهما المتوفّى، عندما لم يكن له أصل من الذّكور ولا فرع وارث، حيث قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}.[١٠] وكذلك ساوى الشّارع في الميراث بين الذّكر والأنثى، فيما بين الأب والأمّ في إرثهما من ابنهما المتوفّى، وله ولد، حيث قال تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ}.[١١]

نصيب الذّكر ضعف نصيب الأنثى

لقد نصّ القرآن الكريم على إعطاء الذّكر ضعف نصيب الأنثى، وذلك عندما يكون للمتوفّى أبناء ذكورًا وإناثًا، حيث قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}.[١٢] وأيضًا يأخذ الذّكر ضعف الأنثى عندما يتوارث الزّوجان من بعضهما، فيرث الزّوج من زوجته ضعف ما ترثه هي منه، حيث قال تعالى: {وَلَكُمْ

نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}.[١٣] فكما سبق ذكره فإنّ العدل الإلهيّ من إعطاء الذّكر ضعف الأنثى، ما يتحمّله الرجل من أعباء مادّيّة، بينما هي أعفيت منها.

إنصاف الإسلام للمرأة في الإرث

لقد أبطل الإسلام شريعة الجاهليّين بعدم توريث المرأة لطالما هناك وارث من الذّكور، فقد أعطاها حقّها من الميراث سواء كان معها ذكور أم لم يكن، فقد ورثت من أبيها وبوجود أخوة من الذّكور لها، كما أنّها ورثت ابنها المتوفّى وبوجود زوجها، وورثت زوجها المتوفّى وبوجود أبناء لها أو له من الذّكور، ولذك عليها أن تحمد الله تعالى الذي أكرمها وأعطاها حقوقها دون نقصان، فالذّكر والأنثى عند الله سواء، لا تفضيل لأحدهما على الآخر إلّا بالتّقوى والعمل الصّالح، حيث قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}.[١٤]

شبهة مظلومية المرأة في الإسلام

يدّعي المشكّكون بأنّ الإسلام ظلم المرأة في الميراث وفي غيره، لقد جاء وحرّر المرأة من قيود الجاهليّة، وأعطاها حقوقها كاملة، بعد أن كانت مستعبدة محرومة من الحياة، وإن عاشت فهي مملوكة ومحرومة من الإرث، تباع وتشرى وكأنّها حيوان من الحيوانات، جاء الإسلام فأعطاها حقّ الحياة، وحقّ التّملّك وحقّ الإرث، وحقّ التّعبير، وغير ذلك من الحقوق، وقد ساواها مع الرّجل في أمور كسب المال، والعمل والأجرة، والذّمم الماليّة، ولكن الثّروة المكتسبة بغير مشقّة وجهد لها فلسفة أخرى،[١٥] ويمكن الرّدّ على هؤلاء المشكّكين بما يأتي:[١٦]

شبهة إعطاء فقه المواريث الذكر ضعف الأنثى مطلقًا

حيث إنّ هذا القول غير دقيق، فهو عار عن الحقيقة ومناف للواقع، فالمتفقّه في علم المواريث، وأحوال ميراث المرأة في الإسلام، يجد بأنّ المرأة قد ترث في بعض الحالات أكثر من الرّجل، وفي حالات أخرى تساوي الرّجل في الميراث، وفي حالات ترث ولا يرث الرّجل، وهذه الحالات تزيد على ثلاثين حالة، بينما إرث الرّجل ضعف إرثها أربع حالات فقط.

نصاب الإرث الإسلامي لا علاقة له بذكورة أو أنوثة

فإنّ التّفاوت بين أنصبة الوارثين في نظام المواريث الإسلامي لا علاقة له فيما يخص جنس الوارث، ذكرًا كان أم أنثى، ولكن هذا التّفاوت له علاقة بأمور ثلاثة:·        

  • درجة القرابة من المتوفّى: كلّما كان الشّخص الوارث أكثر قرابة للمتوفّى كلّما زاد نصيبه من الميراث.       
  • موقع الجيل الوارث: كلّما كان الجيل الوارث صغيرًا قادمًا على الحياة كان ميراثه أكثر، ولذلك ابن المتوفّى ولو كان رضيعًا فنصيبه من الإرث أكبر من نصيب والد أو والدة المتوفّى، لأنّه أشدّ حاجة إلى المال من الكبير.        
  • التّكليف والعبء المادّي: إذا تساوت بين الورثة درجة القرابة وموقع الجيل الوارث، كان التّفاوت بين الورثة على قدر الأعباء الماديّة الملقاة على عاتق الورثة، فالرّجل هو الذي ينفق، بينما المرأة غير مكلّفة بذلك، والقاعدة الفقهيّة تقول: "الغُنم بالغُرم"، أي على قدر المغانم تكون التكاليف والأعباء من الشرع.

مراعاة الإسلام لواقع النّاس وإصلاحه

عندما جاء الإسلام، عمل على إصلاح المجتمع، فأقرّ ما يتوافق معه ولغى كلّ ما هو جاهليّ، فنهى عن وأد البنات، وحرّم ذلك، وأعطى المرأة حقّها من الإرث بعد أن كانت محرومة منه، وسار الأمر ما يرضاه الشّرع الحنيف برهة من الزّمن، ولكن عاد غالبيّة النّاس إلى جاهليّتهم، وحرموا المرأة من نصيبها من الإرث في معظم المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، فوقف أعداء الإسلام ليشهّروا بالإسلام، بأنّه هو من حرم المرأة من نصيبها من حقوقها، ولكن لو أمعن النّظر هؤلاء المرجفون في كتاب الله وفي سنّة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بعقولهم، لعلموا بأنّهم يفترون على الإسلام أيّما افتراء، فالإسلام هو من حرّر المرأة وحرّر العبيد، وأعطى الحقوق إلى أصحابها، فالإسلام حرّم منع المرأة من توريثها بأيّ وسيلة كانت، ومنعها من الإرث يجرّ إلى قطيعة الرّحم، وهو من أكبر الكبائر عند الله تعالى.

موقف المشكّكين من إنصاف الإسلام

إنّ المشكّكين في إنصاف الإسلام للمرأة، لا يميزون بين الإسلام وبين المدّعين بالانتساب إليه دون تطبيق أحكامه، كما أنّهم لا يذكرون جوانب تكريم الإسلام وتقديره للمرأة ممّا لا تحظى به في أيّ نظام آخر، وواضح ذلك جليًّا في كتاب الله تعالى وفي سنّة رسول الله، وكذلك لا يذكرون الأحكام الخاصّة بالمرأة، والتي جعلها الله تعالى تخفيفًا عليه ويقابلها تشديدًا على الرّجل، فقد أباح الشّارع لبس الذّهب للمرأة بينما حرّمه على الرّجل، وأباح لبس الحرير للمرأة وحرّمه على الرّجل، وحمّل الرّجل أعباء الإنفاق المادي على زوجته وأبنائه، بينما هي معفيّة من ذلك ولو كانت غنيّة، ويجب على الرجال حضور صلاة الجماعة في المسجد، وأعفيت منها المرأة، وتؤخذ الجزية من الرّجال غير المسلمين، ولا تؤخذ من نسائهم.[١٧]

المراجع[+]

  1. "تعريف و معنى ميراث"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-22.
  2. "الميراث اصطلاحا وشرعا"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-22. بتصرّف.
  3. "تعريف الميراث وبيان أركانه وشروطه "، www.ahewar.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-22. بتصرّف.
  4. سورة فصلت، آية:46
  5. سورة النساء، آية:34
  6. سورة النحل، آية:90
  7. "حكمة إعطاء الذكر من الميراث أكثر من الأنثى:"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-22. بتصرّف.
  8. سورة النساء، آية:7
  9. "ميراث المرأة"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-22. بتصرّف.
  10. سورة النساء، آية:12
  11. سورة النساء، آية:11
  12. سورة النساء، آية:11
  13. سورة النساء، آية:12
  14. سورة آل عمران، آية:195
  15. "ميراث المرأة في الإسلام.."، gate.ahram.org.eg، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-22. بتصرّف.
  16. "شبهة مظلومية المرأة في الإسلام"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-22. بتصرّف.
  17. "شبهة مظلومية المرأة في الإسلام (2)"، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-22. بتصرّف.