التشكيل الحسي في شعر الطبيعة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٥٥ ، ١٨ أغسطس ٢٠٢٠
التشكيل الحسي في شعر الطبيعة

شعر الطبيعة

شكلت الطبيعة رغم اختلاف أنماطها على مدار عصور الأدب مصدر وحي وإلهام لكثير من الشعراء، حيث التمسوا فيها انعكاسًا حيًا يناجي عواطفهم ويلبي أفكارهم، حتى لم تكد تخلو قصيدة من بعض ملامح الطبيعة ومظاهرها، ولكن ظهور الطبيعة في الشعر لم يكن على وقع واحد خلال عصور الأدب المختلفة، ففي شعر العصر الجاهلي وحتى شعر العصر الأموي، لم تظهر الطبيعة كغرض مستقل في الشعر ، إنما كانت ملامح الطبيعة تتخلل أبيات القصيدة من حين لآخر خدمة للغرض الأساسي ودعمًا للصورة، بينما اتخذت الطبيعة مسارًا خاصًا في الشعر العباسي ولا سيما الشعر الأندلسي،[١] حيث قصدت فيها القصائد التي تقوم على غرض وصف الطبيعة والتغني بها، كما لم تقتصر تلك القصائد على تجسيد الطبيعة وجمالها وحسب فكثيرًا ما كان الشعراء يعملون خيالهم في نسج طبيعتهم الخاصة التي تأتلف مع الطبيعة العامة ومظاهرها، وهذا ينقض قول البعض أن شعر الطبيعة تعبير نقل إلينا من الآداب الغربية، من خلال المدرسة الرومانسية.[٢]


التشكيل الحسي في شعر الطبيعة

اتخذ الشعراء من الطبيعة مادة خصبة تساعدهم في بناء صورهم الشعرية وتدعيم نظمهم، لكن نظرة الشعراء للطبيعة المحيطة من جهة واختلافها وتنوعها من جهة أخرى جعل الشعراء يختلفون في توظيفهم لمظاهر الطبيعة وملامحها وتفعيلها في شعرهم، فمنهم من اكتفى بالنظر إلى مظاهر الطبيعة الحسية كلوحات فنية يستقطب الشهود جمالها وتنظيمها فانكب عليها متأملًا وواصفًا، ولعل هذا اللون من شعر الطبيعة يسود في القصائد التي نظمت في وصف الطبيعة كغرض مستقل، ومن ذلك قول ابن خفاجة في وصف الجبل:[٣]


وَأَرعَنَ طَمّاحِ الذُؤابَةِ باذِخٍ

يُطاوِلُ أَعنانَ السَماءِ بِغارِبِ


يَسُدُّ مَهَبَّ الريحِ عَن كُلِّ وُجهَةٍ

وَيَزحَمُ لَيلاً شُهبَهُ بِالمَناكِبِ


وَقورٍ عَلى ظَهرِ الفَلاةِ كَأَنّهُ

طِوالَ اللَيالي مُفَكِّرٌ في العَواقِبِ


يَلوثُ عَلَيهِ الغَيمُ سودَ عَمائِمٍ

لَها مِن وَميضِ البَرقِ حُمرُ ذَوائِبِ


يبدو أن الشاعر المتأمل ابن خفاجة مأخوذ بمظهر من مظاهر الطبيعة حتى أنه قد كان حريصًا في نقل الصورة والمرأى ذاته للمتلقي دون أن يعمل خياله فيطغى على واقعية المشهد الطبيعي، فهذا الجبل شامخ وعالٍ يطاول السماء في علوه، كما أنه يقف سدًا ذريعًا في وجه الريح، وهو ساكن في واقعه لا يراوده الحراك حتى في خيال ابن خفاجة، ولعل هذا النسج الواقعي لمظاهر الطبيعة الحسية في الشعر يكون أقرب للمحاكاة منه للتشكيل، فالتشكيل يقتضي توظيف الشاعر لخياله وخلخلة جمود الطبيعة وسكونها كما هو الحال لدى ابن المعتز حيث يقول:[٤]


وَالنَجمُ في اللَيلِ البَهيمِ تَخالُهُ

عَينًا تُخالِسُ غَفلَةَ الرُقَباءِ


وَالصُبحُ مِن تَحتِ الظَلامِ كَأَنَّهُ

شَيبٌ بَدا في لِمَّةٍ سَوداءِ


فالشاعر في هذين البيتين قد عمد لإعادة تشكيل اثنتين من الحسيات الطبيعية من خلال شعره، حيث التقطت عدسته الشعرية صورة الطبيعة كما هي، وقام بإعادة تشكيلها من جديد من خلال الخيال الجامح لتبدو الصورة كما هي من زاوية ابن المعتز ، فقد عمد ابن المعتز إلى تحويل ذلك المشهد الطبيعي المألوف لعيان، وأضفى عليه لمسة من خيال جعلت منه مشهدًا فريدًا ومميزًا في نظر المتلقي، وذلك ما نجده لدى البحتري حيث يقول:[٥]


أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا

من الحسن حتى كاد أن يتكلما


وقد نبه النيروز في غسق الدجى

أوائل ورد كن بالأمس نوما


ومن شجر رد الربيع لباسه

عليه كما نشرت وشيًا منمنما


ورقّ نسيم الريح حتى حسبته

يجيء بأنفاس الأحبة نعما


لقد استثمر البحتري خياله الواسع لبناء عالم مغاير للعالم الواقعي من خلال أسلوب التجسيد الذي أسقطه على مظاهر الطبيعة الحسية الجامدة، فتدب فيها الحياة التي تتراءى في عقله وخياله، فقد جعل البحتري الربيع يسير مختالًا ضاحكًا ليوقظ الورود النائمة، ومن جراء ذلك تتفاعل معطيات الطبيعة معه فتستجيب نداءه وتنتعش به فتضحي صورة الربيع في قصيدته وقد عجت بالحركة والحيوية ويضحي الربيع الساكن كائنًا حيًا فاعلًا.[٦]


وقد يلجأ الشاعر إلى الحسيات الطبيعية فيقوم بإعادة تشكيلها بغية إسقاط الشعور الذي ينتابه عليها وإحداث تفاعل يجمع بينه وبين المتلقي، أي أن الشاعر يجعل ذاته وعواطفه مركز القصيدة ومحورها، بينما تشكل الطبيعة بالنسبة له أداة يستثمرها لإبراز عواطفه أو الشعور الذي ينتابه لحظة نظمه للقصيدة، وهذا الاتجاه ينتمي في الشعر الحديث للمدرسة الرومانسية، التي اتخذت من الطبيعة ملجأ لها للتعبير عن العواطف والمشاعر بعيدًا عن قيود الكلاسيكية المثالية،[٧] ومثال ذلك قصيدة المساء للشاعر خليل مطران حيث يقول:[٨]


شاكٍ إِلى البَحْرِ اضْطَرابَ خَوَاطِرِي

فَيُجِيبُنِي بِرِيَاحِهِ الهَوْجَاءِ


ثاوٍ عَلَى صَخْرٍ أَصَمَّ وَلَيْتَ لِي

قَلْباً كَهَذِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ


يَنْتَابُهَا مَوْجٌ كَمَوْجِ مَكَارِهِي

وَيَفُتُّهَا كَالسُّقْمِ فِي أَعْضَائِي


فالشاعر ينتابه إحساس عارم بالضيق والهم بسبب المرض والغربة، ولعله قد وجد في الطبيعة ما يؤنس وحدته فاتخذ من البحر رفيقًَا وجليسًا يبث له همومه فيواسيه ويطيب خاطره، ولعله قد لفتته الصخرة التي يجلس عليها لصلابتها وقدرتها على التحمل فأخذ يغبطها ويتمنى لو أنه امتلك قلبًا بصلابتها، ولكنه يتنبه لضعفها أخيرًا فالموج يضربها ويفت في عضدها كما يفتت الهم والمرض عضده، وفي قوله:[٨]


وَالبَحْرُ خَفَّاقُ الْجَوَانِبِ ضَائِقٌ

كَمَداً كصَدْرِي سَاعَةَ الإِمْسَاءِ


تَغْشَى الْبَريَّةَ كُدْرَةٌ وَكَأَنَّهَا

صَعِدَتْ إِلى عَيْنَيَّ مِنْ أَحْشَائي


وَالأُفْقُ مُعْتَكِرٌ قَرِيحٌ جَفْنُهُ

يُغْضِي عَلَى الْغَمَرَاتِ وَالأَقْذَاءِ


أخذت ملامح الحزن والهم التي غمرت قلب الشاعر وبدت على ملامحه تنعكس على مظاهر الطبيعة المحسوسة، فالبحر لا يكون خفقان أمواجه، من منظور الشاعر، إلا لشعوره بالضيق والألم، وحتى البرية كلها قد غشيها الحزن وكدر ملامحها، والأفق الواسع بات يضيق ذرعًا وقد تعكر فكره ومزاجه، ويقول:[٨]

يا لَلْغُرُوبِ وَمَا بِهِ مِنْ عِبْرَةٍ

للِمْسْتَهَامِ وَعِبْرَةٍ لِلرَّائي


لقد استثمر الشاعر خليل مطران مظاهر الطبيعة الحسية في خدمة التعبير عن الذات وما يكتنفها من مشاعر الحزن والألم، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه لم يوظف هذه المظاهر بواقعيتها الجامدة الساكنة، فقد وشحها بالحركة وجعلها محطًا للتجسيد، حتى بدت مختلفة عن تلك الطبيعة المألوفة المعروفة، بل أصبحت مرآة تعكس ذات الشاعر وتصور ما يمر به من ظروف وما يعتليه من هموم وأحزان.


التشكيل اللغوي في شعر الطبيعة

لم يقتصر توظيف الطبيعة فيالشعر العربي على الصور والمحسوسات من مظاهرها وملامحها التي شكلت البيئة العامة للشعراء، وإنما تجلى ظهور الطبيعة فياللغة الشعرية للقصيدة، فاللغة في الشعر الجاهلي ذي الطبيعة الصحراوية الموحشة تمثل انعكاسًا لها فتراها قوية جزلة يشوبها شيء من الغرابة والألفاظ الوحشية، بالإضافة إلى الألفاظ التي تحمل دلالات المكان من جبال ووديان ورمال وغيرها من ملامح الصحراء، كما في قول زهير ابن أبي سلمى:[٩]


وَدارٌ لَها بِالرَقمَتَينِ كَأَنَّها

مَراجِعُ وَشمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ


بِها العَينُ وَالأَرآمُ يَمشينَ خِلفَةً

وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ


استثمر الشعراء الجاهليون الطبيعة في استهلال قصائدهم ومعلقاتهم كمقدمات تقليدية لازمة بغض النظر عن الغرض الذي كتبت له، وكأنهم بذلك يشيرون إلى الأثر الذي يتركه المكان والطبيعة الصحراوية في نفوسهم، ففي معلقة زهير تجد أسماء أماكن ووديان مهما عثت فإنها ستظل خالدة بخلود المعلقة نفسها، كما أن اللغة الشعرية التي عرض بها الشاعر وصفه بدت جافة وغريبة غرابة ذلك الأثر الذي رحل أهله وهجروه ليؤول مرتعًا للظبيان والبقر الوحشي تجول فيه آمنة على نفسها من البشر الذين نبذهم الاستقرار بفعل تقلب حياتهم في الصحراء، ويقول:[٩]


عَلَونَ بِأَنماطٍ عِتاقٍ وَكِلَّةٍ

وِرادٍ حَواشيها مُشاكِهَةِ الدَمِ


فَلَمّا وَرَدنَ الماءَ زُرقاً جِمامُهُ

وَضَعنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ


بدت القصيدة الجاهلية مفعمة بالصوت والحركة في حين قل فيها عنصر اللون إلى حد كبير كنوع من محاكاة الطبيعة الصحراوية والتشاكل معها، فلا تكاد تلتمس في القصيدة سوى لون زرقة الماء أو عتمة السماء، أما تلك الحمرة التي تكاد تحدث اضطرابًا في صورة الطبيعة في القصيدة فما هي إلا تلك الهوادج التي حملها الراحلون، وقد أبداها بهذا اللون كإشارة للهدف الذي يتتبعه الشاعر من بعيد.


أما في الشعر العباسي، فقد هذبت ألفاظه وتمدنت وتحلت بروح الرقة تبعًا للطبيعة التي كانت سائدة آنذاك، فعلى الرغم من أن الصحراء لا زالت قائمة إلا أن العمران والتمدن وروح الاستقرار هي ما أكسبت شعرهم تلك الرقة والعذوبة في الوصف، ففي قولابن الرومي:[١٠]


طيف عراني فحياني وأتحفني

بالنرجس الغض والتفاح إتحافا


وكم ألمَّ فأهدت لي محاسنه

من الفواكه والريحان أصنافا


رمَّانَ عدنٍ وأعنابًا مهدَّلةً

:::وأقحواناً يسقِّي الراح رفّافا


أسرى بأنواع ريحان وفاكهة

يأبين قطفًا وإن خيَّلن إقطافا


يبدو الفرق شاسعًا بين لغة معلقة زهير بن أبي سلمى، ولغة قصيدة ابن الرومي، وتبدي الألفاظ التي تشير للورد وأنواع الفاكهة أن ابن الرومي قد أقام في منطقة ذات أراض خصبة كبلاد الشام، فعجت القصيدة بألوان النعيم واكتسبت ألفاظها جرسًا موسيقيًا يجعلها تميل للغنائية، كما بدا فيها عنصر اللون واضحًا دون أن يتطرق الشاعر للتصريح بذكر اللون، فالتفاح يوحي بالحمرة بينما يوحي الريحان للخضرة، كذلك يفوح منها العبق بفضل ذكر أنواع الزهر والورد، وذلك كله قد أسهم في خلق صورة متكاملة جاذبة للمتلقي.

المراجع[+]

  1. شادي مجلي سكر (2020-07-22)، "شعر الطبيعة في الأدب الأندلسي"، صحيفة المثقف، العدد 5069. بتصرّف.
  2. "الطبيعة في الشعر الأندلسي"، elaph.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-21. بتصرّف.
  3. "بعيشك هل تدري أهوج الجنائب"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-22.
  4. "والنجم في الليل البهيم تخاله"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-22.
  5. البحتري، ديوان البحتري، صفحة 2090.
  6. بسامخ إسماعيل عبد القادر صيام، التشكيل الحسي في شعر الطبيعة العباسي في القرن الثالث الهجري، صفحة 81. بتصرّف.
  7. سيد نوفل، شعر الطبيعة في الأدب العربي، صفحة 6. بتصرّف.
  8. ^ أ ب ت "داء ألم فخلت فيه شفائي"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-22.
  9. ^ أ ب الزوزني، شرح المعلقات السبع، صفحة 71.
  10. ابن الرومي، ديوان ابن الرومي، صفحة 427.

23 مشاهدة