أنواع النثر في العصر الجاهلي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٢٤ ، ٢٤ ديسمبر ٢٠١٩
أنواع النثر في العصر الجاهلي

الأدب في العصر الجاهلي

عرف العصر الجاهلي فنونَ الأدب من الشعر وأنواع النثر في العصر الجاهلي، فهي على الرغم من قلتها وضياع أكثرها بسبب اعتماد أهل ذلك العصر على الرواية الشفوية، إضافة إلى أثر الزمن الذي يفصلنا عنهم، تعد من أجود أنواع الأدب وأفصحها وأكثرها بلاغة، فقد ظل الشعر وأنواع النثر في العصر الجاهلي مدرسة يتبعها الأدباء ويسيرون على نهجها أزمانًا، فقد كان أهل ذلك العصر أهل الفصاحة والبيان وتحداهم الله تعالى بمعجزة من جنس ما يبدعون، وتنوعت إبداعاتهم الأدبية بين الشعر كشعر المعلقات وشعر الصعاليك[١]، وبين النثر كالخطابة والأمثال والوصايا.

مفهوم النثر

يُعرَف النثر في أصل اللغة بالنشر والتفريق، ومنه اشتقت الدلالة الاصطلاحية لمفهوم النثر حيث يقصد به الكلام المرسل غير الموزون ولا المقفى وهو خلاف المنظوم[٢]، ويعد إلى جانب الشعر وسيلة من وسائل التعبير الفكري الإنساني، ويقسم النثر إلى نوعين:[٣]

  • النثر الكلامي: وهو النثر الذي يجري في لغة التخاطب والكلام التعبيري والانفعالي وليس لهذا النوع أية قيمة أدبية، فقيمته محصورة في حدود التواصل الاجتماعي وحسب.
  • النثر الفني: وهو ما يعنى النقاد في اللغات المختلفة ببحثه ودرسه وبيان ما مر به من أحداث وأطوار.

ويتوزع النثر الفني في الأدب العربي تييسيرًا لدراسته وفقًا لعصور الأدب التاريخية الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي والأندلسي والحديث، وتعد أنواع النثر في العصر الجاهلي من أجود الأنواع النثرية رغم قلتها مقارنة بالأنواع الشعرية، فقد ضاع أكثرها بسبب اعتماد العرب على المشافهة وقوة الحافظة مما صرف الأنظار عن فن الكتابة وأدى إلى تهميشها إذ يعد الشعر فنًا موسيقيًا مقارنة بالنثر مما جعله أيسر للحفظ، لا سيّما أن النثر يمتاز في أكثره بالإسهاب والارتكاز على التفاصيل في التشكيل اللغوي مقارنة بالشعر الذي يرتكز على خاصية الإيجاز.[٣]

أنواع النثر في العصر الجاهلي

رغم أن احتياجات العصر للشعر وأغراضه جعلت النثر يحتلّ المرتبة الثانية في الظهور والاهتمام من قبل الأدباء الجاهليين، إلا أن أنواع النثر في العصر الجاهلي تعد من أبرز وأبلغ الفنون النثرية في آداب العصور التالية، ولعل ن أبرز هذه الأنواع:[٤]

  • الخُطب: وهي من أبرز الفنون النثرية التي عرفها العرب منذ العصر الجاهلي وحتى وقتنا هذا، وقد وصف الجاحظ الخطب في أيام الجاهلية بقوله:كان الشاعر أرفع قدرًا من الخطيب، وهم إليه أحوج لرده مآثرهم عليهم، فلما كثر الشعر والشعراء صار الخطيب أعظم من الشاعر، ولعل من أبرز الخطباء في العصر الجاهلي: أكثم بن صيفي، وابن سنان وقيس الخفاجي و عمرو بن كلثوم وقيس بن عاصم.
  • الأمثال: ومفردها مَثَلَ، وهو قول موجز بليغ قاله الناس وصفًا لحادثة ما، ثم صار يقال عند حصول كل حادثة مشابهة، ويمتاز بالإيجاز وجزالة اللفظ، والشيوع والواقعية.
  • الوصايا: هي ما يقدمه إنسان لإنسان من نصائح ومواعظ، ضمن مجموعة من أوامر ونواهي وقد تأتي على شكل شعر أو نثر، وهي تشبه الخطبة إلا أنها تكون موجهة لفرد مقرب كابن أو زوجة بينما توجه الخطب للجمهور.
  • سجع الكهان: وهي الفنون النثرية التي اصطنعها الكهان في الجاهلية فكانوا يلزمون فيها السجع في كلفة وصنعة لا تتجاوز حد الكلفة والصنعة التي وجدت في أشعارهم، ومن أبرز هؤلاء الكهان: ضمرة بن ضمرة، وهرم بن قطبة، والأقرع بن حابس.

خصائص النثر في العصر الجاهلي

يمتاز النثر الجاهلي بخصائص وسمات فنية وموضوعية تميزه عن غيره من فنون النثر في العصور الأخرى من جهة، وعن غيره من فنون الشعر في العصر الجاهلي نفسه، ولعل من أبرز هذه الخصائص ما يأتي:[٥]

  • رقي الأفكار والمعاني: فقد كانت أنواع النثر في العصر الجاهلي محملة أسمى المعاني والأفكار المستقاة من واقع الحياة الجاهلية والتي تخاطب القلوب والعقول معًا وتسعى لتحقيق الغاية الكامنة في محتوى الفن النثري.
  • جزالة الألفاظ وقوتها: فقد عرف الجاهليون بالفصاحة والبلاغة، وشهد لهم القرآن بذلك حيث أنزله الله تعالى ليكون معجزة بيانية من جنس ما يتمتع به العرب.
  • خشونة الألفاظ ووحشيتها: فالألفاظ مستقاة من البيئة الجاهلية القاسية التي عاشها الأدباء آنذاك، فاللغة واقعية تحاكي البيئة وتتطبع بطباعها.
  • الاهتمام بالمحسنات البديعية: ولاسيما السجع، لما يضفيه من إيقاع موسيقي ويمنحه جمالية تجعله مواز للشعر من حيث الفنية.
  • التنويع بين الأسلوبين الخبري والإنشائي: وهذا ما يمنح النصوص النثرية قوة إقناعية وجمالية تشويقية ويحفظ النص النثري من الرتابة والملل.
  • صدق العاطفة: فالنصوص القوية المبدعة غوإن كان العقل قد أحكمها إلا أنها لا تخلو من إحساس وشعور صادق وقوي، فالخطاب المؤثر لا بد، وأن يكون موجهًا لكلا المستويين العقلي والقلبي.
  • جودة الصور: فقد أبدع الجاهليون في استقاء صورهم من واقع بيئاتهم وأبدعوا في صياغتها وتركيبها.
  • الإغراق في الخيال، وذلك لا يكون في فن القصة والحكاية أما الخطب والوصايا والأمثال فهي فنون نثرية تتطلب الواقعية ولا يجوز فيها الإمعان في الخيال.
  • الإيجاز: فمعظم أنواع النثر في العصر الجاهلي كانت تسعى لمخاطبة الفرد أو الجمهور وتسعى لإبلاغه الغاية والفكرة وذلك يتطلب من الأديب الإيجاز كي لا يشعر القارئ بالملل ويشغله بالكلام عن لب الموضوع.

نماذج من النثر الجاهلي

تحتفظ مصادر الأدب العربي بكثير من نماذج لأنواع النثر في العصر الجاهلي، فهي تشكل ذخيرة هامة تشهد لأدباء العصر الجاهلي بالإبداع والتميز اللغوي والمضموني، وتعكس الحضور الثقافي الذي ظل طريقًا يقتفي أثرها الأدباء في العصور اللاحقة، ومن هذه النماذج ما يأتي:

  • الخطب: وهي من أبرز أنواع النثر في العصر الجاهلي وتمثلها خطبة أبي طالب في زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من خديجة -رضي الله عنها-: الحمدُ لله الذي جَعَلَنَا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا، وبيتًا محجوبًا، وجعلنا الحكَّام على الناس، وإنَّ محمد بن عبدالله ابن أخي لا يوزن به فتى من قريش، إلا رجح به بركة وفضلًا وعدلًا ومجدًا ونُبلًا، وإن كان في المال مقلاًّ، فإن المال عارية مسترجعة، وظل زائل، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أردتم من الصداق فعليَّ.[٦]
  • الأمثال: وهو كقولهم: وافق شن طبقة، وقولهم: أجود من حاتم، وقولهم: سكت ألفًا ونطق خلفًا.[٧]
  • الوصايا: ومنها وصية أكثم بن صيفي لأبنائه في قوله: يا بني قد أتت علي مائتا سنة وإني مزودكم من نفسي ، عليكم بالبر ينمي العدد وكفو ألسنتكم فإن مقتل الرجل بين فكيه ، إن قول الحق لم يدع صديقًا، وإنه لا ينفع من الجزع التبكي ولا مما هو واقع التوقي ، وفي طلب المعالي يكون الغرر.[٨]
  • سجع الكهان: وهي من أنواع النثر في العصر الجاهلي ومنها سجعة الكاهن سلمة بن المغفل يحذر بني الحارث من غزو بني تميم في قوله: إنكم تسيرون أعقابًا، وتغزون أحبابًا، سعدًا وربابًا، وتردون مياهًا جبابًا، فتلقون عليها ضرابًا، وتكون غنيمتكم ترابًا، فأطيعوا أمري ولا تغزوا تميمًا.[٩]

المراجع[+]

  1. "أدب جاهلي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 21-12-2019. بتصرّف.
  2. مجمع اللغة العربية (2004)، المعجم الوسيط (الطبعة الرابعة)، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، صفحة 900. بتصرّف.
  3. ^ أ ب شوقي ضيف (د.ت)، الفن ومذاهبه في النثر العربي (الطبعة العاشرة)، القاهرة: دار المعارف، صفحة 15. بتصرّف.
  4. عبد الله أحمد باقانرى (1983)، الاتجاهات النثرية في القرنين الثاني والثالث للهجرة (الطبعة د.ط)، السعودية: جامعة أم القرى، صفحة 9. بتصرّف.
  5. "أدب جاهلي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 20-12-2019.
  6. "سعة وشمول الخطبة الإسلامية"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 20-12-2019.
  7. محمد توفيق أبو علي (1988)، الأمثال العربية والعصر الجاهلي دراسة تحليلية (الطبعة الأولى)، لبنان: دار النفائس، صفحة 44. بتصرّف.
  8. "وصية أكثم لأبناءه"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 20-12-2019.
  9. مالك محمد جمال بني عطا (2011)، السجع في العصر الجاهلي (الطبعة د.ط)، الأردن: جامعة مؤتة، صفحة 46.