خصائص النثر الجاهلي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٤٢ ، ٢٥ نوفمبر ٢٠١٩
خصائص النثر الجاهلي

الأدب في العصر الجاهلي

ورّثت الحقبة الجاهليّة للعرب أدبًا ناضجًا في لغته وشعره ونثره، وقد اتّسع هذا الأدب اتساعًا كبيرًا في العصر الجاهلي؛ ليشملَ صنوفًا متنوّعةً من المعرفةِ وألوانها؛ من لغةٍ وشعرٍ وبلاغةٍ ونثر، ولكن قلّما انصرف العرب في الجاهلية إلى إتقان الفنون عامّة والخوضِ في ميادينها؛ ذلك لأنّهم قد وجّهوا همهم إلى فنون القول للتعبير عن مشاعرهم، غير أنّ هذا الأدب الجاهلي أيضًا قد غابت بداياته في مجاهل التاريخ، فلم يصل منه إلّا أواخره؛ بسبب ضياع أكثر الشعر والنثر لعدم حفظه، ولأنّ بعضه زال مع الرواة الكثيرين الذين ماتوا في الحروب، أمّا النثر فقد وصل للعرب بعضًا منه، وفي هذا المقال سيتمّ الحديث عن خصائص النثر الجاهلي.[١]

النثر الجاهلي

النثر هو أحد قسمَيْ الكلام، فالكلام إمّا أن يكون في قالب الشعر المنظوم، وإمّا أن يكون في قالب الكلام المنثور، أمّا النثر فهو الصورة الثانية التي يهتم بها التعبير الأدبي، وهو من ألوان الكلام التي لا تتقيد بالوزن والقافية، إلّا أنّها تعتمد على فنون البلاغة من جناس وطباق وتشبيه واستعارة[٢]، ومن يرجع إلى العصر الجاهلي يجد اهتمام العرب في الشعر الجاهلي بالشعر أكثر من اهتمامهم بالنثر، مع أنّ الكتابة كانت معروفة لديهم، إلّا أنّ ما وصل للناس من نثرهم قليل، لأنّ حفظ النثر أصعب من حفظ الشعر، فاقتصرت الكتابة على جوانب تختصّ بحياتهم التجارية والاجتماعية والسياسية، كالوصايا والرسائل والخطابة والعقود وكتابة الديون،[٣] وأصبح النثر لديهم يلعب دورًا مُهمًّا في حياة العرب الجاهلية، إذ كانوا مشغوفين بمواضيع التاريخ، بالإضافة إلى القصص عن فرسانهم وملوكهم وأهمّ وقائعهم، وقد دارت بينهم أخبار الأمم المجاورة الممتزجة قصصهم بالخُرافات والأساطير.[٤]

خصائص النثر الجاهلي

لقد احتوى النثر الجاهلي في مضمونه قضايا عديدةً تهمُّ الفرد والجماعة في العديد من المُجتمعات القبلية في العصر الجاهلي، فكان النثر بشتى ضُروبه مُتمّمًا للشعر الجاهلي في تصويره جوانب من الحياة العربيّة تصويرًا قريبًا من الواقع، ويمكن تلخيص خصائص النثر الجاهلي بما يأتي:[٥]

  • تصوير النثر الجاهلي تصويرًا يقترب من الواقع والحقيقة.
  • يغلب على هذا النثر العناية والتجويد والبعد عن الضعف.
  • التنغيم الموسيقي بين الجمل، وكان ذلك من أهمّ خصائص النثر الجاهلي..
  • من خصائص النثر الجاهلي أنّه يغلب عليه السهولة والوضوح في الألفاظ والتراكيب.
  • رقي الأفكار والمعاني.
  • جزالة الألفاظ وخشونتها، وصحة التراكيب.
  • الاهتمام بالمحسّنات البديعيّة وخاصة السجع.
  • التنوع في الأساليب الخبرية والإنشائية.
  • ومن خصائص النثر الجاهلي كذلك صدق العاطفة.
  • جودة الصورة.
  • الإغراق في الخيال أحيانًا.
  • تصوير البيئة الجاهلية تصويرًا دقيقًا.

فنون النثر الجاهلي

بعد أن تمّ الحديث عن أهمّ خصائص النثر الجاهلي، سيتمّ تسليط الضوء على أهم فنون النثر التي اشتهرت في العصر الجاهلي، ويأتي في مُقدّمتها الخطابة، ويلحقُ بها المنافرات وسجع الكُهّان، ثُمّ الحكم والأمثال، والوصايا والقصص فالرسائل، وجميع هذه الفنون كانت تزخر بخصائص النثر الجاهلي، وفي ما يلي سيتمّ الحديث بشيء من التفصيل عن هذه الفنون النثريّة:[٣]

  • الخطابة: لم يكن حظّ الخطابة في الجاهلية كحظّها في عصر صدر الإسلام، ولكنّها وُجدت فيه على قدر مُعيّن، حيث ازدهرت الخطابة في العصر الجاهلي في زمنٍ مُتأخّرٍ؛ وذلك لأنَّ الشعر كان متفوّقًا عليها، وقد اشتُهر في العصر الجاهلي خُطباء كثيرون، من أمثالِ قسّ بن ساعدة الإياديّ، وهانئ بن قبيصة الشيبانيّ، وعامر بن الظَّرب العدواني، وعمرو بن كلثوم التغلبي، وأكثم بن صيفي، وهاشم بن عبد مناف القرشي، بالإضافة إلى أنّ الخطابة كانت وسيلة للتحريض على القتال أو للأخذ بالثأر، ورُبّما في الوقت نفسه كانت سببًا وسبيلًا للإصلاح وإرساء سُبلَ السّلام، ووُجدت كذلك خطب الزواج والمصاهرات، وأكثر ما كانت الخطب عندهم قصيرة لتعدّد أغراضها.
  • المنافرات: وهي المُفاخرات بالأنساب والأمجاد والسجايا التي كانت تحدث بين اثنين أو أكثر من سادة العرب، حيث يُشّيد كُلًا من المتفاخرين بنفسه ليكون الأفضل على الآخر، ورُبّما جرت المُنافرة بين قبيلتين، كربيعة ومُضَر، أو قيس وتميم، وقد احتوت المُفاخرات على العديد من خصائص النثر الجاهلي.
  • سجع الكهان: من المعروف أنّ الكُهّان عند العرب وغيرهم طائفة ذات قداسة دينيّة، بالإضافة إلى ما تحتلّه لدى القبائل من سُلطانٍ كبيرٍ، وكانوا يزعمون أنّهم لديهم قُدرة على الاطّلاع على الغيب، وأنّ الكاهن يستطيع أن يعرف ما سيكون من أمور، ممّا جعل النّاس يتوافدون إليه من مختلف الجهات والأماكن، ليستشيرونهم في أمورهم، حيث كان الكُهّان يستخدمون في أحكامهم وأقوالهم ضربًا من النثر المسجوع الذي عُرِفوا به، كما ويُلاحَظ في نصوصهم أنّها تحمل طابع التكلُّف الشّديد في استخدام السجع، ومن هؤلاء الكُهّان: سطيح الذئبي، وشق الأنماري، وسلمة ابن أبي حيّة، المشهور باسم عُزّى سلمة، وعوف الأسدي.
  • الحكم والأمثال: للعربِ في جاهليّتهم أقوالًا كثيرةً ذهبت أمثالًا، فمنها ما كان شعرًا ومنها ما كان نثرًا، ولهذه الأقوال فائدة لا تُنكر، كونها تصدر عن مختلف طبقات الشّعب، فيُمكن من خلالها معرفة شيئًا من أخلاق العرب وأحوالهم، وهي جملًا قصيرةً تُمثّلُ بلاغةً، خالية من الحشو أوحت بها تجارب الحُكماء والمعمّرين في الحياة.
  • الوصايا: تُعبّر الوصايا عن الكثير من الأقوال الموجزة النابعة من التجربة، وتُروى عادةً على ألسنة طوائف من المعمرين في الحياة بالإضافة إلى الحُكماء، من أمثال: ذي الإصبع العدواني، وزهير بن جناب الكلبي، وعامر بن الظرب العدواني، وحصن بن حذيفة الفزاري، ومن النساء: أمامة بنت الحارث، ويغلب على الوصايا أنّها رُويت من خلال المعنى ولكنها لم تخلو من النصوص الأصلية المكتوبة، ولا سيّما القصيرة منها.
  • القصص: ومن فنون النثر الجاهلي كذلك التي تزخر بخصائص النثر الجاهلي القصص، التي تنتشر في مُختلف كُتب الأدب والتاريخ، وقد نتج عن العصر الجاهلي ذخيرة قصصيّة غزيرة، تمثّلت في مضمونها جوانب من المجتمع العربي، وقد بقي العرب يتداولونها من خلال الرواية الشفهيّة حتى بدأ التدوين، ووصل للعرب ما وجدناه في كُتب الأدب والتاريخ.
  • الرسائل: وهي آخر أشكال النثر الجاهلي وفنونه، حيث تُعدُّ من أقل الفنون شيوعًا، وقد استخدمها العرب في الجاهلية في أمورهم التجارية والسياسية والقبليّة، وما وصل من الرسائل قليلٌ جدًّا، ومن تلك الرسائل ما يكون في القبائل من عهود ومحالفات ووثائق.

نموذج من النثر الجاهلي

بعد أن تمّ الحديث حول خصائص النثر الجاهلي وأبرز أشكاله، لا بدّ من الوقوف على ذكر نماذج من النثر الجاهلي، وفي ما يلي خطبة هاشم بن عبد مناف يحثّ من خلالها قريشًا على إكرام زوّار بيت الله الحرام، حيث كان هاشم بن عبد مناف يقوم أول نهار اليوم الأوّل من شهر ذي الحجّة فيخطب في قريش قائلًا:[٢]

"يا معشرَ قريشٍ، أنتم سادةُ العَرَبِ، أَحْسَنُها وُجُوهًا، وَأَعْظَمُها أحلامًا، وأَوْسَطُها أنسابًا، وأَقْرَبُها أرحامًا، يا معشرَ قريشٍ، أنتم جِيرانُ بيتِ اللهِ، أكرمَكم بِوِلايَتِهِ، وَخَصَّكم بِجِوَارِه دونِ بني إسماعيلَ، وحَفِظَ منكم أحسنَ ما حَفِظَ جارٌ مِن جارِهِ، فَأَكْرِمُوا ضَيْفَهُ، وُزُوَّارَ بَيْتِهِ؛ فإِنَّهم يأتونَكم شُعْثًا غُبْرًا مِن كلِّ بَلَدٍ، فَوَرَبِّ هذه البُنِيَّةِ لو كان لي مالٌ يَحْمِلُ ذلك لَكَفَيْتُكُمُوه، ألا وإِنِّي مُخْرِجٌ مِن طَيِّبِ مالي وحلالِه ما لم يُقْطَعْ فيه رَحِمٌ، ولم يُؤْخَذْ بِظُلْمٍ، ولم يَدْخُلْ فيه حَرَامٌ، فَوَاضِعُهُ فَمَنْ شاءَ منكم أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذلك فَعَلَ، وأَسْأَلُكم بِحُرْمَةِ هذا البيتِ أَلاَّ يُخْرِجَ رجلٌ منكم مِن مالِه لِكِرَامَةِ زُوَارِ بيتِ اللهِ ومَعُونَتِهم إِلاَّ طَيِّبًا لم يُؤْخَذْ ظُلْمًا، ولم يُقْطَعْ فيه رَحِمٌ، ولم يُغْتَصَبْ".

المراجع[+]

  1. "مقدمة عن الأدب الجاهلي"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 21-11-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "النثر في العصر الجاهلي"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 24-11-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "الأدب العربي في العصر الجاهلي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 23-11-2019. بتصرّف.
  4. "النثر الفني"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 24-11-2019. بتصرّف.
  5. "الأدب العربي في العصر الجاهلي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 24-11-2019. بتصرّف.