أحكام المزاح في الفقه

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٣٩ ، ٥ مايو ٢٠٢٠
أحكام المزاح في الفقه

مفهوم المزاح

إنّ المزاح في معناه اللغوي مُشتقّ من المزح، وهو مصدر الفعل مزَحَ، وهو الهزل والمداعبة التي هي نقيض الجد، ويقولون عن الشخص إذا داعب وهزل وقال كلامًا يُستملح من باب الملاطفة، ومنه حديث رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الذي يقول فيه: "أَنا زعيمٌ ببيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لمن ترَكَ المراءَ وإن كانَ محقًّا وببيتٍ في وسطِ الجنَّةِ لمن ترَكَ الكذبَ وإن كانَ مازحًا وببيتٍ في أعلى الجنَّةِ لمن حسَّنَ خلقَهُ"،[١] ويقولون عن الذي يداعب الأطفال ليضحكهم: مازَحَهم، وللمزاح في الفقه الإسلامي أحكام وضوابط تضبطه وتنظمه؛ لئلّا يكون الحبل على الغارب، ويكون من المزاح ما يسيء للآخرين، وسيقف هذا المقال مع أحكام المزاح في الفقه الإسلامي.[٢]

أحكام المزاح في الفقه

قد سبقت الإشارة آنفًا لمعنى المزاح وتبيّن أنّه المداعبة التي هي نقيض الجد، وله أسماء أخرى مرادفة له كالهزل والدعابة والفكاهة والملاعبة وغيرها من المفردات التي تؤدّي إلى معنى المزاح من حيث الدلالة، والمزاح كغيره من الأمور المماثلة في الإسلام منه ما هو محمود ومشروع، ومنه ما هو مذموم وممنوع، وستقف هذه الفقرة مع عدة أمور في المزاح تُشكّل بعضًا من أحكام المزاح في الفقه الإسلامي، ومنها: أقسام المزاح، وضوابط المزاح المشروع، وأهداف المزاح المشروع، وكذلك تقف ختامًا مع مسائل في المزاح.[٣]

أقسام المزاح

قبل الوقوف مع أحكام المزاح في الفقه ينبغي العلم أنّ المزاح ينقسم قسمين: قسم مُباحٌ وقسمٌ ممنوع، والضابط في ذلك ألّا يكون في المزاح ما يوجب منعه من الأمور التي منعها الإسلام وحرّمها كالسّباب والكفر والكذب وإشغال الناس عن ذكر الله، أو أن يكون فيه ترويع للآمنين، أو أن يكون فيه فحش في القول أو الفعل، أو استهزاء بالدين، وإلى غير ذلك من الأسباب التي تجعل الأمر المُباح محرّمًا كالمزاح، وستقف الفقرة القادمة مع ضوابط المزاح المشروع.[٣]

ضوابط المزاح المشروع

إنّ ضوابط المزاح المشروع في الإسلام تؤثر على أحكام المزاح في الفقه، فالمزاح من الأمور التي إن لم يكن لها ضوابط تضبط عملها فإنّها قد تساعد على تفكيك المجتمع المسلم من خلال خلط الجد بالهزل، بل وطغيان الهزل على الجد في المواقف التي تبتغي الجد لتستمر، ومن ضوابط المزاح المشروع ما يأتي:[٤]

  • ألّا يكون فيه استهزاء بالدين: فإنّ ذلك -عند بعض الأئمّة- كالارتداد عن الدين، والله تعالى يقول في ذلك في سورة التوبة: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}.[٥]
  • ألّا يكون في المزاح كذب: فلا ينبغي للمسلم أن يقول إلّا الصدق، ولا ينبغي له الكذب وإن كان مزاحًا، ومن الناس من يكذب في المزاح ليُضحك بها جلساءه، فهذا قد حذّر منه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إذ قال: "ويلٌ للَّذي يحدِّثُ فيَكذِبُ ليُضحِكَ بِه القومَ، ويلٌ لَه، ثُمَّ ويلٌ لَه"،[٦] وحسب المسلم هذا الوعيد ليرتدع عن تلك العادة.
  • ألّا يكون فيه سخرية أو استهزاء بالآخرين: فالسخرية من الآخرين ولو كانت مزاحًا هي من الأمور التي نهى عنها الشرع، بل وغلّظ فيها، وفي ذلك يقول الله -تعالى- في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.[٧]
  • ألّا يكون فيه ترويع للآخرين: فقد نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن ترويع المسلمين، فيروي عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صحابة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فقال: حَدَّثَنا أصحابُ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أنَّهم كانوا يَسيرونَ مع رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- في مَسيرٍ، فنام رَجُلٌ منهم، فانطَلَقَ بَعضُهم إلى نَبْلٍ معه فأخَذَها، فلمَّا استيقَظَ الرَّجُلُ فَزِعَ، فضَحِكَ القَومُ، فقال: "ما يُضحِكُكم"؟ فقالوا: لا، إلَّا أنَّا أخَذْنا نَبْلَ هذا ففَزِعَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أنْ يُروِّعَ مُسلِمًا"،[٨] وقوله -صلّى الله عليه وسلّم- لا يحل، يعني أنّه أمر ممنوع ومنهيٌّ عنه.
  • عدم الاسترسال والإطالة فيه: لأنّ الجدّ هو السمة التي ينبغي لها أن تكون غالبة على المسلم، وكثرة المزاح تُذهب الهيبة، وقد قال الإمام الغزالي رضي الله عنه: "من الغلط العظيم أن يتخذ المزاح حرفة".
  • ألّا يكون فيه غيبة: فالغيبة عادةً ما تقود إلى النميمة، وهاتان إن اجتمعتا معًا تؤدّيان إلى الفتنة التي يحاربها الإسلام من أطرافها كافّة، ويحارب كذلك كل الطّرق التي تُفضي إليها.
  • ألّا يكون مع السفهاء: فقد ورد عن سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- أنّه أوصى ابنه فقال: "اقتصد في مزاحك؛ فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرِّئ عليك السفهاء".

أهداف المزاح المشروع

بعد الوقوف على شيء من أحكام المزاح في الفقه تقف هذه الفقرة مع الأهداف المرجوّة من المزاح المشروع؛ فالمزاح لمّا شُرِعَ في جزء منه كان ذلك من أجل غايات وأهادف يُحقّقها هذا المزاح، والإسلام لا يُشرّع أو يمنع أمرًا إن لم يكن من ورائه حكمة بالغة يقتضيها تشريع هذا الأمر، فمن تلك الأهداف التي يُرتجى تحقيقها في المزاح المشروع:[٣]

  • أن يكون ذلك سببًا في زيادة الترابط الاجتماعي.
  • الترويح عن النفس وتجديد النشاط وطرد الهموم.
  • استلانة قلوب الآخرين وبالتالي سهولة الوصول إليهم.
  • جبر القلوب ومعالجة ضعفها.
  • استثارة الذكاء.
  • تقوية البديهة.
  • إشاعة الفرح والسرور ورسم الابتسامة على أفواه الآخرين.

أثر المزاح في أفعال المكلفين

بعد الوقوف على بعض أحكام المزاح في الفقه الإسلامي فإنّ المقال يقف ختامًا مع بعض المسائل المختارة في المزاح، فإنّه ثمّ مسائل كثيرة متعلّقة بالمزاح، ولكن يقف المقال على بعض منها وهي الأكثر دورانًا في هذا الميدان، ومن تلك المسائل ما يأتي:[٣]

  • المزاح في نية العبادات: إنّ المزاح في نية العبادة يبطلها؛ وذلك لأنّ النيّة هي شرط لصحة العبادات، والذي يمزح هو لم ينوِ العبادة على وجه الحقيقة، ولذلك فالعبادة لا تصح منه.
  • المزاح في التصرفات المالية: فالتصرفات في الأمور المالية والأمور التي يغلب عليها شبهة التمليك لا بدّ لصحّتها من تمام الرضا، والذي يمزح هو ليس راضيًا بالحكم.
  • انعقاد اليمين: فإنّ اليمين يصحّ من المازح؛ لأنّ ذلك أدعى لمنع التلاعب بأحكام الشرع، وسدًّا لذريعة تعطيل الأحكام، والله أعلم.

المراجع[+]

  1. رواه النووي، في تحقيق رياض الصالحين، عن أبي أمامة الباهلي، الصفحة أو الرقم: 264 ، حديث صحيح.
  2. "المزح "، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 05-05-2020. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث "أحكام المزاح في الفقه الإسلامي"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 05-05-2020. بتصرّف.
  4. "المزاح بين المشروع والممنوع"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 05-05-2020. بتصرّف.
  5. سورة التوبة، آية: 65.
  6. رواه ابن باز ، في مجموع فتاوى ابن باز، عن معاوية بن حيدة القشيري، الصفحة أو الرقم: 74/7، حدبث صحيح.
  7. سورة الحجرات، آية: 11.
  8. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج مشكل الآثار، عن أبي ليلى الأنصاري والد عبدالرحمن، الصفحة أو الرقم: 1625، حديث صحيح.