نظرية العامل في النحو العربي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٢٠ ، ١٠ يوليو ٢٠١٩
نظرية العامل في النحو العربي

ضبط اللغة ووضع القواعد النحوية

وضَعَ النحاة علم النحو العربي لضبط الكلام العربيّ وصونه من الخطأ والّلحن، ولا سيما بعد دخول الأعاجم إلى الإسلامَ؛ إذ حاول النحاةُ وَضْع قواعدَ النحوية للحفاظ على اللغة العربية التي نزل القرآن الكريم بها، فسمعوا عن العرب في البادية، ووضعوا ضوابط للأخذ من الشعر العربي، وجعلوا هذه القواعد مقياسًا للحُكم على سلامة التراكيب العربية، وهذا جعل النحاة يتساءلون عن سبب الرفع والنصب والجر في الكلمات فظهر التعليل النحوي، ومنها انبثقت نظرية العامل في النحو العربي؛ ليكون ضبط اللغة العربية بعيدًا عن العشوائية.[١]

مفهوم نظرية العامل في النحو العربي

تعدّ نظرية العامل في النحو العربي من الأسس المهمة التي قام عليها النحو العربي، وهي نظرية عربية في الأصل؛ لأنها ولدت في بيئة عربية ولم تتأثر بمؤثرات أجنبية، فقد بدأ وجودها في مرحلة النشأة التي تأسس فيها النحو العربي واكتملت قواعده، وقد شمل ذلك القرنين الأول والثاني للهجرة، وقد كان الخليل بن أحمد الفراهيدي أول من أرسى دعائم نظرية العامل، وأول ذكر للعوامل ورد عند الخليل عندما تحدث عن عمل (إن وأن وكأن و لكن وليت ولعل)وهذا ما ذكره سيبويه، ويمكن ملاحظة تأثر سيبويه بالخليل أستاذه، فقد اعتمد العوامل في مباحثه النحوية كلها، ويظهر هذا واضحًاً في كتابه الكتاب.[٢]

وقد ظهرت فكرة العامل مع اهتمام العلماء بتقويم اللسان فيما يتعلق بالحركة الإعرابية واستخراج القواعد التي تضمن ذلك، واستنباط القوانين التي تحقق لغير العرب إمكان النطق على سَمْت العرب، وكانت هناك مجموعة من القواعد التي ترتبط بفكرة العامل النحوي أو تتصل به بشكل مباشر أو غير مباشر في علم يسمى "النحو"، وقد وضعوا لهذا العلم مصطلحات مستنبطة من اللغة نفسها.[٣]

وأصبح العامل وما وضع من مصطلحات نحوية من أقوى الأسس التي سيطرت على تفكير النحاة ومناهجهم في تناول الظواهر اللغوية والشواهد التي جمعوها، فوضعوا الأبواب في المرفوعات والمنصوبات والمجرورات وغيرها ؛ ليدل ذلك على حركته وحالته الإعرابية التي تساعد في الكشف عن المعاني اللغوية. [٤]، أما تعريف العامل فإن العلماء القدماء كان لهم تعريفات متعددة مثل:[٥]

  • تعريف الرماني: "عامل الإعراب هو موجب لتغيير في الكلمة عن طريق المعاقبة لاختلاف المعنى".
  • تعريف الشريف الجرجاني: "العامل ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من الإعراب".

ويمكن الملاحظة ممّا سبق أن القدماء أدركوا أهمية العامل في الظاهرة النحوية، ركّز الأول على اختلاف المعنى حسب الحركة الإعرابية، وتحدّث الثاني عن جانب آخر هو اختلاف الإعراب باختلاف الحركة الإعرابيّة.

أهمية نظرية العامل في النحو العربي

إن نظرية العامل في النحو العربي من أهمّ النظريات اللغوية التي اعتمد عليها النحاة القدماء في ضبط اللغة العربية، ووضع قواعدها التي كان لها دور أساسي في ضبط اللسان العربي، والتقليل من اللحن الذي كثر بعد دخول الأعاجم في الإسلام، ولذلك كان لنظرية العامل أهمية في النحو العربي تتمثل فيما يأتي:

  • تفسير علامات الإعراب: قدمت نظرية العامل تفسيرًا مقنعًا لاختلاف علامات الإعراب، وذلك عندما بينت أن هذه العلامات الإعرابية تأتي مصحوبة بألفاظ معينة تنتظم معها في تركيب خاص، ثم أصبحت التسميات منبثقة من هذه العلامات مثل : حروف الجر، حروف النصب، وغيرها.[٦]
  • تعلم اللغة العربية: إن الاعتماد على نظرية العامل في ضبط علامات الإعراب في اللغة، وجعل العامل قرينة تهدي المتكلم إلى العلامة الإعرابية المطلوبة، والضبط الصحيح.[٧]
  • الأساس في وضع القواعد النحوية وضبط اللغة: تكمن أهمية نظرية العامل بأنها كانت السبب في وضع قواعد نحوية عامة، تطرد تحتها كثير من القواعد الفرعية التي تضم عددًا لا حصر له من الجمل اللغوية؛ فالموقع الإعرابي والحركة الإعرابية مرتبطتان بالعامل الذي أحدث فيهما هذا التغيير، ولذلك فإن المتكلم الذي يحاول جعل لغته سليمة يفكر بعلة أخذ الكلمة لهذه الحركة دون غيرها، والمعنى المترتب عن اختلاف الحركة الاعرابية.[٨]

نظرية العامل في النحو العربي عند القدماء

اختلف النحاة القدماء حول نظرية العامل في النحو العربي، فمنهم من عَدّ هذه النظرية هي الأساس في النحو العربيّ، ومنهم من رأى أن هذه النظرية تؤدي إلى تكلف النحاة في في القواعد النحوية والتعليل النحوي ومن هذه الآراء ما يأتي.

نظرية العامل عند محمد بن المستنير "قطرب"

قال قطرب: "إنما أعربت العرب كلامها؛ لأنّ الاسم في حال الوقف يلزمه السكون للوقف، فلو جعلوا وصله بالسكون أيضًا لكان يلزمه الإسكان في الوقف والوصل، وكانوا يبطئون عند الإدراج، فلما وصلوا وأمكنهم التحريك، جعلوا التحريك معاقبًا للإسكان؛ ليعتدل الكلام"، ويمكن الملاحظة أن قطرب يجد أهمية الحركات الإعرابية في أثرها الصوتي في الكلام، وتسهيل الانتقال من كلمة إلى أخرى حتى يصبح الكلام منسجمًا متوافقًا في النطق.[٩]

نظرية العامل عند ابن مضاء القرطبي

يتميّز ابن مضاء القرطبي برأيه في نظرية العامل في النحو العربي، وقد ظهر رأيه في كتابه "الرد على النحاة" هو من الكتب المهمة؛ لأنه رد فيه على النحاة العرب التقليديين ويبدو أن ابن مضاء كان على وعي بما فعله النحاة وبأهدافهم عندما وضعوا النحو العربي، ويمكن أن القول إن ابن مضاء أثنى على جهود النحاة، وأدرك أن النحاة استطاعوا أن يصلوا إلى مبتغاهم في حفظ العربية، وصونها من اللحن، ولكنه يأخذ عليهم أنهم تكلفوا وتجاوزوا القدر الكافي في ذلك، وجعل أسلوبهم في وضع النحو هو السبب في صعوبة النحو واللغة.[١٠]

ووضّح القرطبي أن هدف الكتاب قائم على حذف بعض ما يمكن أن يستغني عنه النحويون في النحو – وهي العوامل – إذ إن الكاتب يبين أن هذا ادعاء من النحويين فيه فساد بين.[١١]

ويظهر إعجاب ابن مضاء بابن جني في غير موضع من الكتاب؛ إذ إنه يقتبس شيئًا من أقواله في كتابه الخصائص فضلًا عن أن ابن مضاء اعتمد على ابن جني في إثبات ما ذهب إليه، وهو أن العلامات الإعرابية تعتمد في تغيرها على المتكلم نفسه فهو المسؤول عن هذا التغيير الحاصل في العلامات الإعرابية، وهذا ما أكده ابن مضاء نفسه، وأكد ابن مضاء أيضًا على بطلان نظرية العامل قائلًا: "أمّا العوامل النحوية فلم يقل بعملها عاقل، لا ألفاظها ولا معانيها؛ لأنّها لا تفعل بإرادة ولا بطبع".[١٢]

نظرية العامل في النحو العربي عند المحدثين

اهتمّ النحاة واللغويون في العصر الحديث بدراسة الترث النحوي العربي، ومن القضايا التي تناولها المحدثون بالدراسة والتحليل نظرية العامل في النحو العربي، ومن هذه الآراء ما يأتي.

نظرية العامل عند تمام حسان

يعتمد تمام حسان المنهج الوصفي في معالجة العلاقات بين الكلمات في الجملة للوصول إلى المعنى الدلالي فيها، فالتعليق وهو المصطلح الرئيس في نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني في كتابه "دلائل الإعجاز"، وهذه الفكرة المركزية في النحو العربي؛ إذ كان حريصًا على دراسة دور المتكلم في بناء الجملة، وأنّه لا دور المتلقي في فهمها؛ فهو يتناول النظم من حيث هو صادر عن المتكلم، ولهذا فقد جعل نقطة الانطلاق في دراسة بناء الجملة، المعنى لا المبنى، وعليه فإن التعليق يحدد بوساطة القرائن في السياق، ويفسر العلاقات بينها في التحليل اللغوي، ويقسم هذه القرائن إلى: لفظية ومعنوية.[١٣]

رأي إبراهيم أنيس

ألف إبراهيم أنيس كتاب من أسرار اللغة وفيه فصلان تحدث فيهما عن آرائه في جهود النحاة العرب القدماء وهما فصل: قصة الإعراب وفصل آخر بعنوان: ليس للحركة الإعرابية مدلول.[١٤]

ومن أهمّ ما أشار إليه في كتابه قضية الحركات الإعرابية ويتمثل رأيه في عدم الاعتراف بدلالة الحركة الإعرابية؛ فهو رأى أن الأصل في وجود هذه الحركات هو غاية صوتية، وهي وصل الكلام، أي للانتقال التلقائي من كلمة إلى أخرى، وهذا يعني أن الكلمة في أصلها ساكنة الآخر، بمعنى أن اللغة قد وجدت غير معربة، ثم أعربت في وقت متأخر، ويشبه هذا الرأي رأي قطرب؛ فهو متأثر به،و قد رأى أيضًا أنه ليس للحركات الإعرابية مدلول ولا معنى، فلا تدل على فاعلية أو مفعولية أو غيرها، ولذلك وجد أن معنى الفاعلية والمفعولية لا يستفاد من هذه الحركات، إنما من موقع كلٍّ منهما في الجملة العربية.[١٤]

المراجع[+]

  1. "نظرية العامل في النحو العربي"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 5-07-2019. بتصرّف.
  2. وليد الأنصاري (2002)، نظرية العامل في النحو العربي عرضًا ونقدًا ، الأردن: دار الكتاب الثقافي، صفحة 47-48. بتصرّف.
  3. خليل عمايرة (1985)، العامل النحوي بين مؤيديه ومعارضيه ودوره في التحليل النحوي ، الأردن، صفحة 50. بتصرّف.
  4. خليل عمايرة (1985)، العامل النحوي بين مؤيديه ومعارضيه ودوره في التحليل النحوي ، الأردن، صفحة 51. بتصرّف.
  5. وليد الأنصاري (2002)، نظرية العامل في النحو العربي عرضًا ونقدًا، الأردن: دار الكتاب الثقافي، صفحة 49.
  6. وليد الأنصاري (2002)، نظرية العامل في النحو العربي عرضًا ونقدًا، الأردن: دار الكتاب الثقافي، صفحة 185. بتصرّف.
  7. وليد الأنصاري (2002)، نظرية العامل في النحو العربي عرضًا ونقدًا، الأردن: دار الكتاب الثقافي، صفحة 187. بتصرّف.
  8. "وظيفة القواعد النحوية"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 9-07-2019. بتصرّف.
  9. خليل عمايرة (1985)، العامل النحوي بين مؤيديه ومعارضيه ودوره في التحليل اللغوي، الأردن، صفحة 65.
  10. ابن مضاء القرطبي (2007)، الرد على النحاة، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 8-9. بتصرّف.
  11. ابن مضاء القرطبي (2007)، الرد على النحاة، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 13. بتصرّف.
  12. ابن مضاء القرطبي (2007)، الرد على النحاة، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 13- 14. بتصرّف.
  13. خليل عمايرة (1985)، العامل النحوي بين مؤيديه ومعارضيه ودوره في التحليل اللغوي، الأردن، صفحة 81. بتصرّف.
  14. ^ أ ب " قصة الإعراب عند إبراهيم أنيس"، almerja.com، اطّلع عليه بتاريخ 5-07-2019. بتصرّف.