موضوع تعبير عن حرف ومهن الأنبياء

موضوع تعبير عن حرف ومهن الأنبياء
موضوع تعبير عن حرف ومهن الأنبياء

مهن الأنبياء، بين حياة الكد ومسؤولية النبوة

منذ خلق الله هذه الأرض ومن عليها فإنّه لم يترك الناس فيها من دون مرشد ومعلّم يستقون منه كلّ معاني العظمة ومكارم الأخلاق والرفعة وسمو النفس، كان أولئك الرجال الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى ليقوموا بأعباء هذه المهمة يثبتون للناس أنّ الله -جل جلاله- أعلم حيث يضع رسالته، فكانوا يعملون ويكدّون ليعلّموا الناس أنّ الإنسان مهما كانت مسؤولياته التي قد كلّفه الله تعالى بها، فإنّه لا يجب أن يركن إلى الكسل والدعة والبطالة وانتظار شفقة الناس أو العيش عالة على الآخرين من دون عمل يكسب منه.


لم ينتظر نبي الله داود -عليه السلام- أن يُحسن إليه أحد، بل كان يأكل من كسب يمينه كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: "إنَّ نَبِيَّ اللهِ داوُدَ عليه السَّلامُ، كانَ يَأْكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ"[١] ، فكان النبي داوود يعمل في صناعة الحديد كالسيوف والدروع ونحوها، ولم يكن ليدع هذا العمل حتى أتاه أمر الله تعالى ليصبح حكمًا بين الناس.


وهو مع ذلك يُوازن بين متطلبات الحياة وبين مسؤولية النبوة، فلم يكن يجلس في داره ليتفرّغ للنبوة والدعوة إلى الله تعالى، بل كان يعمل بما يسد رمقه ويساعده على المضي في دعوته، وفي الوقت نفسه يقوم بأعباء المهمة التي قد أُوكلت إليه على أكمل وجه كما أمره الله.


كانت الحياة عندهم واحدة، حياة للدعوة وما تبقى هو تحصيل حاصل يؤمنون به حقّ الإيمان كما يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو أنَّكم توَكلتُم على اللهِ حقَّ توَكلِه لرزقَكم كما يرزقُ الطَّيرَ تغدو خماصًا وتروحُ بطانًا"[٢] ، فالأنبياء هم خير من يتوكل على الله تعالى، لا يأبهون برزق ما دامت الأرزاق بيد الله جلّ في علاه، فكانوا يعملون لسد رمقهم لا لبناء البروج المشيدة.


لم يكن هنالك نبي من الأنبياء لم يعمل في مهنة من المهن، فمنهم مَن رعى الأغنام، ومنهم مَن خاط الثياب، ومنهم من كان حكمًا بين الناس يحكم بشرع الله تعالى، ومنهم من كان طبيبًا ومنهم من كان نجارًا، حتى نبي الله سليمان بن داود -عليهما السلام- ذكروا أنّه أوّل مَن عمل في صناعة ما يُعرف اليوم بالصابون. 

لقد ضرب الله تعالى مثلًا من خلال أنبيائه الذين عملوا في مهن كثيرة مختلفة، ليقول للناس إنّ العمل والكسب الحلال هو السبيل لتأمين لقمة العيش، ولا يعيب الرجل هذا العمل مهما كان، ما دام في الكسب الحلال وفي المهن التي لا تشوبها شائبة، وليعلّم الناس الصبر على الرزق الحلال وعدم التنطّع والتكبّر على العمل بدعوى أنّه غير مناسب وغير ذلك من الحكم الكثير التي لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وحده.


مهن الأنبياء، فيها دروس وعبر لو اتعظت

لم يجعل الله -تعالى- مهن الأنبياء من دون عبرة أو عظة، فكثيرًا ما يراود أحدنا سؤال حول مهن الأنبياء، ولماذا قد جعل الله -تعالى- لكل نبي مهنة قد تختلف عن غيره، ولماذا لم تكن مهنتهم واحدة، أو لماذا كان على الأنبياء أن يعملوا ولم يكونوا ملوكًا يحكمون الناس كما سليمان عليه السلام؟


حقيقة كلّ تلك الأسئلة مشروعة، ويجب على المسلم أن يعلم جواب هذه الأسئلة الظاهر، فمثلًا لماذا عملَ النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في بداية حياته بالرعي ثمّ عندما شبّ صار يعمل في التجارة مع السيدة خديجة رضي الله عنها؟


لقد عمل النبي -صلى الله عليه وسلم- في بداية حياته في الرعي؛ وذلك لأنّ الرعي يعلّم الصبر والعدل والسياسة، فيصبر على الدواب البهائم التي لا تعقل، ويتعلم العدل بينها فلا يطغى حيوان على آخر، ولا تأكل البهائم فوق طاقتها فتصيبها التخمة، ويعلّم الرعي أيضًا السياسة، والمقصود بالسياسة هنا القيادة والحكم كما في الحديث الشريف: "كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأنْبِياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ"[٣].

فالسياسة هي القيادة، فيقودها حيث المكان الذي فيه مصلحتها من كلأ وماء، ولا يوردها المهالك، ويخاف عليها ويرعى شؤونها فهي في ذمّته وبحاجته كي تستقيم على الطريق الذي يحفظ حياتها.


إضافة إلى ذلك فالرعي يعلم التواضع للذين لا يعملون في مهن يرون أنّهم أكبر من العمل فيها، فإذا كان الأنبياء قد عملوا بالرعي فليس على الإنسان أن يتكبّر على مهنة مهما كانت، ما دام الكسب فيها حلالًا.

وكذلك التجارة قد جعلها الله تعالى تعلم فنون التعامل مع الناس وتنمّي خلق الصبر من خلال صبر التاجر على الناس الذين يتعامل معهم الذين يكونون مختلفي المشارب والثقافات والأخلاق، وتنمّي الذكاء والحنكة عند الإنسان من خلال تعلُّمه كيفية تسويق بضاعته وجعل الناس يقبلون عليه بإذن الله.



المهنة الأقرب إلي من مهن الأنبياء

إنّ أكثر مهنة أحبّها من مهن الأنبياء هي مهنة الزراعة، التي كان يعمل بها عدد من الأنبياء مثل آدم وإبراهيم ولوط -عليهم الصلاة والسلام-، جاء حبي لهذه المهنة الشريفة لما تزرعه في الإنسان من خصال حميدة مِن حبّ الأرض والتفكّر في خلق الله تعالى.


وقد أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بزراعة الأرض وإحيائها وعدم تركها، ففي الحديث الصحيح: "إن قامتِ السَّاعةُ وبيدِ أحدِكم فَسيلةً فاستطاعَ أن لا تقومَ حتَّى يغرِسَها فليغرسْها"[٤] ففي هذا الحديث بيان شرف إحياء الأرض وإعمارها بالزراعة والحياة.


لقد كانت الزراعة -وما زالت- الهاجس الذي أسعى للوصول إليه، وهي المهنة التي أتمنّى أن أعمل بها، فكما أنّ التجارة تُنمّي الخلق وترعى الذمّة وتُساعد على اكتساب مهارة الأخذ والرد والتعامل مع البشر بيُسر وسهولة.


تنمّي الزراعة فيّ خُلُق التأمّل وإدامة النظر في الآيات حتى أرى فيها الحكمة التي تجلى وراء هذا الفعل، فتجعلني الزراعة مثل حكماء الصين واليابان، تجعلني كمن يجلس في غرفة زجاجيّة يراقب منها العالم من قمة جبل وهو لا يسمع سوى صوت العصافير وخرير المياه، عندما أجلس أمام النبتة وأنظر إليها أتلو -من دون وعي- قوله تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ}.[٥]


لقد عمل الأجداد في هذه المهنة الشريفة، ولم نرَ منهم إلّا الصبر والتعب وتحمّل الصعاب، أضِف إلى ذلك أنّ وجه جدّي كان منيرًا دائمًا لأنّ يومه كان يبدأ مع الفجر؛ إذ يخرج إلى أرضه يحنو على النباتات يداعبها بيديه ويسقيها ويقسم لها من وقته، بل كان أحيانًا يجلس إلى الشجيرات يحدثها ويلهو معها كما لو كانت تسمعه أو تفهم ما يقول لها.

لهذا وغيره كانت مهنة الزراعة مهمة عندي، وكنتُ أتمنّى على مر الزمان أن أمتلك قطعة أرض حتى أكون مثل جدي منير الوجه مشرق، وكي أبقى صحيحًا لا يكدّرني مرض أو هم.

المراجع[+]

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن المقدام بن معدي كرب، الصفحة أو الرقم:2072، حديث صحيح.
  2. رواه الزرقاني، في مختصر المقاصد، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم:819، حديث صحيح.
  3. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:3455، حديث صحيح.
  4. رواه العيني، في عمدة القاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:219، حديث إسناده حسن.
  5. سورة آل عمران، آية:191

28 مشاهدة