موضوع تعبير عن الربيع

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٤٩ ، ٢٩ ديسمبر ٢٠٢٠
موضوع تعبير عن الربيع

مظاهر قدوم فصل الربيع 

حُللٌ من البهاءِ ترتديها الأرضِ استبشارًا بقدوم الفصلِ المُنتَظَرِ، وغراسُ الأرض تزهو إلى الأعلى لتسلّم على الشمس التي تلقي التحيّة على الكون بأشعّتها، والأشجارُ ترتدي حُلّتها السُّندُسيّة وتقفُ شامخة كأنّها في عرسِ حبيبٍ مُقرَّب، والريحُ تنحسرُ مُختبئةً في أعالي الجبال عائدةً إلى رُقادها، وجميعُ الحقولِ والبساتين تتهامسُ فيما بينها بشغف: "متى يبدأ فصل الربيع؟".


العصافير التي تتنقّل فوق أعشاشها تراقبُ كل ما يدور في الحقول، فترنو إلى الأشجار وتتذكّرُ كيفَ كانت في فصل الخريف تذرفُ ما لديها من دمع، وتخسرُ أوراقها بعد أن أضناها الذبول والاصفرار، وتصمدُ في وجه الرياح العاتية وتصبرُ على قسوتها، وكيف كانت في فصل الشتاء تستقبل المطر لتغذّي التربة التي تنتمي إليها، فيُتعبها البرد القارسُ والبلل الطويل، وفي فصل الصيف كانت ثابتةً طوال الوقتِ تحتَ غضبِ الشمسِ، تارةً تصمتُ صبرًا وتارةً تغازلها حُبًّا، لأنّ الشمس مهما فعلت بالكائنات ستبقى الأمَّ الحنون التي تمنحُ الدفءَ للكون أجمع.


ثم تنظرُ إلى البساتين والحقول وتفكر في الأيام التي مرت عليها خلا العامِ كله، فمن حَرثٍ إلى حرث، ومن زرعِ البذور إلى سقاية المطر وضجيج مناجلِ الفلاحين، ومن ريحٍ عاتيةٍ في الشتاء إلى حُرقةِ شمس الصيف اللاهبة، ومن تراكضِ الأطفالِ فوق تربتها وتدمير بعضِ الزرعِ إلى دوران عجلات المحراثِ من جديد، لقد أنهكتها الفصول حقًّا، وما هذه الأيام إلا بشائرُ سعدٍ بالعُشب الخصيبِ أخيرًا، وفصل هدوءٍ تنعمُ فيه الرياضُ بلونٍ أخضرٍ يمنحُ الهدوء والراحة لكل من يمرُّ أمامه.


العصافير تتأملُ الأشجار أيضًا وتفكّر كيف يأتي نوالُ المنى بعد انتظار عامٍ كامل، وكيف يأتي الربيع بحلّته ليُعانقَ تلك الأشجار بعد أن كواها الشوق وأتعبتها الفصول، فتدركُ أنه لا عُسرَ يدومُ ولا شيءَ يثبتُ على حالٍ واحدٍ، فلا بدَّ أن يتعاقبَ على الكونِ أحوالٌ كثيرةٌ منها العسير ومنها اليسير، ومهما طال الأسى فلا بدّ أن يأتي بعده الفرحُ والابتهاج.

أما الغيم في الأعلى فقد تضاءَل خجَلًا بلُطفه المعهود، بعد أن أفرغَ ما لديه من دمعٍ وحرنٍ على العالمِ بأسرهِ خلال فصل الشتاء مطرًا وثلجًا، وغطّى بعباءَتهِ النقيّة رؤوس الجبال الوحيدة حين كانت تشكو لهُ قسوة الجفاء، فلا الناسُ ولا الحيوان ولا النبات يتسامرُ معها في الليالي الكئيبة، ولا يمكنُ لأي أحدٍ أن يصبرَ على الحياةِ قربها فتأنسُ به، لم يكن صديقها إلا لون السماءِ الزرقاء تحدّثها عن جميع العوالم والكائنات، وفرصة وحيدة لمعانقة الغيمِ في أقسى أيام الشتاء، وحينها كان يُلبسها عباءَتهُ البيضاء ويطبطبُ على جراحها التي حفرها على ظهرها عامٌ كاملٌ من الوحدة.


تلك الذكرياتُ العصيبة تمرُّ على عيون الطيور كما يمرُّ القطارُ السريعُ فلا يطيلُ المكوث، إذ إنَّ تلك الذكريات تجعل الطيرَ يشكرُ الله على تعاقبِ الليل والنهار، وعلى وجودِ هذا التغيير المتعدد في نظام الكون ليُمكّن الكائناتِ من العيشِ بأكمل صورة، ويعلّم الجميع أنّ الحياةَ لم تكن ولن تكونَ رخاءً مستمرًّا، بل صبرٌ في آنٍ ونوالٌ في آنٍ آخر.[١]

وصف فصل الربيع

يأتي الفصلُ البهيُّ ويغرّد الطيرُ بلا توقُّفٍ استقبالًا لأشعة الشمسِ الذهبيةِ التي ترسلها بسرورٍ وزهوّ، فيستفيقُ الزّهرُ النائمُ في أغصانِ الشجر من رقاده الطويل، ويفتح عينيهِ للدنيا ليرى أنّه جزءٌ من تكوين الحقل الجميل، فيتورَّدُ لونه براءةً، ويتكاثرُ ليملأ الغصون كلها بالروعة والبهجة، ويرسمُ على فم الأشجارِ ابتسامةً لا تشرحها آلاف القصائد، فكم انتظرت الأشجارُ ميلادَ أزهارها الحُلوة، وكم صبرت حتى تنعمَ بهذه اللحظات التي لا تزالُ تبشّر بميلاد الثمر أيضًا.


أما الأرضُ فتنهضُ فيها قامةُ العشب اللامعِ بالاخضرار، وتنتصبُ بين ثناياه آلاف الورقيّات المتعددة في أصنافها وأشكالها وطعمها، فتمرحُ الفراشاتُ بين الزهورِ الصغيرةِ التي لا تزالُ تخجلُ من الظهور فتُضمرُ نفسها كأزرارٍ متعانقة، وينتشرُ النحلُ ليقوم بأجلِّ أعمالهِ فينظّم العمل ويبدأ بجمع الرحيقِ من الأزهار المتفتّحة، فيصنع شمع العسلِ ببراعةٍ تعجزُ عنها كبرى المعاملِ، ويمنحُ العالَم فائدةً من مادةٍ لا يستطيعُ أيُّ مكوّن صناعيٍّ أن يأتي بمثلها.

 

الأطفالُ أيضًا أوَّل مَن يبتهجُ بفضلِ مميزاتِ فصل الربيع، فالمرحُ جزءٌ من حياتهم، لا يمكن الاستغناء عنه، والبراءةُ تدورُ في مضمار تلك الحياةِ فلا تغادرُ قصصهم وحكاياتهم، يركضونَ في البساتينِ ابتهاجًا بالجوّ المشرقِ واحتفالًا بخروجهم من المنزلِ بعد أيامِ الشتاء والخريفِ الباردة، فتزهر بهم الحدائق ويعمّ السرور، وينتشر في الأرض السلامُ بجزئهِ الصغير، السلامُ الذي لا بدّ منه حتى يتوازنَ كلّ ما في الكونِ من قوانين تجعل البشر يعيشون بالشكل الطبيعيّ.


الشمسُ في فصل الربيع تكونُ الأقربَ إلى القلوب، إذ تُسيطرُ على أغلبِ أوقات اليوم، فيكون النهارُ طويلًا فيهِ اتّساعٌ للكثير من الأنشطة اليومية، السماءُ فيه صافيةٌ والنسيم عليلٌ، حتى يوقعَ الإنسانَ في عشق الطبيعة، ويوقع العاشق في سحر لا ينتهي. في ذلك المعنى يقول الشاعر العراقي بهاء الدين الصيادي:[٢]

ما هَفهَفَتْني نسمةُ الربيعِ

إلا أذابت في الهوى جميعي

ولا سمعتُ سحَرًا رنينَها

إلا ورنَّت بالثّرى دموعي

أما الليلُ فينطوي على نفسهِ، فيقصُرُ وينقضي بسرعة، ثم تعود الشمسُ لتعلن بدءَ يومٍ جديد بنهارٍ طويل يمكّن الناسَ من فعل ما يريدون من أمورِ معاشِهم. فما بال الطيورُ التي تراقبُ من بعيد صخبَ الطبيعةِ باحتفالاتها، وعرس الأرضِ وبهجتها؟ إنها تحزمُ أمتعتها لتغادر الأعشاش التي اعتادت على المبيتِ فيها، لتعلنَ هجرتها بحثًا عن الطعامِ والغذاء، فهي تعلم في سرّها أنّ التحليقَ والسعي هو أساسُ الحياة، ولا يمكنُ للركودِ أن يتسلَّلَ إلى أنماط معيشتها التي تتسم بالحيوية المُطلَقة.


أعياد فصل الربيع

ممّا يزيدُ في أفراح الربيع أنَّ تباشيرَهُ تأتي مع قدوم الكثير من الأعياد الرسمية، ففي التاسع عشر من آذار يُتوَّجُ المعلّم بعيدِهِ تشريفًا وتكريمًا على هذا العمل الجليل، الذي يبني الأمم بنور العلم، فتجتمعُ الطّلاب في المدارس وتتهافتُ أفكارهم لإسعاد أساتذتهم بحفلاتٍ منمّقة في "عيد المعلم"، تعبيرًا عن شكرهم وامتنانهم لهذا الإنسانِ الذي يُعطي أسمى ما لديه من المعرفة، ثم يأتي بعد أيّام "عيد الأم"، ذلك اليوم الذي تجتمع فيه العائلاتُ من الأبناء والبنات والأحفادِ والحفيدات حول الأمّ أو الجدّة، رمز الحنان والاحتواء، ففي الواحد والعشرين من آذار تلتمُّ الأسرةَ حول الأمِّ الرؤوم لتحتفلَ بعيدها.


يحلُّ مع نيسان الربيعُ بشكلٍ أكثرَ استقرارًا ووضوحًا، فيبدأ بـ"عيد النوروز" في بلاد فارس، إذ يُعدُّ في تلك البلاد أولُ يومٍ في فصل الربيع هو يومُ بداية العامِ الجديد، ثمّ يليهِ أول يومٍ من أيّار "عيد العمّال"، وهو العيد الذي تحتفل فيه الشعوب بالعاملِ الذي يكابدُ في الحياة ليبني الأوطان ويصنعَ حياةً شريفةً لهُ ولأسرته على الصعيدَين الاجتماعي والاقتصادي، وإنَّ لهذا العيد أبعادًا وجذورًا عميقةً، ففي نصف الكرة الأرضية الشمالي يُعدّ هذا اليوم هو الانقلاب الرسميّ بين الاعتدال الربيعي والتوقيت الصيفي، لذلك يتّصفُ هذا اليوم بأنّه يومٌ انتقاليٌّ بين أيام السنة جميعها.


في أمِّ الدنيا، مصر الواسعة، يتمّ الاحتفالُ بعيد "شمّ النسيم" الذي يرمزون فيه إلى بداية فصل الربيع، وليس له هدفٌ سوى الاحتفال بقدوم الربيع إذ يعود هذا التقليدُ إلى عصور الفراعنة السابقة، أمّا "عيد الفصح" فهو من أكبر أعياد المسيحيّين الدينية، فهو اليوم الذي يعتقدُ فيه المسيحيّون أنّ المسيحَ قد قامَ من الموت بعد ثلاثة أيامٍ من صَلبِهِ، ويأتي هذا اليوم متزامنًا بشكل تلقائي مع نهاية "جمعةِ الآلام"، فبعدها بيومين يبدأ الفصح المجيد.


إذا ما نظَرت البلادُ إلى الهند ستجدُ العيد الذي يحتفلون به في موسم الربيع هو أكثرُ الأعياد ابتهاجًا، إذ تحتفلُ الهندوس بما يسمى "مهرجان الألوان"، فتتبادلُ الناسُ فيه رَشَّ المياهِ على بعضها البعض، وتتبادلُ المساحيق الملوّنة لتضعها على وجوه وأيدي بعضها أيضًا، فتعمُّ الفوضى المُبهجة وتتسم الأيامُ بالجمال والحيوية.


لفصل الربيع جمالٌ لا ينتهي، إذا ما تأمّل الإنسانُ نعَم الله على الأكوان شكَرَهُ بكلّ ما لديه من فنون اللغات، إذ يتنقّلُ الإنسانُ من خَلقٍ بديعٍ إلى خَلقٍ آخر، ويمتّعُ ناظريهِ بالشجر والزهر والحقل والطيرِ والسماء الصافية حين ترتدي الفصولُ أجمل ما لديها، ويعبقُ في الأرضِ أريجُ الحياةِ مُعلنًا قدومَ أيامٍ جميلةٍ لا تشبه بقيّة أيام العام، فمن هنا كانَ الإنسانُ حَريًّا به أن يسبّح الخالق الذي أبدع، ويشكرَ المكوِّنَ الذي صنَعَ، ويحمدَ البارئ الذي أعطى كلَّ شيءٍ جمالَه وفائدتهُ، فكيفَ بالإنسانِ الذي جعلهُ خليفته في أرضهِ وأعطاهُ ما لم يعطِ أحدًا من الكائنات عقلًا وفهمًا وإدراكًا؟{فَتَبَارَكَ اللهُ أَحسَنُ الخالِقين}.[٣]



لقراءة المزيد، ننصحك بالاطّلاع على هذا المقال: موضوع تعبير عن وصف الطبيعة في فصل الربيع.

المراجع[+]

  1. "ربيع"، المعرفة ، اطّلع عليه بتاريخ 25/12/2020. بتصرّف.
  2. "ما هفهفتني نسمة الربيع بهاء الدين الصيادي"، الديوان ، اطّلع عليه بتاريخ 25/12/2020. بتصرّف.
  3. سورة المؤمنون، آية:14