موضوع إنشاء عن الوطن قصير وسهل

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٠٠ ، ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٠
موضوع إنشاء عن الوطن قصير وسهل

وطني

عندما أريد الحديث عن وطني أجدُ يدي ترتعش ليسقط منها القلم، فماذا عساه القلم يكتب عن وطنٍ قد انطبعَ في الوجدان والذاكرة وأخذَ له مكانًا في القلب وفي الحشا بين اللحم والدم، عن أيّ شيءٍ سيكتبُ هذا القلم المتداعي الذي يرتجفُ عند أوّل صورة تتراءى أمامه عن ديار الوطن، أعن شجر الرمّان أم النخيل أو عن التفّاح الذي كان يسيلُ على ضفاف النهر كما يسيل الماء العذبُ من العين الصافية، كلّ ما كان في وطني عذبٌ كنهرها الذي كان يشقّها نصفين.


في وطني التراب أسمرُ كسواعد أهله الذين يتعهّدونه بالزّراعة والسقيا، الثمار في بلادي فيها من كلّ الأطعمة والأمزجة تتجمّع في حبّة واحدة من فاكهته أو خضراواته، حتّى السماء فوق وطني زُرقتُها جميلة بهيّة لا تشبه السماوات فوق البلاد الأخرى، إنّها سماء لا تدانيها سماء في الرفعة والجمال، لنجومها في الليل عزفٌ لا يسمعه أحدٌ إلّا أبناءها، تصطفّ النجوم مع بعضها بعض وكأنّها ترقص فرحًا أو تنتشي طربًا لأنّها قد أطلّت على هذه الأرض السائغة العذبة التي تشبه نهلة الظمآن من نبع الحياة الأسطوريّ.


والغيوم المتلبّدة فوق حقول القطن تشبه في تجمّعها القطن الذي قد صار جاهزًا ومُعَدًّا للصناعة في المعامل المتخصّصة بفصله عن جذوره، أمشي تحت هذه السماء وبصري شاخصٌ إلى أعلى أقول في نفسي إن كانت الدّنيا في وطني هكذا فكيف بالجنّة؟ يهرب منّي بصري لأنظرَ إلى البيوت والنّاس الذي يمشون في الشوارع من حولي، لقد كان مشهد البيوت كتلك البيوت الخرافيّة التي كنّا نراها صغارًا في المسلسلات الكرتونيّة، بيوت بسيطة لا تكلّفَ فيها، ولكنّها بيوت دافئة يغمرها الحبّ والعطف والرحمة، تنظرُ إليها فيرتدّ إليك طرفكَ سعيدًا كطفلةٍ قد اشترى لها والداها أوّل ثوبٍ لتحضر بهالعيد.


لقد كان لي وطنٌ لا تشغلُ مساحته من العالم إلّا مقدار ما تشغل سفينة في محيط عظيم، ولكنّه كان بدعًا بين بلدان العالم، كان كاللّؤلؤة البيضاء في عقدٍ من اللؤلؤ الأسود، أو قُل هو الألماس بين الحجارة الكريمة، أو قُل هو كالقلادة الذهبيّة في طوقٍ من الفضّة، أو قل هو الدرّة التي تُرصّعُ بها تيجان الملوك العِظام، لقد صنعه الله -تعالى- ليرى الناس شيئًا من الجنّة على الأرض، فيزيدهم ذلك إيمانًا ويجتهدوا في الطاعات والعبادات كي يدخلوا الجنّة في الآخرة حيثُ لا تعب ولا نصَب.


مشاعري تجاه وطني

وإذا أردتُ الحديثَ عن مشاعري تجاه وطني فما عساي أقول وأنا المجروح الشهادة في هذا الحرَمَ المهيبِ الذي أقفُ فيه مشدوهًا لا ألوي على أمر، إنّ حب الوطن قد أُشرِبناهُ مع حليب أمّهاتنا، فصار حبّ البلاد طبعًا فينا وسجيّة تلازمنا ما حيينا، يمكنني أن أقول إنّ كنزي الحقيقيّ الذي عثرتُ عليه في هذه الدنيا هو وطني، فالرجالُ فيه أولو بأسٍ شديد، وهم مع ذلك رحماء طيّبو القلب لا يتظالمون بينهم ولا يجور بعضهم على بعض، كبار السنّ عندنا تقرأ بين طيّات وجوههم تاريخًا كبيرًا من الأيّام التي تركَت في أرواحهم ندوبًا تركَت على وجوههم تلك العلامات التي حفرَت فيهم عميقًا.


كنّا ونحن صغارًا نتحلّق حولَ أجدادنا نسمع منهم ماذا فعل آباؤهم مع الغزاة حين أجلوهم عن ديارنا ذات يوم، في ذلك اليوم طلعَت الشمس ذهبيّة فوق رؤوس أجدادنا، ولكنّها كانت عتمة على المعتدين، كانت تلك القصص تجعل الدنيا مشرقة في عيوننا، تجعلنا أكثر تمسّكًا بأرضنا، تجعلنا نشعر بالاطمئنان ونحن نتجوّل بين شوارعها التي كانت ذات يوم شاهدة على دماء شهدائنا التي روَت أرضنا وحرّمتها على غيرنا.


لا أذكر أنّني وجدتُ الدفء والأمان في غير موطني، أشعر أنني كالسمكة التي لا تجد الدفء إلّا في المياه وإن كانت باردة، ولكنّه وطنها الذي تختنق خارجه، نعم أنا أختنق خارج وطني الذي هو في حقيقته بالنسبة لي كالرئتين اللتين أتنفّس منهما، أكنّ له الحبّ والعشق والهيام والهوى، أكنّ له الاحترام، أكنّ لأهله الوداد والمحبة، لا أستطيع أن أشعر بشيء خارجه، كلّ مشاعري تجيش فيه، وأمّا خارجه فلا أشعر بشيء، وكأنّ مشاعري تتبلّد خارج الوطن، فالبرود والصقيع يلازمني منذ أن تطأ قدمي الحدّ الأخير الفاصل بين وطني وبين البلاد الأخرى.


تُرى لو استقامَ لكَ يومًا أن تسأل عصفور ما مشاعره تجاه جناحيه ماذا يقول؟ ولو سألتَ فِراخًا عن أمّهم التي تطعمهم -وهم في حالة عجزٍ عن الحراك والطيران- ما مشاعركم تجاه أمّكم ماذا يقولون؟ ولو سألتَ حمامةً قد بنَت عشّها هي وزوجها بكلّ محبّة واستجاروا بدفئه أشتيةً كثيرة ما شعورك تجاه هذا العشّ ما عساها تقول؟ إن ساغ لهؤلاء أن ينطقوا ويُعبّروا عن مكنونات أنفسهم فحسبِي منهم ما يقولون لأقوله مثلهم إذا ما سألتني يومًا عن شعوري تجاه وطني.


جمال وطني

لا أذكر أنّني قد عددتُ مواطن الجمال في وطني لأتحدّث عنها ذات يوم أو أسردها وأعدّها لمن يسألني عن ذلك، ولكن كنتُ مثل آدم -عليه السلام- حين كان في الجنّة، أراهنُ أنّه لم يخطر له أن يعدّد مواطن الجمال فيها، ولكن هو خُلِقَ في الجنّة، وكان يعيشُ فيها من دون أن يخطر بباله أنّه سيخرج منها يومًا، وإلّا لَمَا تركَ دقيقة تمرّ من دون أن يستكثر من النظر إلى جمالها، وأن يجمع في جيبه ما شاء من ثمارها ليتذكّرها إذا ما خرج، وكذلك أنا كنتُ أرى الجمال ملء عيوني فلا أقول هنا موطن جمال وهنا لا، بل كان وطني جمال خُلقَ من جمال.


لقد كانت الجبال التي تحيط بوطني تقف خاشعة أمام تلك البقعة التي تطوّقها من كلّ الجهات ما خلا ذلك الطريق الواصل بين الوطن والبلاد الأخرى، كانت حقول الذرة والقمح تتناوب على إكساب الوطن مزيدًا من البهاء والجمال، وفي موسم دوّار الشّمس يكون المشهد بهيًّا عندما يتجمّع الأولاد حول الأزهار يقطفونها بلأيٍ شديد لطولها الفارع، ثمّ يتناولون البذور التي في داخلها في مشهدٍ لا يتكرّر إلّا في أوطان الدفء والمحبّة.


ما أزال أذكر كيف زرعتُ شجيرات الرمّان والبرتقال والليمون والأكيدينيا في حديقة المنزل أنا وأمّي حين كان عمري خمس سنوات، واليوم بعد خمسة وعشرين عامًا مررنَ كبرت الشجيرات وصارت أشجارًا نجني ثمارها في مواسمها التي قد كتب الله إثمارها فيها، كلّ هذا الجمال كان يحيط بي في البيت وفي حديقته وفي الطّريق الذي رُصِفَ بأحجار منذ تعبيده الأوّل قبلَ أكثر من مئتي سنة، حجارة هذا الطريق وحدة حكاية لا تنتهي من الجمال والبهاء والوقار، والحديث عن جمال وطني لا ينتهي مهما حاولتُ أن أصوغ من بيان الكلمات عنه، هو باختصار قارورة من عِطرٍ من الجنّة قد سقطت إلى الأرض.


اغترابي عن الوطن

والآن وبعد ثلاثين سنة مضت عليّ كُتِبَ أن أهجرَ الوطنَ وأنا لا أملك من أمري أكثر ما يملك الطّير المهاجر الذي أوقعَت به شباك الصيّادين لتسوقه إلى قفصٍ بارد القضبان، كان قرارالهجرة صعبًا عليّ ولكن لم يكن باليد حيلة، فقد دُفِعتُ دفعًا خارجَ أسوار وطني، ولو لم أعانِ من مرارة الغربة سوى ترك البلاد لكفاني، فكيف وأنا الذي قد تجرّع مرارة الغربة كؤوسًا مُترعة؟! لقد قتَلَت الغربة كثيرًا من مشاعري، وجعلتني كالحجر لا أشعر بشيء سوى تمييز طعم المرار الذي ما يزال عالقًا تحت لساني، وكذلك قد أوقدَت الغربة فيّ بعض المشاعر وهي الشوق والحنين فقط.


لقد أشعلَت الغربة فيّ شعور الشوق للوطن وأوقدت على نيرانه حتى كادت أن تحرقني وتكويني بجمرها، لقد أيقظت فيّ هذا الشّعور مع أنّني لم أشعر به قبل الآن، إنّ هذا الشعور يشبه أن يأخذوا من طفلٍ لعبته التي انتظرَ نهاية العام الدراسي كي يشتريها له والده، أو قُل يشبه أن يأخذ متعهّدو السيرك نمرة من أمام أبنائها رغمًا عنها وعنهم، أو هو يشبه أن ينتزعوا منك قلبك ويتركوك مضرّجًا بدمائك وعليكَ أن تحيا بقيّة عمرك وأنت على هذه الصّورة، هذا هو شعور الشوق للوطن إذا ما أردتُ وصفَهُ من دونإسهابٍ ولا إطناب، هذا هو باختصار.


كلّ ما فيّ يشتاق للوطن، عيوني تشتاق لرؤية أرجوحتي في صحن دارنا، وشعري يشتاق أن يلاعبه النسيم المارّ في أرض الوطن، وأقدامي تشتاق للسّير في شوارع وطني من دون أن يباغتها التعب بين حين وآخر، بل إنّ جسدي يشتاق لأن يتعب في بلادي وفي موطني فكلّ ما فيه كان راحةً لي حتى التعب.