شعر عن الليل

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٠٦ ، ١٤ أبريل ٢٠٢٠
شعر عن الليل

الليل

الليل هو الفترة التي تكون ما بين غروب الشَّمس إلى طلوعها، وغالبًا ما يكون الليل مطلبًا لراحة الإنسان وهدوئه وتجديد طاقته ونفسيَّته، فدائمًا ما يُواجه الإنسان العديد من الضغوطات في نهاره ولا يجد مُتنفَّسًا منها إلا في الليل حين يأوي إلى فراشه ويُداعب السماء بنظراته، ولا يحلو حديثه إلا مع القمر في حضور النجوم، وقد وجد العديد من الشعراء مُبتغاهم في السكون إلى الليل ووصفه والغياب بين طيَّاته وسكب الكلمات فيه كأنَّها نهرٌ لجيٌّ يتصارع ليُفضي ما في جعبته، وقد تنَّوع وصف الليل ما بين الشعر القديم والحديث كلٌّ حسب كلماته وألفاظه والجمالية التي لمسها فيه؛ لذلك كان لا بدَّ من اختصاص مقالٍ يتحدَّث عن وصف الليل ويُذكر فيه باقات من الشعر عن الليل ما بين القديم والحديث، و سيكون ذلك فيما يأتي.[١]

شعر عن الليل في العصر القديم

لا يقتصر حبُّ الليل على زمنٍ من الأزمان، فكما الرجل الشرقيُّ يعشق الليل و سواده وبهاءه وأسراره ومكنوناته فإنَّ للغربي مثل ذلك، وكما الرَّجل القديم استقى كلماته من بين أحضان السماء والثريا، فقد فعل الشاعر الحديث مثله في الابتغاء والاستقاء، فكلاهما في الحبِّ واحدٌ إلا أنَّ طرائق التعبير تختلف، ولا يكون ذلك الاختلاف إلّا باختلاف البيئة والظروف والحياة ومتطلَّبات كلٍّ منهما، فالرَّجل الذي كان يرى الليل شبيهًا بخصلات شعر البدوية لم يعد يلمسه ذاك الحديث إذ إنَّه لا بدويَّة تأخذ ألبابه بشعرها، وستتحدث هذه الفقرة بالتحديد عن شعر عن الليل في العصر القديم، وسيكون ذلك فيما يأتي:[٢]

  • من أجمل ما قيل في العصر الجاهلي عن وصف الليل قصيدة لامرئ القيس قال فيها:

وليل كموج البحر أرخى سدولهُ

عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي

فَقُلْتُ لَهُ لما تَمَطّى بصلبه

وأردَف أعجازًا وناءَ بكلْكلِ

ألا أيّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي

بصُبْحٍ وما الإصْباحَ مِنك بأمثَلِ

فيا لكَ من ليلْ كأنَّ نجومهُ

بكل مغار الفتل شدت بيذبلِ

كأن الثريا علِّقت في مصامها

بأمْراسِ كتّانٍ إلى صُمّ جَندَلِ

وَقَد أَغتَدي وَالطَيرُ في وُكُناتِها

بِمُنجَرِدٍ قَيدِ الأَوابِدِ هَيكَلِ

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً

كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ

كُمَيتٍ يَزِلُّ اللِبدُ عَن حالِ مَتنِهِ

كَما زَلَّتِ الصَفواءُ بِالمُتَنَزَّلِ

مسحٍّ إذا ما السابحاتُ على الونى

أثرنَ غبارًا بالكديد المركلِ
  • وأمَّا النابغة الذبياني فكان له رأيٌ آخر في قصيدته التي كانت بعنوان كليني لهمٍّ:[٣]

كليني لهمٍ يا أميمة ناصبِ

وليلٍ أقاسيهِ بطيءِ الكواكبِ

تطاولَ حتى قلتُ ليسَ بمنقضٍ

وليسَ الذي يرعى النجومَ بآيبِ

وصدرٍ أراحَ الليلُ عازبَ همهِ

تضاعَفَ فيه الحزْنُ من كلّ جانبِ

عليَّ لعمرو نعمة بعد نعمة

لوالِدِه ليست بذاتِ عَقارِبِ

حَلَفْتُ يَمينًا غيرَ ذي مَثْنَوِيّة

و لا علمَ إلا حسنُ ظنٍ بصاحبِ

لئِن كانَ للقَبرَينِ قبرٍ بجِلّقٍ

وقبرٍ بصَيداء الذي عندَ حارِبِ

وللحارِثِ الجَفْنيّ سيّدِ قومِهِ

لَيَلْتَمِسَنْ بالجَيْشِ دارَ المُحارِبِ

وثقتُ له النصرِ إذ قيلَ قد غزتْ

كتائبُ منْ غسانَ غيرُ أشائبِ
  • وأما المتنبي فقد كان لليل حظٌ من قلمه فنال من جمال العبارة الشيء الكثير، وفيما يأتي ذكرٌ لقصيدته العظيمة:[٤]

تَغَيَّرَ حالي وَاللَيالي بِحالِها

وَشِبتُ وَما شابَ الزَمانُ الغُرانِقُ

سَلِ البيدَ أَينَ الجِنُّ مِنّا بِجَوزِها

وَعَن ذي المَهاري أَينَ مِنها النَقانِقُ

وَلَيلٍ دَجوجِيٍّ كَأَنّا جَلَت لَنا

مُحَيّاكَ فيهِ فَاِهتَدَينا السَمالِقُ

فَما زالَ لَولا نورُ وَجهِكَ جُنحُهُ

وَلا جابَها الرُكبانُ لَولا الأَيانِقُ

وَهَزٌّ أَطارَ النَومَ حَتّى كَأَنَّني

مِنَ السُكرِ في الغَرزَينِ ثَوبٌ شُبارِقُ

شَدَوا باِبنِ إِسحاقَ الحُسَينِ فَصافَحَت

ذَفارِيَها كيرانُها وَالنَمارِقُ

بِمَن تَقشَعِرُّ الأَرضُ خَوفاً إِذا مَشى

عَلَيها وَتَرتَجُّ الجِبالُ الشَواهِقُ

شعر عن الليل في العصر الحديث

لم يكن الليل حدَثًا لتبتدأ به الأقلام في وقتٍ وتنساه في حينٍ أو أحيان أخرى، إذ إنَّ الليل هو تلك القصيدة التي ما تزال متدفقةً من العصر القديم إلى العصر الحديث حيث يتغنَّى بها الشعراء في مجالس سمرهم وسهراتهم، فتارة يُشبهونه بالموج وأخرى بأسنة الرِّماح، فتعزف الجارية إلى جانب تلك التشابيه الغزيرة أوتارًا تدقُّ قلوب السَّامعين قبل آذانهم، ولم يقتصر وصف الليل على طريقةٍ من الطرق أو على شاعرٍ دون آخر، بل كان لكلٍّ سهمه من ذلك المجال سواء عظم ذلك السَّهم أم قل، فإن عَظُم كان ذلك من دماثة عقله وفيض عبارته وجمال كلماته، وإن قلَّ كان ذلك من ضعف لغته وقلة خياله، فالعاشق يرى في الليل قصيدة حبٍّ لطيفة الملمس جميلة القوام فاتنة المبسم طيِّبة الرِّيح، والوحيد يرى في الليل أنيسًا صادقًا صدوقًا في المهمات والكربات، والمريض يرى في الليل راحة لا ينشدها في النَّهار؛ لذلك كان لليل النَّصيب الأكبر من القصائد العربية والشعر عن الليل في العصر الحديث لم يكن بأقل منه في العصر القديم، وفيما يأتي ذكرٌ لأهم تلك القصائد:

  • أجمل ما قاله محمد بن علي السنوسي في وصف الليل:[٥]

الليلُ في الريفِ غير اللَّيل في المدنِ

فافتح ذراعيكَ للأريافِ واحتضنِ

واستقبلِ اللَّيل فيها إنَّه ملكٌ

ضافي الجناحين يغري العين بالوسنِ

كأنَّه فيلسوفٌ مطرقٌ عجباً

مما يرى في حياةِ النَّاسِ من درنِ

أو شاعرٌ عبقريُّ الفكرِ منغمرٌ

في لجةِ الوحيِ لا يدري عن الزَّمنِ

أو خاطرٌ في ضميرٍ باتَ منفصلًا

بطهرهِ ومزاياه عن الإحنِ

أو عاشقٌ غارقٌ في حبِّ فاتنةٍ

فليسَ يعنيهِ شيءٌ كانَ أو يكنِ

صمتٌ يُحلق بالأرواح في أفقٍ

من السكون ثريٍّ بالجمال غنى

يضفي الهدوءَ عليهِ من نعومتهِ

صفو يضيءُ بهِ الإحساسَ في البدنِ

وتلتقي في معانيهِ وصورتهِ

روحُ السَّماء وجسمُ الأرضِ في قرنِ

اللَّيلُ في الريف ليلٌ في معاطفه

وملءُ أردانه روحُ الهوى اللَّدِنِ

هنَا غلالتهُ الزَّرقاءُ زاهيةٌ

كطرحة فوقَ وجهٍ فاتنٍ حسنِ

واللَّيل في الرِّيفِ وجهٌ في شمائله

سمْتُ التقىِّ النقيِّ الخاشِعِ الفطنِ

هنا السَّماء تراءى من جوانبهِ

نقيَّة من دخانِ الغازِ والعفنِ

يمتد فوق تجاعيد وأفئدةٍ

فطريَّة العيشِ والعاداتِ والسّننِ

قلوبهم وأمانيهم ونظرتهم

صوفيةُ الرُّوح من صوفِ الثَّرى الخشنِ

الشاكرينَ إذا مسَّ الحياة ندى

والصابرينَ على الآلام والحزنِ

هنا السماء لها لحن يرجِّعه

عزفُ النسائمِ في الآكام والقٌنَنِ

من كل عاطرة ريّا مضمخة

بالمسكِ ينداح من زهرٍ ومن فننِ

واللَّيل في الريفِ ليلُ العاشقين وقد

نامَ الوجودُ وهامَ القلبُ بالشجنِ

يا ليل الهوى والجوى والحبّ منطلقًا

ملء الرِّبا والصِّبا واللَّحظ والأذنِ
  • أما حافظ إبراهيم وهو من روَّاد مدرسة البعث والإحياء فقد اعتنى في وصفه لليل أشدَّ الاعتناء، وسطَّر فيه أجمل العبارات والعبرات، وفيما يأتي قصيدته الأدبية العظيمة:[٦]

ما لِهَذا النَجمِ في السَحَرِ

قَد سَها مِن شِدَّةِ السَهَرِ

خِلتُهُ يا قَومُ يُؤنِسُني

إِن جَفاني مُؤنِسُ السَحَرِ

يا لِقَومي إِنَّني رَجُلٌ

أَفنَتِ الأَيّامُ مُصطَبَري

أَسهَرَتني الحادِثاتُ وَقَد

نامَ حَتّى هاتِفُ الشَجَرِ

وَالدُجى يَخطو عَلى مَهَلٍ

خَطوَ ذي عِزٍّ وَذي خَفَرِ

فيهِ شَخصُ اليَأسِ عانَقَني

كَحَبيبٍ آبَ مِن سَفَرِ

وَأَثارَت بي فَوادِحُهُ

كامِناتِ الهَمِّ وَالكَدَرِ

وَكَأَنَّ اللَيلَ أَقسَمَ لا

يَنقَضي أَو يَنقَضي عُمُري

أَيُّها الزِنجِيُّ ما لَكَ لَم

تَخشَ فينا خالِقَ البَشَرِ

لي حَبيبٌ هاجِرٌ وَلَهُ

صورَةٌ مِن أَبدَعِ الصُوَرِ

أَتَلاشى في مَحَبَّتِهِ

كَتَلاشي الظِلِّ في القَمَرِ

المراجع[+]

  1. "الليل في التراث"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-03-2020. بتصرّف.
  2. "قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 02-03-2020.
  3. "كليني لهمٍ ، يا أميمة َ ، ناصبِ ،"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 02-03-2020.
  4. "هو البين حتى ما تأنى الحزائق"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-03-2020.
  5. "الليل في الريف"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 02-03-2020.
  6. "ما لهذا النجم في السحر"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 02-03-2020.