مناسبة سينية البحتري

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٠٨ ، ٢٦ ديسمبر ٢٠١٩
مناسبة سينية البحتري

الأدب العباسي

إنّ تاريخ الأدب العربي وتفاعلاته ومداخلاته هم منشأ الفيض الكلامي، حيث الشعر العربي والنثر، وتكمن سر جمالية الشعر في فصاحة الأسلوب وبلاغته، مما يجعله مؤثرًا في النفس البشريَّة، والكلام الفصيح عند علماء البلاغة هو ما كان سهل اللفظ، واضح المعنى، جيّد السَّبك، فصيح المفردات، غير مخالف لقواعد العرب في نحوها وصرفها، وذلك ما ظهر في شعر العرب على مرّ العصور ومع زيادة العِلم، ففي العصر العباسي أصبحت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية أي قبلة ومركزًا لطلبة العلم فزاد العِلم وزاد الاهتمام بكتابة الشعر والالتزام بشروط صحته، ومن ذلك فقد انتشر الشعر الوجداني بين الشعراء، ممّا زاد من جمال اللغة ودقّة الوصف والتعبير.[١]

بداية البحتري

البحتري هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يَحيى، من أشهر الشعراء العرب في العصر العباسي، وُلد في مَنبَج في مدينة حلب، كان في صغره كثير الحفظ فحفظ الشعر وردده، فجرى الشعر على لسانه حتى أصبح شاعرًا، فأراد أن يصقل موهبته فذهب يعرض شعره على أبي تمام، الذي وجهه وأرشده إلى ما يجب أن يتبعه في شعره، وانتقل بعد ذلك إلى بغداد فكان له صلات وثيقة مع وزراء الدولة العباسيَّة من الأمراء والولاة، وقادة الجيوش، حتى أصبح شاعرًا في بلاط الخلفاء وهم: المتوكل، والمنتصر، والمستعين، والمعتز بن المتوكل، كان البحتري شاعرًا ومصورًا بارعًا، فله الكثير من الشعر الذي ضُم في ديوانه الضخم من مثل ذلك ما سيتم تنواله في الحديث عن مناسبة سينية البحتري.[٢]

أغراض شعر البحتري

من أشهر قصائد البحتري قصيدته المعروفة باسم سينية البحتري، والتي لا بد الإشارة إلى مناسبة سينية البحتري تلك التي يصف بها إيوان كسرى، إضافة إلى وصف الربيع وغيره من الموجودات، وفي شعره أكثر من المديح وأقل في الرثاء والهجاء، إضافة إلى أغراض شعريَّة توزعت بين الفخر، والعتاب، والاعتذار، والحكمة، والوصف، والغزل، لقد ترك البحتري خلفه ديوانًا ضخمًا ظلَّ غير مرتب إلى أن رتبه أبو بكر الصولي على الحروف، وجمعه أيضًا علي بن حمزة الأصفهاني ورتبه على الأنواع، ويُذكر أن للبحتري كذلك كتابَ معاني الشعر لكنه لم يصل هذا العصرَ، ولقد كان نهجُ البحتري ومذهبه الشعري الذي اتبعه النظمَ السديد مما جعله يتبوأ مكانة رفيعة بين شعراء العربيَّة على مختلف العصور، وذلك ما سيُلمس في شعره بعد الإشارة إلى مناسبة سينية البحتري.[٢]

سمات شعر البحتري

يشهد الزمن للبحتري بأن الشعر لم يستصعب عليه، فقد كان يتدفق على لسانه تدفقًا، فوصل كثيرًا من شعر مديحه الذي وصل ما يقارب إلى عشرين قصيدة، وأكثر من ذلك ما قيل في مديح الخلفاء والأمراء، ويدخل في ذلك ما قيل أنه هجا كثيرين ممن مدحهم، حتى ليبلغ بهم بعض الرواة أن عددهم يقارب الأربعين شخصًا، وفي شعر هجاءه فكان مواضيع الهجاء عندهم تختلف أسبابه، ترجع تلك الأسباب إما إلى حرمانه من جائزة، وإما إلى منافسة بينه وبين الشعراء، أما الفخر في شعر البحتري فهو قليل أيضًا، فقد كان يفخر بآله وعشيرته بحتر، وقبيلته طيء، ناعتًا لهم بالكرم، والشجاعة، واشتهر شعر البحتري بإجادته للغزل، حيث أنه أحب في شبابه علوة الحلبيَّة، وكتب فيها شعر الغزل، وله شعر في الوصف من مثل ذلك ما جاء في مناسبة سينية البحتري، أي وصف العمران، والقصور ورخامه، ووصف البساتين والربيع.[٣] كان القدماء يعجبون أشد الإعجاب بوصفه لبركة أقامها المتوكل في أحد قصوره، لقد كان البحتري بارعًا في شعره وفي تركيب صوره فذلك ما يظهر في وصفه للربيع وغيره، والقارئ لديوان البحتري، وإلى مناسبة سينية البحتري، سيلتمس تلك البراعة، وذلك يصور مدى شاعريَّة البحتري الرائعة، وكيف أنه يملك أدوات التعبير ما يستحيل به شعره إلى أنغام وألحان خالصة، تلك الأدوات التي وزعها على مختلف الأغراض الشعرية، والقارئ حول مناسبة سينية البحتري سيلتمس هذه الأغراض البارزة.[٣]

سينية البحتري

يقف البحتري على إيوان كسرى، فيستلهم الحادثات كنوزًا من العبر، فينظم أبياتًا تزداد بريقًا بالبلاغة، وضياء المعرفة، وفي الحديث عن مناسبة سينية البحتري فلقد كان إيوان كسرى مضرب المثل في الأنس والعمران، وفي مناسبة سينية البحتري أو كما تُسمى قصيدة إيوان كسرى، فقد كان مقر الملك في عاصمة بلاد الفرس يدعى بالقصر الأبيض، وفي وسطه إيوان كسرى وهي قاعة عرش كسرى، أما عن البحتري فقد كان هو الشاعر المقرب للخليفة العباسي المتوكل، فلما قُتل حزن عليه البحتري ورثاه في شعره وذلك كان السبب الأهم في مناسبة سينية البحتري، إضافة إلى أنه امتلأت نفسه همًا وغمًا فذهب إلى المدائن عاصمة بلاد الفرس، ووقف أما الإيوان يصفه وصفًا حسيًا رائعًا، وانتقل إلى وصف تاريخهم وعظمتهم.[٤]

تقع قصيدة سينية البحتري في ستة وخمسين بيتًا، توزع عشرة منها في ذكره حاله وشكوى دهره، وستة من الأبيات في السبب التاريخي لهذه الوقفة، ثم ستة من الأبيات في ذكر عظمة الفرس، وستة في ذكر أحوال خاصة، ويذكر رحلته إلى بلاد الفرس ونفسه مليئة بالحزن على وفاة المتوكل واغتياله، أما ما بقي من أبيات جعلها في وصف إيوان كسرى، وقد تفنن البحتري في هذا الوصف، وهذا هو توزيع مناسبة سينية البحتري حيث فاضت خواطره وتأملاته، وآلامه في شعره، وبعد الحديث عن مناسبة سينية البحتري لا بد من عرض بعض أبيات القصيدة فمن سينية البحتري ما يأتي:[٤]

صنت نفسي عما يدنس نفسي

وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُلِّ جِبسِ

وَتَماسَكتُ حينَ زَعزَعَني الدَهـ

ـرُ التِماسًا مِنهُ لِتَعسي وَنَكسي

بُلَغٌ مِن صُبابَةِ العَيشِ عِندي

طَفَّفَتها الأَيّامُ تَطفيفَ بَخسِ

وَبَعيدٌ مابَينَ وارِدِ رِفْهٍ

عَلَلٍ شُربُهُ وَوارِدِ خِمسِ

وَكَأَنَّ الزَمانَ أَصبَحَ مَحمو

لًا هَواهُ مَعَ الأَخَسِّ الأَخَسِّ

شواهد من شعر البحتري

كان البحتري بدوي النزعة في شعره، فلم يتأثر بما هو حديث من ألفاظ ومن صبغة الحضارة الجديدة، إلا أنه أكثر من الاعتماد في شعره على المعاني القديمة لفظيًا مع التجديد في المعاني والدلالات، فعُرف عنه التزامه الشديد بعمود الشعر العربي، وبننهج القصيدة العربية الأصيلة، ومن شعره:[٥]

*ما قاله من غزل في حبيبته: سَلامُ اللهِ كُلَّ صَبَاحِ يَوْمٍ

عليكَ، وَ مَنْ يُبَلِّغ لي سَلامي؟

لقد غادَرْتَ فِي جسدي سَقَاماً

بِمَا في مُقْلَتَيْكَ مِن السَّقام

وذكَّرَنِيكَ حُسْنُ الوَرْدِ لَمّا

أَتَي وَ لَذيذُ مَشروبِ المُدام

لَئِن قَلَّ التَواصُلُ أَوْ تَمَادَي

بِنَا الهِجرانُ عاماً بَعْدَ عامِ

*ما قاله في رثاء المتوكّل: تَغَيّرَ حُسْنُ الجَعْفَرِيّ وأُنْسُهُ

وَقُوّضَ بَادي الجَعْفَرِيّ وَحَاضِرُهْ

تَحَمّلْ عَنْهُ سَاكِنُوهُ، فُجَاءَةً

فَعَادَتْ سَوَاءً دُورُهُ، وَمَقَابِرُهْ

إذا نَحْنُ زُرْنَاهُ أجَدّ لَنَا الأسَى

وَقَد كَانَ قَبلَ اليَوْمِ يُبهَجُ زَائِرُهْ

وَلم أنسَ وَحشَ القصرِ، إذ رِيعَ سرْبُهُ

وإذْ ذُعِرَتْ أطْلاَؤهُ وَجَآذِرُهْ

*ما قاله في الحِكَم: سَأَحْمِلُ نَفْسِي عِندَ كُلِّ مُلِمَّـةٍ

عَلَى مِثْلِ حَدِّ السَّـيْفِ أَخْلَصَهُ الهِنْدُ

لِيَعْلَمَ مَنْ هابَ السُّـرَى خَشْيَةَ الرَّدَى

بأنَّ قَضـاءَ اللهِ لَيْـسَ لَهُ رَدُّ

فإنْ عِشْتُ مَحْمودًا فَمِثْلِي بَغَى الغِنَى

لِيَكْسِبَ مَـالًا أوْ يُنَثَّ لَهُ حَمْدُ

وإن مِّتُّ لَمْ أَظْفَـرْ فَلَيْسَ عَلَى امْرِئٍ

غَـدَا طَالِبًا إِلَّا تَقَصِّـيهِ والجَهْدُ

*ما قاله في وصف الربيع: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا

من الحسن حتى كاد أن يتكلما

وقد نبه النيروز في غسق الدجى

أوائل وردكن بالأمس نوما

يفتقها برد الند ى فكأنه

يبث حديثا كان قبل مكتما

فمن شجر رد الربيع لباسه

عليه كما نشرت وشيا منمما

*ما قاله في وصف بركة المتوكل: يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها

والآنسات إذا لاحت مغانيها

بحسبها أنها في فضل رتبتها

تعد واحدة والبحر ثانيها

ما بال دجلة كالغيرى تنافسها

في الحسن طورا وأطوارا تباهيها

تنصب فيها وفود الماء معجلة

كالخيل خارجة من حبل مجريها

المراجع[+]

  1. حسين علي الهنداوي، موسوعة المرصد الأدبي ، صفحة 20-289. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "البحتري"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 23-12-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "البحتري"، www.almerja.com، اطّلع عليه بتاريخ 23-12-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "سينية البحتري"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 23-12-2019. بتصرّف.
  5. "البحتري"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 23-12-2019. بتصرّف.