مقتطفات شعرية للشاعرة ثريا العريض

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٣٨ ، ٣ يونيو ٢٠٢١
مقتطفات شعرية للشاعرة ثريا العريض

قصيدة: طريقٌ طويل إليك

نحنُ أيضًا بَنوكَ
سادِرٌ أنتَ عنّا، ونَهواكَ
نَحلُمُ أن سيَكونُ غدًا
يومُ عِيدٍ نُلاقيكَ فيهِ
نرى فيهِ وجهَكَ
وَجهَ مُحِبٍّ حَنونٍ
نحنُ أيضًا وَرثناكَ
لكنّنا لم نَرِثْ منكَ إلا
شَقاءَ الطريقْ
فمتى نلتَقي؟
لترفعَ عنا سِتارَ السُّكوتِ
وتفتحَ صَدرَكَ كي نحتَمي
من هوانِكَ فيهِ؟
لكَ يا وَطني لهفةُ الحبِّ
حينَ بأعماقِنا يتَمادى
اشتياقُ النَّهارِ
وتطفحُ أغنيةٌ
من بقايا زَمانٍ عَتيق
روعةً
حُلمًا، بأعيُننا لا يموت
بأعيُننا لا يموتُ
برغمِ اليَباب
على الدربِ نبقى
على الدربِ حتّى نُلاقيكَ
سَوفَ نظَلُّ
ولا بُدّ يومًا ترانا
تُنادي بأسمائنا
ولا بُدَّ يومًا نَصِل.


قصيدة: تباريح الملح

لكَ الحَمدُ!
هل أبقَتِ الريحُ والرملُ
فيكَ اختِلاجاتِ خافق؟
وكيف تعود الطفولةُ عاصفةً
في اصطخابِ الدّماء؟
وكيفَ تعودُ الأغاني حنينًا، بكاءً
خُطاكَ تُعانِدُ
ثمَّ تنزُّ القِفارَ قِفارًا
تموجُ الوِهادُ بحارًا
وتبقى الأهازيجُ
تبقى الهوادِجُ
تبقى السُّفُن
يَدُ الرِّيحِ تذروكَ مِلحًا
برًّا وبَحرًا
وعبر نَشيجِ البنَفسَجِ
عبر حصار الخنادقِ
عَبرَ نزيفِ الغِناء
لَذعةُ المِلحِ
تمتدُّ فوقَ التَّضاريسِ مَوتًا
مَنْ مِنَ القَلبِ يُطلِقُ نَهرًا
ومَن بطفولةِ أحلامِهِ
يُشعِلُ الحُلم؟
بعد انطفاء التباريحِ
في فَورةِ المِلح
يَغسِلُ جُرحًا
ومن يَشرعُ البابَ
ليلَ التقاء المرابعِ بالصّمت
منذ استبدّت به رغبةٌ
لارتجاءات طارق
من على شُرفةِ القلبِ
يُعلِنُ أنَّ الوجودَ شَجَر؟
ويجتاحُ لُجّةَ كونٍ عَنيدٍ
ليَمتاحَ دانًا ووجهَ قَمر
مَن على ضِفَّةِ القلبِ يطفو
ليصطادَ عاصفةً بحَجَر؟
يُحاورُ أشرعةً للضياء
ويُعتقها للمدى
يتسرّبُ مُندهشًا أبدًا
يراودهُ الأفقُ
وهمُّ الدروبِ الآخر.
مَن إذا هَجع الرَّاكضون
يؤَرَّقُ رَقصًا؟
يلبسُ الحُلمَ خطوًا فيَنعَتِقُ الدّربُ
يرسمُ في العطشِ الوهمُ ساريةً
واندلاعَ بوارق
ويهتزُّ مُنبَجِسًا بالمطر؟
هو الملح..
مُنفَطرٌ أنتَ فيهِ مِرارًا
وصَوحًا
مَن مِنَ القلبِ يمتاحُ سَيلًا
ليَروي الشَّجَن؟
ويلتفُّ شالاتِ أمٍّ
تظلُّ صبيةَ أحلامِهِ
عروسًا على صَدرِها قد كَبرَ
تقايضُ رنّةُ خلخالِها حليبًا وصَبرًا
وعبرَ طفولَةِ أحلامِهِ يتصاعدُ صَوتًا
يحنُّ
وفجرًا يدرُّ
من إذا ألِفَ المِلحَ
في سَبخاتِ الوجودِ انحَسَر؟
فيرسمُهُ الحرفُ ليلًا نهارًا
بياضًا، سوادًا
كلمَّة عاشِق؟
من تُخادِنُهُ الريح
تنذُرُهُ للمدى الرَّحبِ
أنشودةً وسَفَر؟


قصيدة كل وجودي أنت

كل وجودي أنتَ
بكلّ جفافك، كلّ الغبار
فيكَ العيونُ التي سكنَتْني تظلُّ
والوجوهُ التي سُكبَتْ بملامحِ وجهي
انعكاساتُ أشجانها لم تزل
لك يا وطني لهفةُ الحبّ
حينَ بأعماقنا يتمادى اشتياقُ النّهار
وتطفحُ أغنيةٌ من بقايا زمانٍ عَتيق
روعةً
حُلمًا
لكَ أغنية الحزنِ
أغنيةُ السَّعدِ
أغنيةُ الأملِ المتولِّدِ تحت الجفون
كل الذي كان منّا
وما لم يكُن منكَ
أو سيكونُ
نغفرُهُ ونمسحُ عنكَ التّعَب.


قصيدة: كلهنّ أنا

كل هذه الوجوهِ أنا
التي الحلم بأعماقها لا يموت:والتي دفنت حلمَها في البيوت
والتي تتأرجحُ
بين الحقيقة والحلمِ
دون زمن
مَنْ يعاتبُ مَنْ؟
مَن يحاربُ مَن؟
كلّهن أنا
مَنْ يحاسبُ مَن؟
مَن يعاقبُ من؟
ولأي جريمة؟
الصراخ؟
السكوت؟
قبول الهزيمة؟

قصيدة: الفنان

كان يجمعُ أصدافه هانئًا
يرصِّعها في القلائد
يطرِّزها في الوسائد
ينظمُها في القصائد
يجمِّعُها قطعةً قطعة
يشيِّد منها خيال امرأة
كان مكتفيًا لاهِيًا
يهيمُ بشطآن أحلامِه
يلوِّن أصدافَ أيامِه
غريب المكان
غريب الزَّمَان
يَهِيمُ مُنْتَشيًا راضِيًا
يخالُ السعادةَ لمعتَها المطفأة
حتى بيومٍ تراءت له
وتسمَّر
حِينَ رَأَى
روعة اللؤلؤة
كَانَ وَجْهُك وجهي
وَعَيناك عَيْني
أَتَرسُم وَجْهي
ملامحه تترامى
على الأُفقِ بَاحثة عن وطن؟
ولكن الحَبِيبَ يَنسى مَلامِح وجهه
فَكَيف سَيرسُمُ مَلامح وجه الحبيبة؟
وَوَجهُك يَنسى تَقَاسيمه
فِي وجيب الغِياب

قصيدة: الموت في الساعة التاسعة

نُصلِّي، ونسلّم أرواحنا للمزيد
هو الموتِ في صوَرٍ تتكرّرُ
آهٍ من الحُلمِ
نسرقُ أحلامنا
من قواميسِ أمسٍ مَجيد
وخلفَ اهتراءِ القواميسِ
سيلُ الهِجاءِ، الرثاءِ، الغناءِ، البُكاء
تباريحُنا والمُدُن
تَشَمُّتُ عمّان
تنشُّجُ بيروت
تسَغُّبُ بَغداد
تسألُ تونسُ شطَّ طرابلس
من سيموت؟
وتُرسلُ غَزّةُ آخرَ أخبارها
حذافيرُ أحجارها لا تفلُّ الحديد
ولا تستعيدُ البيوت
ولا مِن جديد
من الموتِ للموتِ
جِسرٌ طويلٌ مَديد
وما من جديد
يُهَدِّي غَمَّ المُسافرِ في الحُزنِ
بينَ الرّباطِ، المنامة
تُراني أحبُّكَ؟
يا وطنَ الموتِ في نَشرةِ التاسعة؟
كيفَ أحبّكَ؟
لا شيءَ غيرُ الجنون
الشّجونِ
الجِراح
لَهوُ الطواويسِ
لَغوُ القواميسِ
أحبولةُ العنكبوت
وتعويذةُ الانشراح
تميمةُ أمّي تُذكِّرُني
خَيرُ الكلامِ السُّكوت
وخيرُ الأراضي الوطن!
أحبُّكَ حَتفًا
أحبّكَ مثل القضاءِ
أحبّك حينَ يفلُّ الحديدُ الحديدَ
أحبّكَ حَتمًا.


قصيدة: أموت أنا مرّتين

أموتُ أنا مرّتينِ
مرّةً حين يَجمَعُنا الدربُ صَمتًا
مرةً في صَمتِنا نفتَرق
أُسائِلُ عينَكَ عنكَ
وعَني
فتَهرُبُ منّي
لا أنا مِنكَ، ولا أنتَ مِنّي
أكُنَّا حَبيبينِ يَومًا؟
غَريبَينِ دَومًا
أكنّا نغنّي؟
وها نحنُ نرقُصُ رَقصَ الذّبيحَينِ
وما بيننا صَمتُنا يَصطَفِق
أموتُ أنا مرّتينِ
مرّةً حينَ حُلمي يموتُ على الشَّفَتينِ
مرةً حينَ فيكَ أعاني فِصامَ الوَطن[١]


قصيدة: ظلّنا في المرايا

وما نَنتَظِر؟
توقَّفَ هذا الزّمانُ
فلا هو لَيلٌ ليَتلوهُ صُبحُ
ولا هو صُبحٌ يُبشّرُ طالِعَهُ بالنّهار
ولكنّهُ زمنُ الانتظار
ومن ننتظر؟
ليُطلِقنا من إسارِ المرايا؟
كلُّ الذينَ بها يدخلون
يَنسونَ أحلامهم وملامحهم
في انعكاساتها
يَغيضونَ بين التِماعها
يموتونَ دونَ انتظار![٢]


قصيدة: عبور القفار فرادى

قُلتُ أبحثُ عن وَطني
يؤرّقني هاجسُ أنَّ اسمي أنا
خالدٌ في ذُراهُ
ويسكُنني وطنٌ لا أراهُ
رُبّما امتدَّ فِيَّ هجيرًا
ظِلالًا
بِشُطآنِهِ ومَدَاهُ
وحينَ تروغُ صباحاتُهُ
ومساءاتُهُ بأزمنةِ الصّّامتين
يبقى بعينَيَّ وَهجُ ضُحاهُ
وأصغي لوقعِ خُطايَ
أعانقُهُ فِيَّ لهفةَ شَوقٍ
بنبضِ حَشايَ
حقيقَتُهُ في الشرايينِ صاعقةٌ
بدفقِ دِماي
أبحثُ عن وطنٍ لا أراهُ
ثُمَّ أسرِقُ نفسي من الموتِ
أُصغي
هُنا وَطنٌ يستحيلُ وُجودًا
وطنٌ عَبر هَمسِ الوُجودِ
بعُمقي يُنادي
وطائعةً أستَجيبْ
أغيبْ
أذوبُ بغَيبِهِ
وأُلبّي نِداهُ


المراجع[+]

  1. مجدي عيد الأحمدي ، ثريا العريض شاعرةً، صفحة 55.
  2. مجدي عيد الأحمدي ، ثريا العريض شاعرةً، صفحة 55.

43 مشاهدة