مفهوم الكفاءة في الزواج

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٤٧ ، ٢٥ يوليو ٢٠٢٠
مفهوم الكفاءة في الزواج

الزواج

إنَّ الاستخلاف هو الغاية من خلق الإنسان وإسكانه في الأرض، والهدف من هذا الاستخلاف يكمن في عبادة الله -عزّ وجلَّ- وعمارة الأرض وإصلاحها، ومما يساعد على تحقيق هذه الغاية هو اقتران الإنسان بزوجة تعينه ويعينها على ذلك، فيتمُّ بينهما من خلال الزواج التآلف والتراحم والتشابك في المصالح والمنافع، وقد أمر الله -عزَّ وجلَّ- به فقال: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}،[١] كما أنَّ الزواج يعدُّ من سنة الأنبياء والرسل، حيث قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً}،[٢] ولأنّ الزواج سبب للذرية التي تتعاقب على الأرض لإعمارها، وحيث أنَّ الأسرة هي مدرسة الأبناء الأولى التي توجههم إلى الصلاح والإصلاح، وحيث أنَّ الأم والأب هما أصل هذه الأسرة ولبنة المجتمع ومسكن العطف والرحمة والرعاية والشفقة، ولما لهما كبير الأثر على ذريتهم كان لا بدَّ من حسن اختيار الشريكين لبعضهما ومراعاة الكفاءة بينهما،[٣] ولأهمية ذلك سيتم تخصيص هذا المقال لتوضيح مفهوم الكفاءة في الزواج.

مفهوم الكفاءة في الزواج

إنَّ لفظة الكفاءة في اللغة تعني المماثلة في القوة والشرف، وعلى ذلك فإنَّ الكفاءة في الزواج تعني أن يكون الزوج مساويًا لزوجته في بعض الأمور،[٤] ولا بدَّ من التنبيه إلى أنَّ الكفاءة من الأمور النسبية فما هو معتمدٌ عند أحد الفقهاء قد يكون غير معتمد عند فقيهٍ آخر،[٥] والمعتمد في دائرة الإفتاء الأردنية أنَّ الكفاءة المعتبرة في الشريعة الإسلامية هي التساوي بين الرجل والمرأة في الدين؛ فالفاسق لا يكون كفؤًا للمؤمنة العفيفة، حيث قال الله تعالى: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ}،[٦] كما أنَّ الكفاءة حقٌ للمرأة ولولِّيها،[٧] وفيما يأتي أقوال الفقهاء في الكفاءة في الزواج:

قول المالكية

ذهب المالكية إلى أنَّ الكفاءة المعتبرة شرعًا إنَّما هي في الاستقامة والخلق، فلا اعتبار عندهم في النسب والصناعة والغنى، وعلى ذلك فإنَّ زواج المرأة صاحبة النسب من الرجل الصالح الذي لا نسب له هو زواجٌ صحيح جائز، كذلك يجوز للرجل صاحب الحرفة الدنيئة الزواج من المرأة صاحبة القدر الرفيع، كما يجوز لمن لا جاه له الزواج من صاحبة الجاه والشهرة،[٨] ودليلهم في ذلك هو قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}،[٩] وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جاءكُم من ترضونَ دينَهُ وخلُقهُ فأنْكحوهُ ، إلا تفعلوا تكن فِتنةٌ في الأرض وفسادٌ".[١٠]

قول الشافعية والأحناف

يرى فقهاءُ الشافعية والأحناف أنَّ هناك أمورًا أخرى لا بدَّ من اعتبارها في الرجل ليكون كفؤًا للمرأة مثل النسب فالعرب أكفاء للعرب والقرشيون أكفاءٌ للقرشيون وعلى ذلك فإنَّ الأعجمي لا يكون كفؤًا للعربية وكذلك العربي لا يكون كفؤًا للقرشية، كما أنَّ هناك قولًا عند الشافعي ورواية عن أبي حنيفة بأنَّ المرأة التي تمارس مهنةً شريفة لا يكون صاحب المهنة الدنيئة كفؤًا لها.[٨]

سمات الزواج الناجح في الإسلام

إنَّ الإسلام جعل العلاقة الزوجية علاقة مميزة، وبوأها المكانة العالية بل جعلها آية من آياته، حيث قال الله تعالى في القرآن الكريم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}،[١١] وقد جعل للزواج سماتٌ وعلامات يُعرف من خلالها ما إن كان الزواج ناجًحا أم لا، ومن هذه السمات ما يأتي:[١٢]

  • إنَّ محاولة كلا الزوجين المحافظة على رابطة زواجهم المقدسة والميثاق الغليظ الذي بينهم، يدلُّ على مدى نجاح حياتهم الزوجية.
  • التعامل المتقن والمنضبط بين الزوجين واحترام أحدهما الآخر يعدُّ علامةً ودليلًا على أنَّ زواجهم زواجًا ناجحًا.
  • إنَّ تعامل الزوجين بحبٍ وألفة وإشاعة تلك المشاعر النبيلة بينهما والشعور بأنَّهما جسدًا واحدًا يعدُّ أيضًا دليلًا على نجاح علاقتهم الزوجية.
  • إنَّ الاستقرار الأسري الذي يعيشانه الزوجين علامة على نجاح زواجهم.
  • توافق الأفكار والتوجهات واحترام آراء الشريك لشريكه، بالإضافة إلى التقاءهم في اهتماماتٍ مشتركة.
  • إنَّ التغافل عن زلات شريك الحياة سواء أكانت زلات لفظية أم فعلية يؤدي إلى استقرار الحياة الزوجية.

كيفية تحقيق الزواج الناجح في الإسلام

عندما يصل الذكر والأنثى إلى سنِّ الشباب تبدأ أنفسهما بالتطلع إلى الزواج والاقتران بشريك الحياة، لكن قد تصيبهما الحيرة ويعتريهما الخوف عند الإقدام على هذه الخطوة، حيث إنَّ الزواج يعدُّ مرحلةً جديدة ومهمة في حياة كلِّ إنسان، فيبدأ كلَّ واحدٍ منهم بتحديد مواصفات الشريك الذي يودُّ الاقتران به لبناء حياةٍ زوجية ناجحة وسعيدة، فيحاول كلًا منهما اختيار الإنسان الذي يكافؤه بالصفات، وهو أمرٌ مهمٌ لا بدَّ منه لإنجاح حياتهما الزوجية،[١٣] بالإضافة إلى عددٍ من الأساسيات وفيما يأتي ذكرها:

قيام الحياة الزوجية على أساس محبة الله وطاعته

يعدُّ هذا الأمر من أعظم الأسس لبناء حياةٍ زوجية سعيدة وناجحة، وذلك لأنَّ تأليف القلوب بيد الله -عزَّ وجلَّ- وإنَّ طاعة الله لها أثرٌ كبير في سيادة الألفة والمحبة بين الزوجين وزيادة التوافق بينهما، لذلك حثَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلم على اتخاذ الزوجة الصالحة التي تعاونه على الخير، ودليل ذلك قول رسول الله: "ليتَّخِذْ أحدُكُم قَلبًا شاكرًا، ولِسانًا ذاكرًا وزَوجةً مُؤْمِنَةً تعينُ أحدَكُم علَى أمرِ الآخِرةِ"،[١٤] كما أنَّ النبي أكد على بدء الحياة الزوجية بطلب التوفيق والسعادة من الله بالدعاء،[١٣] ودليل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تزوَّجَ أحدُكم امرأةً أو اشترى خادمًا فليقل اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما جبلتَها عليهِ وأعوذُ بكَ من شرِّها وشرِّ ما جبلتَها عليهِ".[١٥]

العشرة بالمعروف

أمرالله -عزَّ وجلَّ- الرجل أن يعاشر زوجته بالمعروف، حيث قال الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}،[١٦] كما أنَّه أمر الزوجين بكرم الأخلاق وأن يُعامل أحدهما الآخر بالاحترام والتقدير، حيث إنَّ ذلك يعدُّ سببًا عظيمًا في نجاح الحياة الزوجية، فالحياة الزوجية مبناها المكارمة لا المكايسة كما قال الفقهاء ومعنى ذلك أنّ يكون الزوجين في الوفاق والخلاف على السواء غايةً في كرم النفس ولين الطبع وعليهم أن يكونا أيضًا غايةً في البعد عن الأنانية والشحّ، فمتى كان هذا حالهم كان مآلهم إلى الوفاق والسعادة.[١٣]

المحافظة على أسرار الحياة الزوجية

وتعدُّ هذه السمة من أهم السمات التي من شأنها إنجاح العلاقة الزوجية، فليس كلُّ ما يحدث بين الزوجين يصلح لأن يُذاع بين الأهل والجيران ويشمل ذلك العلاقة الخاصة بين الزوجين، والمشاكل التي تطرأ عليهما وتظهر أهمية حفظ الأسرار في إمكانية حلها بسهولة وإزالة ظلالها القاتمة من غير تدخلِ من يزيد الأمر سوءًا، كما أنَّ نشر المشكلات الزوجية تُشعِر الإنسان وكأنَّه يمشي عاريًا مهتوك الستر مما يزيد في جرحه.[١٣]

العدل

إنَّ العدل بين الزوجين من الأمور المهمة لنجاح الحياة بينهم، وذلك لما له من عظيم الأثر في تقوية بناء الأسرة وتحقيق صفاء القلوب وتآلف النفوس، كما أنَّه يؤدي إلى الموازنة في النظر إلى إيجايبات الشريك وسلبياته، ومن أمثلة العدل بين الزوجين أن يقوم كلَّ طرفٍ منهما بالاعتراف بفضل شريكه وشكره والثناء عليه وتقدير كلِّ ما يقدمه وتكرار ذلك، وقد ضرب رسول الله أكمل مثلٍ في ذلك ويظهر ذلك في مدح السيدة خديجة حتى بعد وفاتها، ومن صور العدل في العلاقة الزوجية العدل بين الزوجات في حال التعدد، وإعطاء كلِّ ذو حقٍ حقه.[١٣]

تحمّل المسؤولية من كلا الطرفين

إنَّ المسؤولية في الحياة الزوجية مقسَّمة بين الزوجين كلٌّ يتحمَّل ما يقدر عليه بحسب ما يتلائم مع طبيعة خلقته، ودليل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْئُولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا"،[١٧] فلا يمكن أن تستقيم الحياة الزوجية إلا إن أدَّى كلَّ طرفٍ من الأطراف واجباته، حيث إنَّ ذلك يزيد التوافق بينهما، كما أنَّ قدرة كلًا من الشريكين على حلِّ المشكلات التي تواجههم سواء أكانت هذه المشكلات داخلية أم خارجية من غير الإخلال في واجباته يعدُّ وسيلة لتحقيق النجاح في حياتهم الزوجية، ولا بدَّ من التنبيه إلى أمرٍ يعدُّ فهمه بالشكل الصحيح ضرورة لإنجاح الحياة الزوجية ألا وهي درجة القوامة، وهي الدرجة التي امتاز الله بها الرجل، فإنَّ إعطاء الرجل هذه الدرجة لا يقتضي تفضيلًا في المكانة عند الله إنَّما هو تفضيل لتستقيم الحياة؛ وذلك بأن يقوم كلَّ واحدٍ منهما بما عليه من واجبات تتناسب مع قدراته وخصائصه.[١٣]

المراجع[+]

  1. سورة النور، آية:32
  2. سورة الرعد، آية:38
  3. "الزواج.. فضائل وفوائد وأحكام"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-19. بتصرّف.
  4. "تعريف و معنى كفاءة في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-19. بتصرّف.
  5. "الكفاءة في النكاح"، www.dar-alifta.org، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-20. بتصرّف.
  6. سورة السجدة، آية:18
  7. "حكم طلب الزوجة أو وليّها التفريق لعدم كفاءة الزوج"، www.aliftaa.jo، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-19. بتصرّف.
  8. ^ أ ب "الكفاءة المعتبرة في النكاح"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-19. بتصرّف.
  9. سورة الحجرات، آية:13
  10. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن أبي حاتم المزني، الصفحة أو الرقم:1085، حديث حسن غريب.
  11. سورة الروم، آية:21
  12. "مهارات الزواج الناجح"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-20. بتصرّف.
  13. ^ أ ب ت ث ج ح "أسس بناء العلاقة الزوجية في الإسلام"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-05-19. بتصرّف.
  14. رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصفحة أو الرقم:1517، حديث صحيح.
  15. رواه ابن حجر العسقلاني، في تخريج مشكاة المصابيح، عن جد عمرو بن شعيب، الصفحة أو الرقم:14، حديث حسن.
  16. سورة النساء، آية:19
  17. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم:2409، حديث صحيح.