معنى آية: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، بالشرح التفصيلي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٦:١٨ ، ٢٧ يوليو ٢٠٢٠
معنى آية: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، بالشرح التفصيلي

الهدى في القرآن الكريم

إن معنى كلمة هدى في اللغة العربية أي الرشاد والإيضاح والدلالة، وقد وردت هذه الكلمة في غير موضع من كتاب الله وكلُّ موضعٍ له دلالته حسب سياق الكلمة، ومن ذلك قول الله تعالى: {أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ}،[١] فجاءت كلمة هدى في هذه الآية بمعنى البيان والبصيرة والنور من الله تعالى، وأمَّا قوله -سبحانه- في سورة الحج: {إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ}،[٢] فوردت في هذا السياق بمعنى الإسلام أي إنَّه على دين الإسلام، وقال الله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ}،[٣] أي جاءهم القرآن الكريم، وله دلالات ومعاني أخرى كثيرة لا يتسع المقام لذكرها الآن، وأمَّا من الآيات الأخرى التي وردت فيها كلمة هدى قول الله تعالى في سورة طه: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ}،[٤] وسيقف هذا المقال مع شرح الآية الكريمة من سورة طه، وتفسير واستنباط الثمرات منها وإعرابها، وفيما يأتي سيكون ذلك.[٥]

معنى آية: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، بالشرح التفصيلي

ابتدأ الله تعالى آيته في سورة طه بقوله: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ}،[٦] وكان الخطاب في هذه الآية لآدم -عليه السلام- ولذريته أن اهبطوا من الجنة إلى الأرض التي جعلها الله تعالى مسكنًا لآدم وبنيه، فكان البشر أعداءً لبعضهم؛ بسبب ظلمهم لبعضهم في الحياة الدُّنيا، فمن اتبع هدى الله تعالى وهو القرآن الكريم فلن يضلَّ في الحياة الذُنيا ولن يشقى يوم القيامة،[٧] ويقول عبد الله بن عبَّاس -رضي الله عنه- أنَّ من اختار اتباع أوامر الله تعالى ورسوله والانتهاء عن نواهيه -سبحانه- فلا بدَّ أنَّ الله لن يضله في الحياة الدنيا بل سيكون مستقيمًا ينعم بعيشه ولن يشقيه في الدار الآخرة.[٨]

فمن آمن به وبرسله وكان وقَّافًا عند حدوده مؤمنًا به ومعظمًا لحرماته فسيكون من السعداء الذين لن يضلهم الله تعالى في الدَّار الأولى، وأمَّا من أعرض عن الالتزام بأوامره الله تعالى فسيبتله الله بضنك العيش وضيقها، وهذا منالعقاب الذي عجله الله تعالى لمن يخالف أوامره، وأمَّا في الدَّار الآخرة فسيكون له العذاب الأليم وإلى جهنم وبئس المصير، وأمَّا هدى الله تعالى فهو القرآن الكريم وما جاء به ولا يكون اتّباع الهدى إلَّا من خلال الالتزم بما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا بدَّ من الإخلاص في اتباع أوامر الله تعالى والانتهاء عن نواهيه.[٨]

وقد ذكر الإمام الطبري في تفسيره للآية الكريمة من سورة طه أنَّ الله تعالى أوحى لآدم وحواء أن يهبطا من الجنة إلى الأرض، فيكونان عدوّان لإبليس ويكون إبليس عدوًّا لهما ولذرية آدم بأجمعها، وأما قوله تعالى فإمَّا يأتينكم مني هدى فالخطاب لآدم وحواء وإبليس، فإن جاءهم هدى من الله تعالى وبيانٌ ودين فاتبعوه كانوا ممن رضي الله تعالى عنهم وأرشدهم ودلهم إلى طريق الصلاح، والشقاء في الآخرة هو عذاب الله تعالى وعقابه وناره التي يستحقها من خالف أوامره، وقال أهل التفسير والتأويل أن ذلك ضمانٌ من الله تعالى لكل من قرأ القرآن فاتبع أوامره وانتهى عن نواهيه أن يجعله من المرضي عليهم في الدنيا والآخرة، وزاد على ذلك ابن عباس أن الله تعالى تكفل بقارئ القرآن أن يحميه من أهوال يوم القيامة ويعصمه من الضلال.[٩]

وبيان الله وهداه هو كتبه ورسله وأنبياءه فهم الذين يقع عليهم تبيين الطريق الصحيح إلى جنة الله، والأمور التي لا بدَّ للمؤمن أن يكون محيطًا وعارفًا بها، فمن اتبع تلك الأوامر والنواهي لا بدَّ وأنَّه قد هُدي إلى الصراط المستقيم، والضلال والشقاء لا يكونان إلا لمن خالف أوامر الله تعالى، أمَّا من استمسك بالعروة الوثقى فلن يضله الله في الدنيا ولن يشقيه يوم القيامة، يقول القرطبي ولعلَّ الله أنزلإبليس إلى مكان ما في السماء ثم بعدها هبط إلى الأرض، وبذلك فإن قول الله تعالى {اهبطا}، يُقصد بها آدم وإبليس وليس آدم وحواء؛ لأن الأصل أن حواء تتبع زوجها آدم وأما قول الله تعالى {بعضكم}، أي نسليكم وهما نسل آدم ونسل إبليس سيكونان أعداء بعضهما، فهما الأصل من النوعين اللذين خلقهما الله وهما الإنسان والشيطان، والله هو أعلى وأعلم.[١٠]

معاني المفرادات في آية: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى

إنَّ فهم الكلام بعامَّته لا يكون إلا من خلال فهم المفردات، إذ إنَّ فهم الأخصّ يسبق الأعم، ولا بدَّ من الإحاطة بالدوائر الصغيرة ليصل المرء إلى الدائرة العامة، فالجمل والعبارات هي الدوائر العامة، وفهمها يتطلَّب معرفةً بأحوالالكلمة ومعناها حسب السياق الموجودة فيه، وستقف هذه الفقرة مع تفسير قول الله تعالى من سورة طه: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى:

  • اتبع: الاتباع أو التتبع هو تقفي الأثر والخطوات والانقياد والخضوع بشكلٍ تام، فيُقال اتبع يا فلان القرآن ففيه النجاة؛ أي اعمل به.[١١]
  • هداي: الهدى هو الرشاد والدلالة، وعكس الهدى هو الضلال ويُقال عن الدين والشريعة هدى.[١٢]
  • يضل: الضلال هو الهلاك، ويُقال عن النسيان أيضًا ضلال وعن الباطل ضلال، وأمَّا الضلال بالمعنى الشرعي فهو الابتعاد عن الصراط المستقيم سواء كان قليلًا أم كثيرًا.[١٣]
  • يشقى: الشقاء هو التعب والألم وقد يُقال عن الألم النفسي شقاءً، والشقاء هو التعب والمحنة والضلال.[١٤]

إعراب آية: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى

إنَّ الإعراب هو العلم الذي يُعنى بفهم الكلام، ويُعنى بضبط أواخر الكلمات؛ حتى يسهل فهمها، ولا يُمكن للرجل أن يكون مفسرًا ما لم يكن محيطًا بعلم الإعراب من جوانبه عامة، خاصة وأنَّ القرآن الكريم يتطلب دقة في الفهم، وبعد أن تمَّ تفسير قول الله تعالى من سورة طه فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى حسب ما اهتدى إليه علماء التفسير والتأويل، وشرح المفردات حسب معجم المعاني للغة العربية، ستقف هذه الفقرة مع إعراب الآية الكريمة إعرابًا تفصيليًّا:[١٥]

  • فمن: الفاء رابطة لجواب الشرط، من: اسم شرط جازم مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ.
  • اتبع: فعل ماض مبنيّ على الفتح الظاهر وهو في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
  • هداي:  مفعول به منصوب وعلامة النصب الفتحة المقدّرة على الألف منع من ظهورها التعذر، والياء ضمير متصل مبني في محل جر بالإضافة.
  • فلا: الفاء رابطة لجواب الشرط، لا نافية لا عمل لها.
  • يضلُّ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
  • ولا: الواو حرف عطف، لا نافية لا عمل لها.
  • يشقى: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.

الثمرات المستفادة من آية: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى

لم يُنزل الله -تعالى- كتابه إلا لتتبصر فيه الأمم فيكون حبل النجاة لهم في الدين والآخرة، فالقرآن ليس كلامًا يُتلى بل هو عبر وآيات وعظات لا بدَّ أن يتبصر بها المؤمن؛ حتى يكون من عباد الله المتفكرين، وبعد أن تمَّ شرح الآية الكريمة من سورة طه وتفسيرها تفسيرًا شاملًا والتفصيل في ذلك، لا بدَّ من استنباط الثمرات المستفادة منها حسب ما توصل إليه أهل العلم والدين، وفيما يأتي سيكون بيان ذلك:

  • سعادة المرء لا تكون إلا من خلال اتباع أوامر الله والانتهاء عن نواهيه، ومن يُخالف ذلك فسيتسبب لنفسه بالشقاء والألم النفسي، وفلاح الدنيا أول ما يكون من خلال التمسك بعروة الله الوثقى التي لا انفصال لها، ولا تكون تزكية النفس وتطهيرها إلا من خلال ضبطها وإبعادها عن محارم الله، واتباع أنبياء الله -تعالى- ورسله، والله أعلى وأعلم.[١٦]
  • حفظ الله تعالى لا يكون إلا من نصيب من اتبع أوامره واهتدى بهديه، وبذلك تكون له جنة عرضها السماوات والأرض فهو لا يضل ولا يشقى، ويستحق أن يكون في رغدٍ من العيش، وذلك لا يقتصر على الآخرة بل من أكبر النعم في دار الدنيا هي الرَّاحة التي يزرعها الله في نفوس من اتبع كتابه وتمعن فيه.[١٧]
  • طريق الضلال بيِّنٌ وطريق الهداية بيِّنٌ وما على المؤمن إلا أن يعزم أمره ويتجه إلى كتابه -سبحانه- ويستعين به للوصول إلى النعيم الأبدي، ولم يكتف الله ببيان الطريقين لعباده بل حفَّزهم على اتباع طريق الهداية والابتعاد عن طريق الغواية، وما هي التَّبعات التي سيحصدها ابن آدم عند اتباعه كل طريق من تلك الطرق.[١٨]

المراجع[+]

  1. سورة البقرة، آية:5
  2. سورة الحج، آية:67
  3. سورة الكهف، آية:55
  4. سورة طه، آية:23
  5. "لفظ (الهدى) في القرآن الكريم"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.
  6. سورة طه، آية:123
  7. جلال الدين محمد بن أحمد المحلي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (1971)، تفسير الجلالين، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 320. بتصرّف.
  8. ^ أ ب "تفسير قوله: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ...)"، binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.
  9. "القرآن الكريم - تفسير الطبري - تفسير سورة طه - الآية 123"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.
  10. "قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (طه - 123)"، www.quran7m.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.
  11. "تعريف و معنى اتبع في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.
  12. "تعريف و معنى هدى في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.
  13. "تعريف و معنى الضلال في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.
  14. "تعريف و معنى الشقاء في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي"، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.
  15. "كتاب: الجدول في إعراب القرآن"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.
  16. "ثمرات تزكية النفوس"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.
  17. "وقفة مع آية من كتاب الله (1)"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.
  18. "الإرادة.. وبداية التغيير"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 2020-07-18. بتصرّف.